تلخيص: رامي البنا
مقدمة
في عالم أصبح الإنسان فيه مشغولًا طوال الوقت، يركض خلف المال والعمل والنجاح والصورة التي يريد أن يراه الآخرون بها، أصبح السؤال الأهم ليس ماذا نملك، وإنما من نحن. فوسط هذا الضجيج المستمر قد ينجح الإنسان في تحقيق الكثير من أهدافه، لكنه في الوقت نفسه قد يبتعد تدريجيًا عن ذاته، حتى يصل إلى مرحلة يشعر فيها بأنه يعيش حياة لا تشبهه.
من هذه الفكرة ينطلق الكاتب البرتغالي لويس بورتِيلا في كتابه «O Prazer de Ser»، الذي يمكن ترجمته إلى «متعة أن تكون»، الكتاب يقدم رحلة هادئة نحو معرفة الذات واستعادة التوازن الداخلي، ويركز على أهمية التوقف قليلًا وسط سرعة الحياة، والانتباه إلى الأشياء التي تمنح الإنسان معنى حقيقيًا بدلًا من الاستمرار في مطاردة ما يفرضه عليه المجتمع.
يعتمد الكتاب على تأملات وتجارب شخصية، ويقدم رؤية ترى أن السعادة ليست بالضرورة في امتلاك المزيد، وإنما في القدرة على العودة إلى الذات، والاستماع إلى الاحتياجات الحقيقية للإنسان، واكتشاف قيمة اللحظات البسيطة التي قد تضيع وسط انشغالنا الدائم بالمستقبل.
التلخيص
يبدأ لويس بورتِيلا من ملاحظة أساسية تتعلق بطريقة الحياة الحديثة، الإنسان المعاصر يمتلك وسائل راحة وإمكانات لم تكن متاحة للأجيال السابقة، لكنه رغم ذلك قد يعيش حالة مستمرة من القلق والتوتر وعدم الرضا، وكلما حصل على شيء، بدأ في البحث عن الشيء التالي، وكأن السعادة دائمًا موجودة في مكان آخر.
وهنا يطرح الكاتب فكرة التوقف، ان التوقف ليس معناه التخلي عن الطموح أو الهروب من المسؤوليات، وإنما منح النفس فرصة حتى تستعيد قدرتها على رؤية ما يحدث حولها، فالإنسان الذي يعيش بسرعة طوال الوقت قد ينجح في الوصول إلى أهداف كثيرة، لكنه قد لا ينتبه إلى أنه فقد متعة الطريق.
ويعطي الكتاب أهمية كبيرة للحظات الهادئة، الجلوس مع النفس، التأمل، النظر إلى الطبيعة، الاستمتاع بلحظة بسيطة، أو حتى منح العقل فرصة للابتعاد عن الضوضاء اليومية، هذه الأشياء قد تبدو بسيطة، لكنها بالنسبة إلى الكاتب جزء من استعادة التوازن الداخلي.
فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى تغيير حياته بالكامل حتى يشعر بالتحسن، أحيانًا يحتاج فقط إلى تغيير طريقة حضوره داخل حياته، أن يكون حاضرًا عندما يتحدث مع شخص آخر، أن يستمتع بالطعام بدلًا من تناوله بسرعة، أن ينظر إلى الطبيعة بدلًا من المرور أمامها دون ملاحظة، أن يسمح لنفسه بأن يعيش اللحظة بدلًا من أن يقضي حياته في انتظار اللحظة القادمة.
ويربط الكاتب ذلك بمشكلة الاستهلاك، المجتمعات الحديثة تدفع الإنسان باستمرار إلى الاعتقاد بأن امتلاك المزيد سيجعله أكثر سعادة، سيارة أفضل، منزل أكبر، هاتف أحدث، ملابس أكثر، سفر أكثر، لكن هذه الأشياء قد تمنح شعورًا مؤقتًا بالرضا، ثم يعود الإنسان سريعًا إلى البحث عن شيء جديد.
وهنا يميز الكتاب بين “امتلاك الأشياء” و”امتلاك الحياة”، يمكن للإنسان أن يمتلك الكثير من الأشياء، لكنه لا يمتلك بالضرورة حياة متوازنة، وقد تكون المشكلة أن الإنسان يقيس قيمته بما يملك بدلًا من أن يقيسها بما يشعر به وبالعلاقات التي يعيشها وبالمعنى الذي يمنحه لحياته.
ومن الأفكار الأساسية في الكتاب أيضًا أهمية الطبيعة، فالطبيعة ليست مجرد مكان للترفيه، وإنما يمكن أن تكون وسيلة لاستعادة الهدوء والانتباه، الإنسان عندما يبتعد عن الضوضاء ويقترب من الطبيعة يحصل على فرصة للتأمل واستعادة علاقته بنفسه.
ويتحدث الكاتب كذلك عن القيم الإنسانية، فالحياة لا يمكن أن تقوم فقط على النجاح الفردي والمصلحة الشخصية، الإنسان يعيش وسط الآخرين، ولذلك فإن الاحترام والتسامح والتعاون والاهتمام بالآخرين عناصر أساسية في بناء حياة أكثر توازنًا.
وهنا تظهر فكرة مهمة، الإنسان الذي يركز طوال الوقت على نفسه وعلى ما يريد الحصول عليه قد يحقق نجاحًا ماديًا، لكنه قد يكتشف في النهاية أنه يعيش في عزلة داخلية، أما العلاقات الإنسانية الحقيقية فتمنح الحياة معنى يتجاوز الماديات.
ويعود الكتاب إلى فكرة الصحة والتوازن، الإنسان لا يمكنه أن يعيش بشكل جيد إذا أهمل جسده أو عقله أو مشاعره، ولذلك فإن الاهتمام بالنفس ليس أنانية، وإنما ضرورة حتى يستطيع الإنسان أن يعيش ويعمل ويتعامل مع الآخرين بصورة أفضل.
الرؤية التحليلية
يمكن قراءة «O Prazer de Ser» باعتباره اعتراضًا هادئًا على فكرة أن قيمة الإنسان تقاس بما يملك أو بما يحقق، فالكتاب يحاول نقل مركز الاهتمام من “ماذا أملك؟” إلى “من أكون؟”.
وهذه النقلة مهمة في عصر أصبحت فيه المقارنة سهلة جدًا، الإنسان يرى يوميًا صور نجاح الآخرين، فيبدأ في مقارنة حياته بحياة أشخاص لا يعرف ظروفهم الحقيقية، ومع الوقت قد يشعر بأنه متأخر، رغم أنه ربما يعيش حياة جيدة وفق ظروفه الخاصة.
ومن هنا تأتي أهمية فكرة الحضور، الإنسان الذي يعيش دائمًا في المستقبل يفقد الحاضر، والذي يعيش دائمًا في الماضي يفقد اللحظة التي يمكنه فيها أن يبدأ من جديد، لذلك فإن استعادة القدرة على الحضور قد تكون واحدة من أهم أدوات التوازن النفسي.
كما أن الكتاب يطرح تصورًا مختلفًا للنجاح، النجاح ليس مجرد تحقيق الأهداف، وإنما القدرة على أن تعيش بطريقة لا تفقد فيها نفسك أثناء محاولتك الوصول إليها.
الرؤية النقدية
رغم جمال الأفكار التي يقدمها الكتاب، فإن بعض أفكاره تبدو أقرب إلى التأمل الفلسفي منها إلى الحلول العملية المباشرة، وهذا قد يجعل بعض القراء يبحثون عن خطوات محددة أكثر مما يقدمه الكتاب.
كما أن الدعوة إلى التوقف والابتعاد عن الضوضاء قد تبدو سهلة بالنسبة إلى بعض الأشخاص، لكنها ليست بالسهولة نفسها لمن يعيش تحت ضغوط اقتصادية أو أسرية أو مهنية كبيرة، فالإنسان لا يستطيع دائمًا أن يختار الهدوء بمجرد أن يقرر ذلك.
لكن قوة الكتاب تظهر في أنه لا يحاول تقديم وصفة سحرية للسعادة، وإنما يدعو الإنسان إلى إعادة النظر في طريقة حياته، قيمته الأساسية ليست في إعطاء إجابات جاهزة، وإنما في طرح أسئلة تجعل القارئ يعيد التفكير في أولوياته.
النهاية
في النهاية، “متعة أن تكون” هو كتاب عن العودة إلى الإنسان قبل الأشياء، عن أن نتذكر أن الحياة ليست سباقًا مستمرًا نحو المزيد، وأن الإنسان قد يحتاج أحيانًا إلى أن يتوقف حتى يعرف إلى أين يذهب.
ربما لا تحتاج حياتنا دائمًا إلى تغيير جذري، ربما نحتاج فقط إلى أن نرى الأشياء التي اعتدنا وجودها بجوارنا، أن نقدر الأشخاص الذين نحبهم، أن نستمتع بلحظة هادئة، أن نمنح أنفسنا وقتًا بعيدًا عن الضوضاء، وأن نتعلم أن وجودنا في الحياة ليس مجرد وسيلة للوصول إلى هدف آخر.
فالإنسان لا يعيش فقط عندما يحقق شيئًا، وإنما يعيش أيضًا عندما يشعر، ويتأمل، ويحب، ويتواصل، ويستمتع، ويعرف نفسه.
وربما تكون الرسالة الأهم في الكتاب أن «متعة أن تكون» تبدأ عندما يتوقف الإنسان عن محاولة أن يكون شخصًا آخر، ويبدأ في اكتشاف قيمة أن يكون نفسه.
بيانات الكتاب
العنوان الأصلي: O Prazer de Ser
العنوان بالعربية: متعة أن تكون.
المؤلف: Luís Portela – لويس بورتِيلا.
دار النشر: Gradiva.
اللغة: البرتغالية.
التصنيف: التنمية الشخصية والتطور الروحي والمساعدة الذاتية.
الطبعة الورقية الحديثة: مايو 2026.
عدد الصفحات: 240 صفحة.
ISBN: 9789897854613.
نوع الغلاف: غلاف ورقي.







