قراءة فى كتاب كما يفكر الإنسان.. هكذا يكون– As a Man Thinketh — جيمس ألان

تمهبد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

______________________

كما يفكر الإنسان .. هكذا يكون – جيمس ألان

 

يبدأ جيمس ألان كتابه كما يفكر الإنسان من فكرة تبدو بسيطة لكنها بالنسبة إليه تمثل أساسا لفهم حياة الإنسان كلها، وهي أن الأفكار التي يعيش بها الإنسان ليست شيئا منفصلا عن واقعه بل لها تأثير عميق في شخصيته وسلوكه وطريقة تعامله مع الحياة ،فالإنسان كما يراه ألان لا يصل إلى شخصيته الحالية فجأة وإنما تتكون هذه الشخصية تدريجيا من الأفكار التي يسمح لها بالبقاء في عقله ومن المشاعر التي يكررها والقرارات التي يتخذها بناءً عليها، ولهذا فإن الكاتب لا يبدأ حديثه عن النجاح من المال أو المكانة أو الظروف وإنما يبدأ من الداخل من العقل الذي يرى العالم ويمنح الأحداث معناها.

 

ياول ألان أن يجعل القارئ يعيد النظر في نفسه بدلا من أن يبحث باستمرار عن أسباب مشكلاته في الخارج ، فإذا كان الإنسان كثير الخوف أو سريع الغضب أو دائم التشاؤم فإن عليه أن يسأل نفسه عن الأفكار التي تغذي هذه المشاعر ، فالفكرة المتكررة لا تبقى مجرد فكرة وإنما يمكن أن تتحول إلى عادة والعادة تؤثر في السلوك والسلوك المتكرر يساهم في تكوين الشخصية ، ومن هنا تصبح مراقبة الأفكار بالنسبة إلى الكاتب نوعا من مراقبة الطريق الذي يسير فيه الإنسان لأن الاتجاه الذي يبدأ من الداخل قد يظهر بعد ذلك في تفاصيل حياته اليومية.

ويؤكد الكتاب أن الإنسان لا يستطيع أن يبني حياة مختلفة إذا ظل متمسكا بالأفكار نفسها التي قادته إلى واقعه القديم ، ولذلك فإن التغيير الحقيقي في نظر ألين يبدأ عندما يتعلم الإنسان أن يختار أفكاره بدلا من أن يتركها تقوده بصورة عشوائية ، وهذا لا يعني أن الإنسان يستطيع التحكم في كل ما يحدث له وإنما يعني أن لديه مساحة يستطيع من خلالها التحكم في موقفه من الأحداث وفي الطريقة التي يستجيب بها لها ، فقد يواجه شخصان المشكلة نفسها لكن أحدهما يسمح لها بأن تحطمه بينما يحاول الآخر أن يتعلم منها ويتعامل معها بهدوء ، والفرق هنا لا يكمن بالضرورة في الحدث نفسه وإنما في الطريقة التي تم التعامل بها معه.

ومن هذا المنطلق ينتقل ألان إلى الحديث عن علاقة الفكر بالشخصية ، فالإنسان الذي يعتاد الكراهية والحسد والغيرة والقلق يصنع داخل نفسه بيئة تؤثر فيه قبل أن تؤثر في الآخرين ، وبينما الإنسان الذي يدرب نفسه على الصبر والهدوء والصدق والانضباط يكتسب مع الوقت صفات تظهر في قراراته وعلاقاته ، ولذلك لا يرى الكاتب أن الأخلاق مجرد مجموعة من القواعد الخارجية بل يربطها بما يعتاد الإنسان أن يحمله في داخله وما يميز هذه الفكرة أنها تجعل التغيير عملية تدريجية ،وتبدأ من الأفكار ثم تنتقل إلى السلوك بدل أن تكون مجرد قرار مفاجئ يتخذه الإنسان ثم يتراجع عنه بعد فترة.

ويولي ألان أهمية كبيرة للهدف لأن الإنسان الذي لا يعرف ما الذي يريده قد يستهلك طاقته في اتجاهات كثيرة دون نتيجة واضحة ، أما وجود هدف محدد فيمنح العقل نقطة يركز عليها ويجعل الإنسان أكثر قدرة على تنظيم وقته وجهده ، ومع ذلك لا يختزل الكاتب الوصول إلى الهدف في الرغبة أو التمني فالرغبة وحدها لا تكفي والتفكير في النجاح لا يصنع النجاح من تلقاء نفسه لابد أن تتحول الفكرة إلى عمل وأن يتحول العمل إلى عادة، وأن يصاحبه الصبر والاستمرار ، ولذلك فإن الحديث عن قوة الفكر في الكتاب مرتبط دائما بفكرة الفعل حتى وإن كان أسلوب الكاتب يميل إلى التأمل أكثر من تقديم خطوات عملية مباشرة.

ومن الأفكار التي تتكرر في الكتاب أيضا أن النجاح ليس مجرد نتيجة للظروف المناسبة وإنما يرتبط بالشخصية التي يمتلكها الإنسان وقدرته على الاستمرار ، فالشخص الذي يريد نتيجة كبيرة لكنه لا يمتلك الصبر والانضباط قد يفقد هدفه عند أول عقبة، بينما يستطيع الشخص الذي اعتاد المثابرة أن يتعامل مع التأخير والفشل باعتبارهما جزءًا من الطريق ، ويبدو أن ألين يريد أن يغير نظرة القارئ إلى الفشل أيضًا فالفشل ليس بالضرورة دليلا على عدم القدرة وإنما يمكن أن يكون نتيجة طبيعية لمحاولة لم تنجح ويمكن أن يتحول إلى خبرة إذا تعامل الإنسان معه بعقل هادئ.

ومن هنا يمكن فهم الفئة التي يخاطبها الكتاب فهو لا يتوجه إلى رجال الأعمال أو الناجحين فقط وإنما إلى كل إنسان يريد أن يفهم نفسه ويغير جانبا من حياته ، ويخاطب الشخص الذي يشعر بأنه عالق في عادات معينة والذي يكرر الأخطاء نفسها والذي يرى أن الظروف أقوى منه ، وكذلك الشخص الذي يبحث عن معنى للنجاح يتجاوز المال والمظاهر ، ولهذا ظل الكتاب قريبا من أدبيات تطوير الذات رغم أنه كتب في بداية القرن العشرين لأن الأسئلة التي يناقشها ألين مثل الإرادة والانضباط والخوف والهدف والسلام الداخلي لا ترتبط بزمن محدد.

وتظهر قوة الكتاب بصورة خاصة في بساطة لغته وفكرته المركزية فهو لا يغرق القارئ في المصطلحات وإنما يأخذه في رحلة داخلية تجعله يفكر في الطريقة التي يعيش بها ، كما أن تركيزه على العمل والانضباط يجعله أكثر توازنا من بعض الخطابات التي تربط النجاح بمجرد التفكير الإيجابي أو تكرار العبارات التحفيزية ، فالكاتب يرى أن الأفكار مهمة لأنها تقود إلى السلوك وليست لأنها تمنح الإنسان نتيجة سحرية بمجرد التفكير فيها.

لكن الكتاب، رغم تأثيره يحتاج إلى قراءة نقدية خصوصًا في فكرته المتعلقة بمسؤولية الإنسان عن ظروفه ، فقد يبدو من بعض أجزاء الكتاب أن الإنسان يصنع ظروفه بصورة مباشرة من خلال أفكاره ، وهذه الفكرة إذا أخذت حرفيا قد تكون غير عادلة للإنسان ، فالحياة تتأثر بعوامل كثيرة لا يختارها الفرد مثل الظروف الاقتصادية والاجتماعية والأسرة والمرض والحوادث والفرص المتاحة لكل شخص ، لذلك فإن القيمة الحقيقية لفكرة ألين تظهر عندما نفهمها باعتبارها دعوة إلى تحمل مسؤولية ما يمكن للإنسان التحكم فيه، وليس باعتبارها اتهاما للإنسان بأنه سبب كل ما يحدث له.

كما أن مفهوم التفكير الإيجابي في الكتاب يحتاج إلى قدر من الحذر. فالإنسان لا يستطيع ولا يحتاج إلى أن يكون إيجابيا طوال الوقت والحزن والخوف والقلق مشاعر طبيعية لا يمكن التخلص منها بمجرد التفكير بطريقة مختلفة ، المهم هو ألا تتحول هذه المشاعر إلى طريقة ثابتة في رؤية الحياة ، ومن هذه الزاوية يمكن أن تكون رسالة ألين أكثر واقعية إذا فهمناها باعتبارها دعوة إلى التفكير المتزن والواعي وليس دعوة إلى إنكار المشاعر أو تجاهل المشكلات.

وفي النهاية، يظل “كما يفكر الإنسان ..هكذا يكون” كتابا صغيرا من حيث الحجم لكنه ترك أثرا كبيرا في تاريخ كتب تطوير الذات لأنه وضع التفكير والشخصية والعمل في علاقة واحدة، أهم ما يقدمه للقارئ ليس وعدا بحياة مثالية، وإنما دعوة إلى الانتباه لما يحدث داخل الإنسان قبل أن يبحث عن التغيير في الخارج ، فالأفكار التي نكررها تؤثر في الطريقة التي نرى بها أنفسنا وهذه الطريقة تؤثر في قراراتنا والقرارات تتحول إلى أفعال والأفعال المتكررة تصنع العادات والعادات تساهم في تشكيل الشخصية ، ومع ذلك لا ينبغي أن نحمل هذه الفكرة أكثر مما تحتمل ، فالإنسان لا يملك السيطرة الكاملة على حياته لكنه يملك قدرا من الاختيار في أفكاره ومواقفه وأفعاله ، وربما تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية التي يتركها الكتاب بعد قراءته : أن الإنسان قد لا يستطيع اختيار كل الظروف التي يعيشها، لكنه يستطيع أن يعمل على اختيار الطريقة التي سيواجه بها هذه الظروف، وأن يبدأ التغيير من المساحة التي يملك السيطرة عليها فعلا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

______________________

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

________________

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: كما يفكر الإنسان – As a Man Thinketh

المؤلف: جيمس ألين (James Allen)

دار النشر: Savoy Publishing Co.

بلد النشر: المملكة المتحدة – لندن

الطبعة: الطبعة الأولى

سنة النشر: 1903

عدد الصفحات: نحو 60–70 صفحة بحسب النسخة الأصلية/الفهرسة

رقم الإيداع: غير متاح للطبعة الأصلية

ISBN: غير متاح للطبعة الأصلية

_______________________________________

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *