ماليزيا من الفقر الي الثراء

الاقتصاد الماليزي إعادة التفكير في السياسات والأهداف

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب

ماليزيا حققت خلال عقود قليلة قصة نمو لافتة نجحت خلالها في تقليل الفقر ورفع مستويات المعيشة وبناء قاعدة صناعية قوية لكن المشكلة التي ينطلق منها الكتاب ليست كيف وصلت ماليزيا إلى ما وصلت إليه وإنما ماذا يجب أن تفعل بعد ذلك فالدولة التي تنجح في تجاوز مرحلة الفقر لا تستطيع أن تظل تستخدم الأدوات نفسها عندما تصبح مطالبة بالانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا وتعقيدًا

الفكرة الأساسية هنا أن النجاح الاقتصادي السابق لا يجب أن يتحول إلى سبب للركون إلى الماضي فماليزيا استطاعت بناء اقتصاد صناعي وتحقيق معدلات نمو جيدة لكنها ظلت تواجه تحديًا أكبر يتمثل في الانتقال من اقتصاد متوسط الدخل إلى اقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على المنافسة والابتكار

هذا الانتقال يحتاج إلى إعادة النظر في معنى التنمية نفسها فزيادة الناتج والدخل لا تكفي وحدها للحكم على نجاح الاقتصاد لأن التنمية الحقيقية ترتبط أيضًا بجودة المؤسسات وعدالة توزيع الفرص وقدرة المواطنين على الوصول إلى تعليم جيد ووظائف منتجة ومستويات معيشة أفضل

المؤلف يلفت النظر إلى أن الاقتصاد الماليزي يحتاج إلى مؤسسات أقوى لأن المؤسسات هي التي تجعل السياسات قابلة للاستمرار وليست مجرد قرارات مرتبطة بحكومة أو مرحلة سياسية معينة فالقوانين الواضحة والإدارة الكفؤة والشفافية والمساءلة عوامل تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمار وتحقيق النمو

المنافسة تأتي كعنصر آخر في هذه المعادلة فاقتصاد يريد الوصول إلى مستويات أعلى من الإنتاجية لا يستطيع أن يعتمد إلى الأبد على الحماية والدعم والتدخل الحكومي الواسع لأن الشركات تحتاج إلى حافز حقيقي للتطوير وخفض التكلفة وتحسين الجودة والبحث عن أسواق جديدة

هنا تظهر واحدة من الأفكار الجريئة في الكتاب وهي ضرورة إعادة التفكير في حجم تدخل الدولة فوجود الدولة مهم في بناء البنية الأساسية وتنظيم الأسواق وحماية المجتمع وتصحيح الاختلالات لكن تدخلها عندما يتحول إلى حماية دائمة لشركات أو قطاعات معينة يمكن أن يضعف المنافسة ويجعل الشركات تعتمد على الحماية بدلًا من الاعتماد على قدرتها على الابتكار

التجارة الخارجية تمثل جزءًا مهمًا من مستقبل ماليزيا لأن الاقتصاد الماليزي ارتبط منذ سنوات بالأسواق العالمية وسلاسل الإنتاج الدولية لكن الانفتاح التجاري لا يعني مجرد زيادة الصادرات وإنما يحتاج إلى قدرة حقيقية على المنافسة وإنتاج سلع وخدمات ذات قيمة أعلى

الاقتصاد الذي يعتمد على تصدير منتجات منخفضة القيمة يمكن أن يحقق نموًا لفترة لكنه سيجد نفسه أمام حدود واضحة عندما ترتفع أجور العمال أو تتغير التكنولوجيا أو تظهر دول جديدة تستطيع الإنتاج بتكلفة أقل ولذلك يصبح الانتقال إلى أنشطة أكثر تقدمًا ضرورة وليس اختيارًا

التنافسية في هذا السياق لا تعني أن تكون ماليزيا أرخص دولة في العالم بل أن تكون قادرة على تقديم منتجات وخدمات ذات جودة وقيمة تجعل الشركات والمستثمرين يختارونها بسبب الكفاءة والمهارات والبنية الأساسية والقدرة على الابتكار

السياسة المالية تحتاج كذلك إلى إعادة نظر فالحكومة التي تنفق أكثر مما تستطيع تحمله لفترات طويلة تعرض نفسها لضغوط مستقبلية ولذلك فإن إدارة المال العام لا تتعلق فقط بحجم الإنفاق وإنما بجودة هذا الإنفاق وما إذا كان يخلق قيمة اقتصادية واجتماعية حقيقية

الإنفاق على البنية الأساسية والتعليم والصحة يمكن أن يرفع قدرة الاقتصاد على النمو أما الإنفاق الذي لا يضيف إنتاجية أو يخلق اعتمادًا دائمًا على الدعم فقد يتحول إلى عبء يصعب التخلص منه

المشكلة تصبح أكثر تعقيدًا عندما تدخل السياسة في الاقتصاد لأن القرارات الاقتصادية لا تصدر دائمًا بناءً على الحسابات الاقتصادية وحدها فالانتخابات والضغوط الاجتماعية والمصالح المختلفة يمكن أن تؤثر في اختيار السياسات وقد تدفع الحكومات أحيانًا إلى تأجيل الإصلاحات الصعبة لأنها تحمل تكلفة سياسية قصيرة الأجل رغم فائدتها على المدى الطويل

هذه النقطة مهمة لأن الإصلاح الاقتصادي غالبًا لا يكون مريحًا للجميع فقد يستفيد الاقتصاد ككل من زيادة المنافسة بينما تتضرر بعض الشركات المحمية وقد يؤدي إصلاح الدعم إلى تحسين كفاءة الإنفاق لكنه في الوقت نفسه يخلق غضبًا لدى الفئات التي اعتادت على هذا الدعم ولذلك تحتاج الإصلاحات إلى تصميم ذكي وتواصل واضح وعدالة في توزيع تكلفتها

الكتاب يرفض أيضًا فكرة أن الوصول إلى مستوى دخل معين يعني أن الدولة أصبحت متقدمة تلقائيًا فالأرقام قد تتحسن بينما تظل هناك مشكلات في الإنتاجية وعدم المساواة وجودة المؤسسات والقدرة على خلق وظائف ذات قيمة مرتفعة ولهذا يصبح السؤال الأهم ليس كم يكسب الاقتصاد وإنما ماذا ينتج وكيف ينتج ومن يستفيد من هذا الإنتاج

تقليل الفقر كان إنجازًا مهمًا في التجربة الماليزية لكنه لا يعني أن مشكلة التفاوت اختفت فوجود نمو اقتصادي سريع لا يضمن بالضرورة توزيع ثماره بالتساوي ولذلك تحتاج السياسات الاقتصادية إلى الاهتمام بالفئات التي لا تستفيد بالقدر نفسه من الفرص الجديدة

العدالة هنا ليست مجرد توزيع الأموال من فئة إلى أخرى بل تعني بناء فرص أكثر عدلًا منذ البداية من خلال التعليم الجيد والتدريب والقدرة على الوصول إلى سوق العمل ودعم المناطق والفئات التي تعاني من ضعف الفرص

الاقتصاد الماليزي يحتاج كذلك إلى تحرير طاقات القطاع الخاص بصورة أكبر فالشركات القادرة على المنافسة تستطيع أن تكون محركًا للنمو عندما تعمل في بيئة تسمح لها بالابتكار والاستثمار والتوسع لكن ذلك يحتاج إلى قواعد تمنع الاحتكار وتضمن المنافسة وتحمي السوق من التلاعب

الإصلاح المؤسسي يصبح في هذه الحالة شرطًا للانتقال إلى المرحلة التالية فالدولة يمكن أن تنفق مليارات على المشروعات لكن إذا كانت إجراءاتها بطيئة أو قوانينها غير واضحة أو مؤسساتها غير قادرة على تنفيذ السياسات فلن يتحول الإنفاق إلى إنتاجية مستدامة

التحدي الأكبر أمام ماليزيا إذن ليس تحقيق نمو جديد فقط وإنما تغيير طبيعة النمو نفسه فالنمو الذي يعتمد على العمالة الرخيصة والموارد الطبيعية والاستثمارات الخارجية يمكن أن يكون مرحلة مهمة لكنه لا يكفي لبناء اقتصاد متقدم يحتاج إلى المعرفة والتكنولوجيا والمهارات والإبداع

وهنا يصبح التعليم مرتبطًا بالاقتصاد بصورة مباشرة لأن الدولة لا تستطيع بناء اقتصاد أكثر تعقيدًا من دون مواطنين يمتلكون المهارات التي يحتاجها هذا الاقتصاد فالمصانع الحديثة والشركات المتقدمة والخدمات ذات القيمة العالية تحتاج إلى مهندسين ومبرمجين ومديرين وباحثين وفنيين قادرين على التعامل مع التكنولوجيا المتغيرة

لكن التعليم وحده لا يكفي إذا لم يجد المتعلم اقتصادًا قادرًا على استخدام مهاراته ولذلك يجب أن تسير إصلاحات التعليم والإنتاج وسوق العمل معًا حتى لا يتحول ارتفاع مستوى التعليم إلى زيادة في أعداد الخريجين الذين يبحثون عن وظائف لا تناسب قدراتهم

الكتاب في جوهره دعوة إلى تغيير طريقة التفكير في التنمية فماليزيا لا تحتاج فقط إلى خطة جديدة وإنما تحتاج إلى سؤال جديد عن الهدف الذي تريد الوصول إليه فالدولة التي كانت تقيس نجاحها بعدد المصانع والاستثمارات ومعدلات النمو تحتاج في مرحلة لاحقة إلى قياس قدرتها على خلق اقتصاد أكثر إنتاجية وعدالة واستدامة

وهذا يجعل التجربة الماليزية درسًا يتجاوز حدود ماليزيا نفسها فكل دولة تنجح في مرحلة معينة ستصل إلى لحظة يصبح فيها نجاح الماضي غير كافٍ للمستقبل والسياسات التي صنعت المعجزة الأولى قد تصبح عقبة أمام المعجزة الثانية إذا لم يتم تحديثها

أقوى ما يتركه الكتاب هو هذه الفكرة البسيطة والصعبة في الوقت نفسه النجاح ليس نقطة وصول وإنما مسؤولية جديدة لأن الاقتصاد عندما يتوقف عن مراجعة نفسه يبدأ في فقدان قدرته على المنافسة

ماليزيا استطاعت أن تقطع مسافة كبيرة من اقتصاد فقير يعتمد على الموارد الأولية إلى اقتصاد صناعي أكثر قوة لكن الرحلة الحقيقية لا تنتهي عند بناء المصانع أو زيادة الدخل بل تبدأ عندما يصبح السؤال كيف نصنع اقتصادًا يستطيع أن يعيش وينافس ويبتكر دون أن يعتمد باستمرار على الحماية الحكومية أو النمو السهل

وهنا تتحول إعادة التفكير في السياسات إلى إعادة التفكير في الهدف نفسه فالدولة المتقدمة ليست التي تملك أرقامًا أفضل فقط وإنما التي تملك مؤسسات أفضل ومواطنًا أكثر قدرة وشركات أكثر تنافسية واقتصادًا يستطيع أن يتغير قبل أن يجبره العالم على التغيير

بطاقة الكتاب

العنوان الاقتصاد الماليزي إعادة التفكير في السياسات والأهداف

المؤلف شانكاران نامبيار

الناشر مركز المعلومات والبحوث الاستراتيجية والتنمية

بلد النشر ماليزيا

الطبعة الأولى

سنة النشر 2014

عدد الصفحات 135 صفحة

الرقم الدولي للكتاب 9789670630144

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *