‏ التعليم .. من صناعة الخريج إلى بناء الإنسان ‏

ربما تكون المشكلة الأكبر في التعليم اليوم أننا أصبحنا نعرف كيف نُعلِّم الإنسان ‏أشياء كثيرة، لكننا ‏أقل قدرة على الإجابة عن السؤال: لماذا نُعلِّمه إياها؟ نحن نخرّج ‏مهندسًا يعرف كيف يصمم، ومبرمجًا يعرف كيف يبني أنظمة معقدة، وطبيبًا يعرف ‏كيف ‏يشخّص ويعالج، وخبيرًا في الذكاء الاصطناعي يستطيع تطوير أدوات تتجاوز ‏أحيانًا قدرات البشر ‏في معالجة المعلومات. ومع ذلك، لا تضمن هذه المعرفة ‏بالضرورة أن يمتلك أصحابها القدرة على ‏التفكير في الغاية من كل ما يفعلونه، أو ‏في الأثر الذي تتركه مهاراتهم في الإنسان والمجتمع.‏
وهنا تكمن المفارقة “كلما اتسعت قدرتنا على الفعل، أصبح سؤال الغاية أكثر ‏إلحاحًا”، لقد انشغل التعليم طويلًا بتدريب الإنسان على الإجابة عن سؤال ‏‏«كيف؟»، بينما تراجع سؤال ‏‏«لماذا؟». كيف ننتج؟ كيف نبرمج؟ كيف ندير؟ كيف ‏نرفع الكفاءة؟ كيف ننافس؟ لكن من يسأل: ‏لماذا ننتج؟ وما الذي يستحق أن ‏نبرمجه؟ ولأي غاية نستخدم المعرفة؟ وما حدود ما ينبغي للإنسان ‏أن يفعله، حتى ‏لو كان قادرًا عليه؟

ليست المشكلة في العلم، ولا في التكنولوجيا، ولا في التخصص. المشكلة في أن ‏تتحول هذه كلها من ‏أدوات في يد الإنسان إلى غايات تحدد وحدها شكل الإنسان ‏وحياته. وعندما يحدث ذلك، يصبح ‏التعليم أقرب إلى مصنع لإنتاج الكفاءات منه ‏إلى مؤسسة لبناء الإنسان.‏ من هنا تبدأ أزمة المعنى في التعليم المعاصر.‏

التخصص الذي يضيّق الرؤية

أحد أبرز التحديات التي تواجه التعليم الحديث أنه انشغل، تحت ضغط متطلبات ‏الاقتصاد وسوق العمل، بإنتاج متخصصين ‏يمتلكون مهارات دقيقة، بينما تراجع ‏الاهتمام ببناء الإنسان صاحب الرؤية الواسعة‎، وليس الخطأ في التخصص ذاته؛ ‏فالتقدم العلمي لا يمكن أن يتحقق من دون التخصص، والمجتمعات الحديثة تحتاج ‏إلى الطبيب ‏والمهندس والمبرمج والاقتصادي والباحث والمتخصص في علوم ‏البيانات. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التخصص من وسيلة ‏للإتقان إلى إطار ‏مغلق يحاصر رؤية الإنسان للعالم‎.‎
قد يتخرج الطالب وهو يعرف الكثير عن جزئية شديدة الدقة في مجاله، لكنه لا ‏يعرف ما يكفي عن التاريخ الذي صنع مجتمعه، ‏أو الفلسفة التي شكلت أسئلته ‏الكبرى، أو الأخلاق التي ينبغي أن تضبط استخدام المعرفة، أو طبيعة التحولات ‏الاجتماعية ‏والسياسية التي تحيط بعمله‎.‎‏ وهنا يصبح التعليم قادرًا على إنتاج «عقل ‏تنفيذي» يجيد استخدام الأدوات، لكنه أقل قدرة على إنتاج «عقل نقدي» يسأل عن ‏‏آثار استخدامها وحدودها وغاياتها‎.‎
إن المجتمع الذي يختزل قيمة التعليم في قدرة الخريج على الحصول على وظيفة قد ‏ينجح في تحقيق بعض أهدافه الاقتصادية، ‏لكنه يخاطر، في المقابل، بإنتاج أجيال ‏قادرة على العمل لكنها أقل قدرة على فهم العالم الذي تعمل داخله‎.‎

التكنولوجيا تمنحنا الوسيلة.. فمن يمنحنا الغاية؟

ليس المطلوب أن نتراجع عن التكنولوجيا أو أن نضع العلوم التطبيقية في مواجهة ‏الفلسفة والآداب والعلوم الإنسانية. على ‏العكس، فإن التحدي الحقيقي هو استعادة ‏التوازن بين هذه المجالات‎.‎
فالعلوم تخبرنا بما يمكن فعله، والتكنولوجيا تمنحنا القدرة على فعله، لكن العلوم ‏الإنسانية والفلسفة والأدب والتاريخ تساعدنا على ‏الإجابة عن سؤال آخر لا يقل ‏أهمية: هل ينبغي أن نفعل ذلك أصلًا؟ وإذا فعلناه، فما آثاره على الإنسان والمجتمع؟
هذه المسافة بين «الممكن» و«المشروع» هي واحدة من أهم المساحات التي يجب ‏أن يشغلها التعليم‎.‎

الذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، يستطيع أن يضاعف قدرتنا على إنتاج ‏المعلومات وتحليلها، لكنه لا يستطيع، وحده، أن ‏يحدد ما إذا كان استخدام هذه ‏القدرة عادلًا أو أخلاقيًا أو نافعًا للمجتمع. والتكنولوجيا تستطيع أن تجعل التواصل ‏أسرع، لكنها لا ‏تضمن أن يكون هذا التواصل أكثر إنسانية أو صدقًا‎.‎
ومن دون التفكير النقدي والتربية الأخلاقية، يمكن للأداة أن تتحول تدريجيًا من ‏وسيلة في يد الإنسان إلى قوة تعيد تشكيل ‏الإنسان نفسه وفق منطقها الخاص‎.‎ لذلك، فإن العودة إلى الفلسفة والعلوم الإنسانية ليست ترفًا ثقافيًا، ولا محاولة لإحياء ‏مواد دراسية ينظر إليها البعض باعتبارها ‏بعيدة عن سوق العمل، وإنما هي ضرورة ‏تفرضها طبيعة العصر نفسه‎.‎
كلما ازدادت قوة أدواتنا، ازدادت حاجتنا إلى الحكمة التي تضبط استخدامها‎.‎

من «التعليم» إلى «التعلم»: لماذا لا تنتهي المعرفة عند الشهادة؟

ثمة وهم آخر رسخته المنظومة التعليمية الحديثة، وهو أن التعليم له بداية ونهاية؛ ‏يبدأ مع دخول المدرسة أو الجامعة، وينتهي ‏بالحصول على الشهادة، لكن العالم ‏المعاصر لم يعد يسمح بهذا التصور‎.‎‏ فالمعارف تتغير، والمهن تتبدل، والتكنولوجيا ‏تعيد تشكيل سوق العمل بصورة متسارعة، والأفكار التي كانت مستقرة قبل سنوات ‏‏قليلة أصبحت موضع مراجعة مستمرة. لذلك لم يعد كافيًا أن نُعد الإنسان لمرحلة ‏محددة من حياته، بل أصبح المطلوب أن نُعده ‏للقدرة على التعلم وإعادة التعلم‎.‎
التعلم مدى الحياة ليس مجرد شعار تربوي، وإنما أصبح ضرورة اجتماعية ‏وحضارية‎، والأمر لا يتعلق بالشباب وحدهم. فصانع القرار، والموظف، والمدير، ‏والمعلم، والإعلامي، والمهندس، والطبيب، ورجل الأعمال، ‏وكل من يشارك في إدارة ‏المجتمع، يحتاج إلى تجديد معارفه وفهمه للتحولات التي تجري من حوله‎.‎
من هنا، فإن المجتمع المتعلم ليس هو المجتمع الذي ترتفع فيه نسبة الحاصلين ‏على الشهادات فحسب، وإنما المجتمع الذي ‏يظل أفراده قادرين على مراجعة ‏أفكارهم، وفهم المتغيرات، ومناقشة قضاياه الكبرى بعقلانية ومسؤولية‎.‎

من أين يبدأ الإصلاح؟
إعادة الاعتبار إلى معنى التعليم لا تحتاج بالضرورة إلى هدم المنظومة القائمة، ‏وإنما إلى إعادة توجيه بوصلتها‎.‎
أولًا، ينبغي إعادة إدماج الفلسفة والتفكير النقدي والأخلاق والعلوم الإنسانية داخل ‏برامج العلوم التطبيقية والهندسة والتكنولوجيا، ‏بحيث لا يتخرج المتخصص وهو ‏منفصل عن السياق الإنساني والاجتماعي لعمله‎.‎
ثانيًا، يجب الانتقال بصورة أكثر جدية من مفهوم «التعليم» إلى مفهوم «التعلم مدى ‏الحياة»، عبر إنشاء برامج ومنصات ‏ومؤسسات قادرة على إعادة تأهيل الأفراد ‏معرفيًا وفكريًا، وليس مهنيًا فقط‎.‎
ثالثًا، ينبغي أن يتغير معيار النجاح التعليمي نفسه. فلا يمكن أن يكون عدد ‏الخريجين أو قدرتهم على اجتياز الاختبارات أو ‏سرعة حصولهم على وظيفة هو ‏المعيار الوحيد لنجاح المنظومة‎.‎
النجاح الحقيقي يقاس أيضًا بقدرة المتعلم على التفكير المستقل، وطرح الأسئلة، ‏وتحليل المعلومات، واحترام الاختلاف، والتمييز ‏بين ما هو صحيح وما هو زائف، ‏وبين ما هو ممكن وما هو جدير بأن يُفعل‎.‎

التربية بوصفها قضية سيادة
في النهاية، فإن أزمة التعليم ليست أزمة مناهج أو امتحانات أو مهارات وظيفية ‏فقط؛ إنها أزمة في تعريف الغاية من التعليم ‏نفسه‎.‎
فالدولة التي تنتج عقولًا قادرة على استخدام التكنولوجيا دون أن تمتلك القدرة على ‏فهم آثارها، أو تنتج متخصصين دون وعي ‏بالسياق الاجتماعي والتاريخي لعملهم، ‏قد تحقق تقدمًا تقنيًا، لكنها تظل معرضة لأزمة أعمق تتعلق بالاتجاه والغاية‎.‎
ولهذا فإن التربية أصبحت جزءًا من قضية السيادة والنضج الحضاري. فالمجتمعات ‏لا تحمي استقلالها بالاقتصاد والتكنولوجيا ‏والقوة المادية وحدها، وإنما تحميه أيضًا ‏بقدرتها على إنتاج إنسان يعرف من هو، وما الذي يريده، وما القيم التي يريد أن ‏يبني ‏عليها مستقبله‎.‎
المشكلة في عصرنا ليست أننا لا نملك المعلومات؛ فنحن نعيش في أكثر العصور ‏وفرة بالمعلومات. وليست أننا نفتقر إلى ‏الأدوات؛ فالأدوات تتطور كل يوم بوتيرة ‏مذهلة‎.‎

 

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *