بين امريكا والصين دول تلعب علي الحبلين

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب

العالم لم يعد مكانا تستطيع فيه كل دولة أن تختار بسهولة معسكرها ثم تضع باقي حساباتها جانبا فالصراع المتزايد بين الولايات المتحدة والصين خلق بيئة دولية تجعل كثيرا من الدول أمام معادلة صعبة تحتاج فيها إلى الاستفادة من الطرفين دون أن تصبح تابعة لأي منهما

هنا تظهر فكرة الدول المتحفظة أو المناورة التي يعطيها العمل اسم هيدجرز وهي الدول التي لا تريد الدخول بشكل كامل في محور واحد وتستخدم العلاقات مع القوى الكبرى لتحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح والحفاظ على مساحة مستقلة للحركة

الفكرة تصبح مهمة جدا لأن دول الجنوب العالمي لم تعد مجرد متلقية للقرارات التي تصنعها القوى الكبرى فقد أصبحت بعض هذه الدول تمتلك موارد وطاقة وأسواقا كبيرة وموقعا جغرافيا استراتيجيا وقوة مالية متزايدة تجعلها قادرة على التفاوض من موقع أقوى

ثماني دول تظهر باعتبارها نماذج مهمة لهذا السلوك وهي الهند وإندونيسيا وفيتنام والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر وجنوب أفريقيا والبرازيل وهذه الدول تختلف كثيرا في أنظمتها السياسية واقتصاداتها ومصالحها لكنها تشترك في محاولة استغلال البيئة الدولية المضطربة بدلا من الاستسلام لها 

الهند تمثل حالة واضحة لأنها تربطها علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بعلاقات مهمة مع روسيا وتواصل بناء علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول مختلفة وهذا يعكس رغبة في الحفاظ على استقلال القرار وعدم وضع كل المصالح في سلة واحدة

الخليج يقدم نموذجا آخر لأن دولا مثل السعودية والإمارات وقطر أصبحت تمتلك أدوات مالية وطاقة واستثمارات دولية تمنحها قدرة أكبر على التعامل مع القوى الكبرى من موقع تفاوضي مختلف ولم تعد العلاقة تقوم فقط على الحماية مقابل النفط أو التجارة بل أصبحت شبكة واسعة من الاستثمارات والتكنولوجيا والطاقة والدبلوماسية

إندونيسيا وفيتنام تمثلان أيضا نمطا مهما لأن موقعهما في آسيا يجعلهما جزءا من البيئة التي تتنافس فيها الصين والولايات المتحدة بينما تسمح لهما علاقاتهما التجارية والاستراتيجية بالحفاظ على قدر من المرونة

الهدف ليس الوقوف على الحياد دائما لأن الحياد الكامل قد يكون مستحيلا في عالم شديد الترابط لكن الهدف هو تعظيم مساحة المناورة فالدولة الذكية تستطيع أن تتعاون مع الصين في التجارة والاستثمار وتتعاون مع الولايات المتحدة في التكنولوجيا والأمن وتحتفظ في الوقت نفسه بعلاقات مع قوى أخرى

هذا السلوك قد يساعد على ظهور نظام عالمي أكثر تعددية لأن القوة لا تبقى محصورة في مركز واحد وكلما زادت قدرة الدول المتوسطة على المناورة أصبحت القوى الكبرى مضطرة إلى تقديم عروض أفضل للحصول على نفوذها

لكن المناورة ليست لعبة سهلة لأن الدول قد تواجه ضغوطا كبيرة عندما تتعارض مصالح القوى الكبرى وقد تضطر إلى اتخاذ مواقف صعبة في ملفات مثل العقوبات والحروب والتكنولوجيا والطاقة والاستثمارات

التغير في النظام الدولي يجعل الاقتصاد جزءا أساسيا من هذه اللعبة فالموانئ وسلاسل الإمداد والطاقة والمعادن والتكنولوجيا والاستثمارات أصبحت أدوات قوة جيوسياسية ولذلك فإن قرار دولة بشراء منظومة تكنولوجية أو توقيع صفقة طاقة أو تطوير ميناء قد يحمل دلالات سياسية تتجاوز قيمته الاقتصادية المباشرة

المستقبل قد يكون أكثر تعددية لكن التعددية لا تعني بالضرورة عالمًا أكثر استقرارا فقد تؤدي كثرة مراكز القوة إلى مزيد من المنافسة والمساومات لكنها في الوقت نفسه تمنح الدول الأصغر والمتوسطة خيارات أوسع

القصة الأهم هنا أن الجنوب العالمي بدأ ينتقل من موقع المتفرج إلى موقع اللاعب فالدول التي كانت تتلقى قواعد النظام الدولي أصبحت قادرة بدرجات مختلفة على التأثير في قواعده الجديدة

هذه الفكرة تجعل العالم أكثر تعقيدا لكنه في الوقت نفسه أكثر إثارة لأن مستقبل النظام الدولي لن تصنعه واشنطن وبكين وحدهما بل ستشارك فيه مجموعة واسعة من الدول التي تعلمت أن القوة لا تعني امتلاك أكبر جيش أو أكبر اقتصاد فقط بل تعني أيضا معرفة متى تتقارب ومتى تبتعد ومتى تستخدم المنافسة بين الآخرين لصالحها

ربما تكون أهم رسالة أن القرن الجديد لن يكون قرنا تختار فيه كل دولة طرفا ثم تنتظر النتائج بل سيكون قرنا تتعلم فيه الدول كيف تتحرك بين القوى وكيف تحافظ على مصالحها وكيف تحول موقعها الجغرافي والاقتصادي والدبلوماسي إلى أوراق تفاوضية

العالم يتحول من نظام تفرض فيه قواعد اللعبة مجموعة محدودة من القوى إلى بيئة أكثر سيولة تتحرك فيها الدول بحثا عن أفضل موقع ممكن ومن يفهم هذه الحركة مبكرا قد لا يحتاج إلى أن يكون الأقوى حتى يكون مؤثرا

حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

بطاقة الكتاب

Title
The Hedgers How The Global South Navigates the Sino American Competition

Author
Zaki Laïdi and Yves Tiberghien

Publisher
Cambridge University Press

Country of Publication
United Kingdom

Edition
First Edition

Year of Publication
2026

Number of Pages
102

Deposit Number
غير متاح

ISBN
9781009670241 

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *