«من العلم إلى الحب.. هل يستطيع الإنسان أن يكتشف نفسه خارج عالم الماديات؟»

تلخيص: رامي البنا

مقدمة

وصل الإنسان في العصر الحديث إلى مستوى غير مسبوق من التطور العلمي والتكنولوجي، أصبح قادرًا على علاج أمراض كانت قاتلة، وأطال متوسط العمر، واخترع وسائل اتصال جعلت العالم كله تقريبًا متصلًا في لحظات، ومع ذلك، ورغم كل هذا التقدم، يبدو أن هناك سؤالًا لم يجد الإنسان إجابة نهائية عنه، كيف يعيش حياة أكثر معنى؟ وكيف يفهم نفسه؟ وكيف يوازن بين ما يمتلكه وبين ما يشعر به؟

 

في كتابه “Da Ciência ao Amor”، أو “من العلم إلى الحب”، يحاول الكاتب البرتغالي لويس بورتِيلا أن يفتح هذا السؤال من زاوية مختلفة، فهو لا يضع العلم في مواجهة الروحانية، وإنما يحاول البحث عن مساحة يمكن أن يلتقيا فيها، انطلاقًا من فكرة أن الإنسان لا يتكون من جسد وعقل فقط، وإنما يحمل داخله أيضًا أسئلة تتعلق بالمعنى والوعي والروح.

 

الكتاب مصنف ضمن كتب التنمية الشخصية والتطور الروحي، ويبحث في العلاقة بين المعرفة العلمية والبحث عن الذات، ويحاول أن يدفع القارئ إلى تجاوز التركيز الكامل على الجانب المادي من الحياة، والبحث عن قيم إنسانية أعمق.

 

التلخيص

يبدأ لويس بورتِيلا من حقيقة واضحة. العلم منح الإنسان قوة كبيرة على العالم المادي، نحن نعرف عن جسم الإنسان أكثر مما عرفته الأجيال السابقة، ولدينا أدوات طبية وتكنولوجية جعلت الحياة أكثر راحة وأطول عمرًا. لكن الكاتب يرى أن هذا النجاح المادي لم يصاحبه بالضرورة نجاح مماثل في الجانب الروحي والإنساني.

 

فالإنسان قد يعرف كيف يصنع التكنولوجيا، لكنه قد لا يعرف كيف يتعامل مع نفسه، وقد يستطيع التواصل مع شخص يبعد عنه آلاف الكيلومترات، لكنه يعجز أحيانًا عن فهم الشخص الجالس بجواره. وقد يمتلك الكثير، لكنه لا يعرف لماذا يشعر رغم ذلك بعدم الاكتفاء.

 

من هنا يبدأ الكتاب في مساءلة فكرة “الامتلاك”، ماذا يعني أن يمتلك الإنسان المال والسلطة والأشياء إذا كان قد فقد علاقته بنفسه؟ وماذا يحدث عندما يتحول الهدف الأساسي للحياة إلى الحصول على المزيد بدلًا من البحث عن المعنى؟

 

يرى الكاتب أن المجتمعات الحديثة ركزت بصورة كبيرة على “الامتلاك” وعلى “المظهر”، أصبح من المهم أن نملك، وأن نظهر للآخرين أننا نملك، حتى أصبح الإنسان في بعض الأحيان يعيش من أجل الصورة التي يقدمها عن نفسه أكثر مما يعيش من أجل ذاته الحقيقية.

 

وهنا يضع الكتاب مفهوم “أن تكون” في مواجهة مفهوم “أن تملك”، أن تكون يعني أن تعرف نفسك، وأن تفهم قيمك، وأن تبني علاقة أكثر صدقًا مع الآخرين ومع الحياة، أما أن تملك فقط، فقد يجعل الإنسان يعيش في دائرة لا تنتهي من الرغبة والاستهلاك والمقارنة.

 

لكن الكتاب لا يكتفي بالنقد الاجتماعي، وإنما ينتقل إلى البحث في بعض الظواهر التي تقع على الحدود بين العلم والروحانية، ويحاول الكاتب استعراض ما توصلت إليه بعض الأبحاث في مجالات مرتبطة بالظواهر النفسية والباراسيكولوجية، مع طرح أسئلة حول الوعي والقدرات الإنسانية التي لم يتم فهمها بصورة كاملة.

 

الفكرة هنا ليست أن العلم يمتلك كل الإجابات، وإنما أن بعض الأسئلة الإنسانية قد تحتاج إلى بحث أوسع من الحدود التقليدية التي نضعها للمعرفة.

 

ويؤكد الكاتب أهمية الانفتاح، فالإنسان الذي يرفض أي فكرة جديدة قبل فحصها قد يغلق على نفسه أبوابًا كثيرة للمعرفة. وفي المقابل، فإن قبول أي فكرة دون دليل يمكن أن يقود إلى الخرافة، ولذلك فإن المساحة التي يقترحها الكتاب تحتاج إلى قدر من التوازن بين الفضول والانضباط الفكري.

 

ومن خلال هذه الرحلة، يعود الكاتب باستمرار إلى فكرة معرفة الذات، فالإنسان الذي يريد أن يفهم العالم يحتاج أولًا إلى أن يفهم نفسه، ما الذي يحركه؟ لماذا يخاف؟ لماذا يغضب؟ لماذا يبحث عن الاعتراف؟ ولماذا يحتاج باستمرار إلى إثبات قيمته أمام الآخرين؟

 

كل هذه الأسئلة تصبح جزءًا من رحلة التطور الشخصي.

 

ويرى الكاتب أن الوعي الروحي يمكن أن يؤدي إلى علاقة أكثر احترامًا بالآخرين، فعندما يدرك الإنسان أن الآخرين يمرون أيضًا بمخاوفهم وضعفهم وتجاربهم، يصبح أكثر قدرة على التسامح والتعاطف.

 

ومن هنا يصل الكتاب تدريجيًا إلى مفهوم الحب، الحب في هذا السياق ليس مجرد علاقة عاطفية، وإنما قيمة إنسانية أوسع، احترام الآخر، قبول الاختلاف، التعاطف، الرغبة في الخير، والقدرة على تجاوز الأنانية.

 

وبذلك يصبح الانتقال من العلم إلى الحب انتقالًا من معرفة العالم الخارجي إلى معرفة الإنسان من الداخل، العلم يساعدنا على فهم أشياء كثيرة حولنا، لكن المعرفة الإنسانية تحتاج أيضًا إلى فهم ما يجعل الحياة جديرة بأن تعاش.

 

الرؤية التحليلية

يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره محاولة لبناء جسر بين مجالين غالبًا ما يتم تقديمهما باعتبارهما متعارضين، العلم من ناحية، والروحانية من ناحية أخرى.

 

القيمة الأساسية في هذه المحاولة أنها تذكر القارئ بأن الإنسان كائن متعدد الأبعاد، لا يمكن اختزاله في جسده فقط، ولا في وظيفته، ولا في دخله، ولا في عدد إنجازاته.

 

كما أن فكرة الانتقال من “الامتلاك” إلى “الوجود” تحمل أهمية كبيرة في عصر الاستهلاك، فالإنسان الذي يجعل قيمته مرتبطة بما يملك يصبح معرضًا دائمًا للقلق، لأن الأشياء تتغير باستمرار، بينما يبحث الإنسان عن إحساس ثابت بقيمته.

 

أما معرفة الذات فتمنحه أساسًا أكثر استقرارًا، ولذلك فإن التطور الحقيقي لا يكون فقط في زيادة ما نملكه من معلومات أو أموال، وإنما في زيادة وعينا بأنفسنا وبالآخرين.

 

ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار الكتاب محاولة لتوسيع مفهوم التنمية البشرية، فالتنمية ليست فقط كيف تصبح أكثر إنتاجية، وإنما كيف تصبح أكثر وعيًا وإنسانية وتوازنًا.

 

الرؤية النقدية

أكثر النقاط التي تحتاج إلى قراءة نقدية في الكتاب هي انتقاله بين العلم والروحانية وبعض موضوعات الباراسيكولوجيا، فهذه المجالات ليست كلها على الدرجة نفسها من القبول العلمي، ولذلك يجب الفصل بين ما تدعمه الأدلة العلمية وما يمثل فرضيات أو أسئلة ما زالت موضع نقاش.

 

وهذا لا يقلل من قيمة الأسئلة التي يطرحها الكاتب، لكنه يجعل من المهم ألا يتعامل القارئ مع كل الأفكار باعتبارها حقائق علمية مثبتة.

 

كذلك فإن فكرة الوصول إلى “الحب” من خلال التنوير الروحي تبدو مثالية إلى حد ما، فالإنسان قد يفهم قيمة التسامح والرحمة، لكنه يظل في النهاية كائنًا يتأثر بالغضب والخوف والمصلحة الشخصية.

 

ومع ذلك، فإن الكتاب يظل مهمًا باعتباره دعوة إلى توسيع النظرة إلى التنمية الشخصية، فهو لا يقول للإنسان فقط كيف ينجح في عمله، وإنما يسأله سؤالًا أصعب، ماذا سيفعل بهذا النجاح إذا لم يصبح أكثر إنسانية؟

 

النهاية

في النهاية، يضعنا “من العلم إلى الحب” أمام رحلة تبدأ من المعرفة وتنتهي بالسؤال عن الإنسان، العلم منحنا قدرة هائلة على فهم العالم وتغييره، لكن هذا لا يعني أننا فهمنا أنفسنا بالقدر نفسه.

 

قد نعرف كيف نطيل العمر، لكننا لا نعرف دائمًا كيف نجعل العمر ذا معنى، وقد نمتلك وسائل اتصال لا حدود لها، لكننا قد نفتقد القدرة على التواصل الحقيقي، وقد نعيش في عالم مليء بالأشياء، بينما نبحث في الداخل عن شيء لا تستطيع الأشياء أن تمنحه لنا.

 

ولهذا فإن رسالة الكتاب الأساسية تبدو في العودة إلى الإنسان. أن نعرف أنفسنا بصورة أفضل، وأن نعيد ترتيب أولوياتنا، وأن ندرك أن قيمة الحياة لا تقاس فقط بما نملك، وإنما بما نصنعه من علاقات ومعان وقيم.

 

وربما يكون الانتقال الحقيقي من العلم إلى الحب هو أن نستخدم المعرفة لا لزيادة قوتنا فقط، وإنما لزيادة فهمنا واحترامنا للآخرين.

 

فالعلم يستطيع أن يخبرنا كيف يعمل العالم، لكن الحب قد يساعدنا على أن نعرف كيف نعيش فيه.

 

بيانات الكتاب

العنوان الأصلي: Da Ciência ao Amor.

العنوان الكامل: Da Ciência ao Amor. Pelo esclarecimento espiritual.

العنوان بالعربية: من العلم إلى الحب.

المؤلف: Luís Portela – لويس بورتِيلا.

دار النشر: Gradiva.

اللغة: البرتغالية.

التصنيف: التنمية الشخصية والتطور الروحي والمساعدة الذاتية.

الطبعة الأصلية الموثقة: 2018.

عدد الصفحات: 160 صفحة.

ISBN: 9789896168223.

نوع الغلاف: غلاف ورقي.

 

 

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *