قراءة في كتاب العقل المتمرّسThe Practicing Mind

تمهبد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

يقدم توماس م. ستيرنر في كتابه العقل المتمرّس فكرة بسيطة لكنها قادرة على تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى التعلم والعمل والحياة اليومية، وهي أن الإنسان كثيرًا ما ينشغل بالوصول إلى النتيجة وينسى قيمة الطريق الذي يسلكه للوصول إليها، فنحن نريد أن نتعلم بسرعة، وننجح بسرعة، ونرى ثمار جهودنا في أقرب وقت، وعندما تتأخر النتائج نشعر بالإحباط وكأننا لا نتقدم، رغم أن التقدم الحقيقي قد يكون يحدث بالفعل ولكننا لا نراه لأن تركيزنا منصب على النهاية.

يرى ستيرنر أن الحل يكمن في تعلم عقلية الممارسة؛ أي أن نتعامل مع كل مهارة أو هدف باعتباره عملية مستمرة تحتاج إلى وقت وصبر وتكرار، فالشخص الذي يتعلم العزف على آلة موسيقية، أو يمارس الرياضة، أو يتعلم لغة جديدة، لا يمكنه أن يصبح متقنًا في أيام قليلة، لكن المشكلة أن الإنسان يريد أن يشعر بالنجاح منذ البداية، وعندما يكتشف أن مستواه ما زال بعيدًا عن المستوى الذي يطمح إليه، يبدأ في فقدان حماسه، لذلك يدعو الكاتب إلى الاستمتاع بالممارسة نفسها بدل انتظار السعادة عند الوصول إلى النتيجة.

ومن الأفكار الأساسية في الكتاب أن العملية أهم من النتيجة، وهذا لا يعني أن الأهداف غير مهمة، بل إن وجود الهدف ضروري لأنه يمنحنا اتجاهًا واضحًا، لكن الخطأ يبدأ عندما يصبح الهدف هو الشيء الوحيد الذي نفكر فيه، فإذا كان الطالب لا يهتم إلا بالحصول على الدرجة النهائية، فقد يتحول التعلم بالنسبة إليه إلى ضغط مستمر. وإذا كان الموظف لا يرى في عمله إلا الترقية أو المكافأة، فقد يفقد القدرة على الاستمتاع بما يفعله الآن.

ويشرح الكاتب أن التركيز على العملية يساعد الإنسان على التعامل مع الأخطاء بصورة مختلفة، فبدل أن ينظر إلى الخطأ باعتباره دليلًا على الفشل، يمكن أن يراه جزءًا طبيعيًا من عملية التعلم، فالممارسة الحقيقية ليست تكرار الشيء بطريقة آلية، وإنما ملاحظة ما يحدث، واكتشاف الأخطاء، وتصحيحها، ثم إعادة المحاولة، ومن هنا تصبح الأخطاء معلومات تساعد الإنسان على معرفة ما يحتاج إلى تطويره.

ويركز ستيرنر كذلك على مفهوم التركيز، فالإنسان المعاصر يعيش وسط عدد هائل من المشتتات، ولذلك أصبح من الصعب أن يمنح مهمة واحدة اهتمامه الكامل، الهاتف والإشعارات والأفكار المتداخلة والرغبة في إنجاز أكثر من شيء في الوقت نفسه تجعل العقل ينتقل باستمرار من مهمة إلى أخرى.

ويؤكد الكاتب أن إتقان أي مهارة يحتاج إلى القدرة على العودة إلى المهمة الحالية كلما شرد الذهن.

ومن الأفكار المهمة التي يطرحها الكتاب أن التركيز لا يعني أن العقل لن يشتت أبدًا، فهذا أمر غير واقعي، العقل بطبيعته ينتقل من فكرة إلى أخرى، لكن المهارة الحقيقية تكمن في ملاحظة التشتت والعودة إلى المهمة دون غضب من النفس، وبذلك تصبح عملية استعادة التركيز نفسها نوعًا من التدريب العقلي.

ويرتبط ذلك بفكرة أخرى وهي الصبر، فالكاتب يرى أن الإنسان يواجه صعوبة في الصبر لأنه يريد نتائج فورية، لكن معظم المهارات المهمة في الحياة لا تنمو بهذه الطريقة، مثل إتقان الكتابة، أو العمل، أو الرياضة، أو أي مجال آخر يحتاج إلى تراكم تدريجي، وقد لا يلاحظ الشخص الفرق من يوم إلى آخر، لكنه عندما ينظر إلى نفسه بعد أشهر أو سنوات يكتشف أن التكرار المستمر صنع تغييرًا حقيقيًا.

كما يتحدث ستيرنر عن أهمية العيش في اللحظة الحالية. فكثيرًا ما يكون الإنسان موجودًا بجسده في المكان، لكنه مشغول ذهنيًا بالماضي أو المستقبل، أثناء العمل يفكر في موعد الانتهاء، وأثناء الدراسة يفكر في النتيجة، وأثناء قضاء الوقت مع الآخرين ينشغل بما سيحدث لاحقًا، وبالتالي لا يعيش التجربة نفسها بشكل كامل، أما عقلية الممارسة فتدفع الإنسان إلى الاهتمام بالخطوة التي يقوم بها الآن.

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.

وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب

البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: العقل المتمرّسThe Practicing Mind
المؤلف: توماس م. ستيرنر – Thomas M. Sterner
دار النشر: New World Library
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية – كاليفورنيا
الطبعة: الطبعة الأولى لدى New World Library
سنة النشر: 2012
عدد الصفحات: 168 صفحة في بيانات الناشر لهذه الطبعة.

ISBN: 978-1-60868-090-0

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *