تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصارا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
ماذا يريد الكاتب؟
يريد المفكر الإيراني الدكتور علي شريعتي من خلال أطروحته الفكرية المحورية في كتاب “العودة إلى الذات” إيقاظ المجتمعات الشرقية والإسلامية من حالة التخدير الفكري والتبعية الثقافية التي فرضتها الهيمنة الغربية والاستعمار الحديث.
يسعى شريعتي إلى تفكيك مفهوم “الاستغراب” أو “التفرنج” وإظهار خطورة تحول الشعوب من كائنات منتجة للوعي والحضارة إلى مجرد مجتمعات استهلاكية تتبع النموذج الغربي دون وعي بالظرف الاجتماعي والتاريخي الخاص بها.
إن الهدف الأساسي للكاتب هو صياغة مشروع نهضوي يستند إلى “الأصالة”، حيث يطالب بإعادة اكتشاف الجذور الثقافية والتاريخية والدينية، واستعادتها كقوة محررة تنبع من الوعي والتكليف لا من الانغلاق أو التبعية الأعمى للتراث أو للغرب على حد سواء.
لماذا كُتب هذا الكتاب؟
كُتب هذا العمل الفكري في لحظة تاريخية فارقة شهدت تصاعد التيارات الفكرية الوافدة من الشرق والغرب (كالوجودية والماركسية والرأسمالية)، وسط حالة من التشتت والضياع الهوياتي لدى الأجيال الشابة والمثقفين في العالم الإسلامي، حاول شريعتي الإجابة عن سؤال النهضة: “كيف تستعيد الأمة استقلالها الحضاري والفكري؟”
جاء الكتاب ليكون صرخة نقدية ضد “الاستحمار الفكري” — وهو المصطلح الشهير الذي ابتكره شريعتي لوصف عملية إبعاد الإنسان عن نباهته الذاتية والاجتماعية وإشغاله بقضايا فرعية أو استهلاكية — ولتأكيد أن أي نهضة اقتصادية أو سياسية لا يمكن أن تنجح ما لم تسبقها نهضة في الإنتاج المعنوي والفكري المستقل.
يلخص هذا الكتاب عدة أمور:
مفهوم الأصالة والنسبية الثقافية: يوضح الكتاب أن التجارب الحضارية للأمم لا يمكن استنساخها بشكل أعمى، فما ينجح في بيئة غربية قد يتحول إلى أداة تدمير إذا نُقل دون مراعاة السياق الاجتماعي والمعرفي للمجتمع المستقبِل.
نقد الاستهلاك والشكلية: يفرق شريعتي بوضوح بين أن تكون صانعًا للحضارة وبين أن تكون مجرد مستهلك لمنتجاتها؛ فالمستهلك يظل في حالة عبودية فكرية واقتصادية تضمن استمرار الهيمنة الاستعمارية.
مسؤولية المثقف والمتنور: ينقد الكتاب حالة الاغتراب التي يعيشها بعض المفكرين عن مجتمعاتهم، ويؤكد أن وظيفة المثقف الحقيقي هي التجسير بين الأفكار التنويرية والجماهير بلغة يفهمونها، وتحويل المعرفة إلى وعي نضالي وأخلاقي.
إعادة تقديم الدين كأيديولوجية حركة ووعي: يرى الكاتب أن الدين حين يتحول إلى مجرد طقوس مكررة أو تقليد اجتماعي شكلي يصبح عاجزًا عن المواجهة، بل يجب طرحه كرسالة تنويرية تحرر الإنسان من المادية والاستبداد وتمنحه التكليف والمسؤولية.
الفرق بين التعصب المنغلق والتعصب الواعي: يدافع الكاتب عن تمسك الإنسان بهويته (التعصب الواعي) كمرحلة ضرورية لبناء الذات وحمايتها من التذويب الثقافي، مع الرفض التام للتحجر والجهل.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
الباحثون والمهتمون بعلم الاجتماع السياسي والفكر الإسلامي المعاصر: يقدم الكتاب زاوية تحليلية عميقة لربط الفكر بالواقع الاجتماعي والطبقي.
الشباب والمثقفون الذين يعانون من تشتت الهوية: يمثل الكتاب بوصلة لكل من يبحث عن التوازن بين المعاصرة والحفاظ على الأصالة الجوهرية.
قراء الفلسفة والنقد الحضاري: لمن يرغب في فهم آليات الهيمنة الثقافية والاستعمار الجديد وكيفية مواجهته فكريا.
مميزات الكتاب:
الجرأة والنقد المزدوج: لا يكتفي شريعتي بنقد الغرب والاستعمار، بل يوجه نقدًا لا يقل قسوة للجمود الفكري والجمود التراثي داخل المجتمعات الشرقية.
المصطلحات الابتكارية المكثفة: تميز الكتاب بإدخال مفاهيم فكرية جديدة ومؤثرة مثل “الاستحمار” و”النباهة الاجتماعية”.
البُعد النفعي والتطبيقي: لا يقف الكتاب عند حدود الفلسفة النظرية المعزولة، بل يسعى دائمًا إلى تحويل الفكرة إلى سلوك وحركة واعية في الميدان الاجتماعي.
الربط بين الفكر والتاريخ والطبقة: يعتمد شريعتي منهجًا تحليليًا متعدداً يتناول الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كبنية واحدة.
قراءة صحفية
في زمن تتشابه فيه الأنماط الثقافية وتذوب الخصوصيات الفكرية تحت سطوة العولمة ومنافذ التواصل الرقمي، تعود طروحات المفكر علي شريعتي في كتاب “العودة إلى الذات” لتفرض حضورها بقوة كواحدة من أكثر القراءات الفكرية تشخيصًا لأزمة الإنسان المعاصر.
لا ينطلق شريعتي في دعوته للعودة إلى الذات من رغبة رومانسية في الانكفاء على الماضي أو استعادة التاريخ بصورته الخام، بل يقدم أطروحة عملية ترى أن استعادة “الوعي الذاتي” هي الشرط الأول والأهم لأي بناء حضاري أو اقتصادي مستقل.
يجادل شريعتي بأن المأساة الكبرى للشعوب النامية تكمن في وقوعها في فخ “التحضر الزائف”، حيث توهم هذه الشعوب نفسها بأنها دخلت عصر الحداثة بمجرد استهلاكها لمنتجات الثقافة الغربية، في حين أنها تكرس بذلك حالة من التبعية الدائمة، فالغربي عندما ينتج الفكر والتكنولوجيا إنما يعبر عن بيئته وتاريخه، أما حين يستورد الشرقي هذه المنتجات دون وعي بنائها المعرفي، فإنه يتحول إلى كائن مغترب عن بيئته الحقيقية، يُساق بشرط غيره لا بشرطه الذاتي.
ومن هنا تبرز القوة التحليلية لمفهوم “الاستحمار” الذي يطرحه الكاتب؛ فالمهمة الأساسية لآليات الاستعمار الحديث — بسائر أدواتها الإعلامية والثقافية — ليست بالضرورة منع الناس من التفكير، بل توجيه تفكيرهم نحو قضايا هامشية وانفعالية تُبعدهم عن “النباهة الإنسانية والاجتماعية”.
إن أي قضية تفرض على الفرد وتسرق منه وعيه بموقعه التاريخي وواجباته تجاه مجتمعه هي في جوهرها عملية تخدير واستحمار، حتى وإن ارتدت رداء الفلسفة أو الفن أو العلم.
كما يخوض شريعتي في الكتاب معركة فكرية لإعادة تعريف ووظيفة “المثقف”. المثقف في رؤيته ليس ذلك الأكاديمي المقيم في أبراج عاجية أو المتحدث بلغة معقدة لا تفهمها الجماهير، بل هو “المتعصب الواعي” الذي يحس بأوجاع عصره، ويكافح لنقل الحقائق من أروقة الكتب إلى وعي الشارع.
ويحذر الكتاب من أن “كلمة الحق عندما تُطرح في جغرافية باطلة أو غير واعية تقتل نفسها”، مما يعني أن على المفكر أن يزن الأفكار بظروف المجتمع وزمانه ليحقّق التغيير المنشود.
إن “العودة إلى الذات” عند شريعتي ليست عودة إلى ذات عرقية أو طائفية ضيقة، بل هي عودة إلى “الذات الإنسانية الأصيلة” المؤمنة والمستقلة، ذات تمتلك الرغبة في التحرر من التبعية المادية، وتملك القدرة على الإبداع والإنتاج المعنوي قبل المادي، إنه نداء لاستعادة البوصلة والتمييز بين ما يغذي وعي الإنسان وما يستنزف وجوده.
أخيرًا.، يبقى كتاب “العودة إلى الذات” بمثابة مراجعة فكرية ضرورية تذكرنا بأن الحرية الحقيقية تبدأ من استقلال العقل والهوية. إن أسئلة الكاتب حول التبعية والأصالة والوعي تظل قائمة وتنبض بالحياة، تدعو كل قارئ لمراجعة قناعاته، والبحث عن ذاته الحقيقية بعيدًا عن ضجيج التبعية الأعمى والتقليد الشكلي.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: العودة إلى الذات (الآثار الكاملة – الجزء 11)
المؤلف: د. علي شريعتي
دار النشر: دار سروش / مؤسسة الانتشار العربي (بحسب الطبعة مترجمًا)
بلد النشر: إيران / لبنان
الطبعة: متعدد الطبعات
سنة النشر: 1981م (الطبعة الأولى للترجمة العربية)
عدد الصفحات: يختلف بحسب الطبعة (تتراوح بين 350 – 450 صفحة في المجلد الكامل)
رقم الإيداع: 978-9953932675
ISBN: 978-9953932675







