ليس ثمة ما هو أكثر إجحافاً بحق هذا الجيل من الحكم عليه بـ «السطحية» أو «الزهد في المعرفة»، وهي النغمة التي يتردد صداها غالباً في صالونات الكبار ومقالات الهجوم التقليدية.
إن التأمل المنصف للمشهد الثقافي لدى الشباب المصري اليوم يكشف عن حقيقة أخرى أكثر تعقيداً وجمالاً: فنحن لسنا أمام جيل زاهد في الثقافة، بل أمام جيل يُعيد تعريف الثقافة واستيعابها وفق أساليب مختلفة تماماً.
لقد نشأ الجيل الحالي في قلب سيال معرفي لا يتوقف. فبينما كانت الثقافة بالنسبة للأجيال السابقة تنحصر في المجلد الورقي، والمعرض السنوي للكتاب، وأمسيات الندوات الفكرية، أصبحت الثقافة لدى شاب اليوم تجربة تفاعلية ممتدة.
يدخل الشاب إلى عالم المعرفة من باب الصورة والمقطع المرئي والبودكاست، ليتحول الهاتف الذكي في يده من مجرد أداة تواصل إلى نافذة مفتوحة على أفكار الشرق والغرب في اللحظة ذاتها.
لكن هذا النمط الجديد من التلقي يضعنا أمام مفارقة مزدوجة:
* سعة الاطلاع مقابل عمق الاستيعاب:يمتلك الشباب اليوم قدرة فائقة على التقاط الإشارات الفكرية والمعلومات السريعة في مختلف العلوم والفنون، بيد أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الشتات المعرفي إلى «وعي متماسك».
إن خطورة السندويتش المعرفي السريع تتمثل في إعطاء انطباع زائف بالمعرفة دون غوصٍ في أصول الفكرة وروافدها.
* الأصالة والمواطنة الرقمية:بين الرغبة في الانتماء لثقافة العالم الحديث واستيعاب أدواته، وبين التشبث بالجذور والهوية المصرية بكل ثقلها التاريخي والإنساني، يخوض الشاب معركة غير مرئية لتشكيل وجدانه.
الثقافة الحقيقية ليست مجرد مواكبة للتريند الفكري العالمي، بل هي القدرة على هضم هذا التطور وطرحه بلغة الشارع المصري وتحدياته الواقعية.
إننا حين نطالع حشود الشباب في معرض القاهرة الدولي للكتاب كل عام، وحين نرى اتساع رقعة نوادي القراءة وتجارب صناعة المحتوى الثقافي المستقل على منصات التواصل، ندرك أن شغف المعرفة لم يمت، بل تبدلت وسائله.
الشباب لا يهربون من الكتاب، بل يهربون من الجمود والأوصياء على العقل.
إن الرهان الحقيقي لتنمية ثقافة الشباب لا يتطلب إملاء النصائح أو ممارسة الاستعلاء الفكري، بل يستلزم خلق بيئة تتجسد فيها الثقافة كفعل ممارسة وحوار؛ ثقافة تتيح لهم السؤال دون خوف، وتمنحهم مساحة الابتكار دون قيد.
إن ثقافة الشباب اليوم هي الوقود الفعلي لبناء الغد، وكلما كانت هذه الثقافة واعية، نقية، ومستنيرة، كلما كان مستقبل هذا الوطن أكثر أماناً وإشراقاً.







