كيفيه التحول من العالم الفقير الي اغني الدول

من العالم الثالث إلى العالم الأول

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب

كيف يمكن لبلد صغير بلا موارد طبيعية ضخمة ولا مساحة واسعة ولا تاريخ اقتصادي طويل أن ينتقل خلال عقود قليلة من الفقر والتخلف إلى واحدة من أكثر الدول ازدهارًا وتنظيمًا في العالم هذا هو السؤال الذي تقف أمامه تجربة سنغافورة التي يحكيها لي كوان يو من داخل غرف صناعة القرار وليس من بعيد كمراقب للتاريخ

سنغافورة التي بدأت منها الرحلة لم تكن تبدو مرشحة لمعجزة اقتصادية فقد كانت جزيرة صغيرة تعاني الفقر والبطالة ونقص الموارد وتعيش وسط بيئة إقليمية مضطربة وكان الانفصال عن ماليزيا في منتصف الستينيات لحظة جعلت مستقبل الدولة يبدو شديد الغموض

لكن المشكلة لم تكن سببًا للاستسلام بل أصبحت دافعًا لبناء دولة تعتمد على الإنسان والمؤسسات والانضباط بدلًا من الاعتماد على الثروات الطبيعية فحين لا تملك الدولة النفط أو المعادن أو المساحات الزراعية الواسعة يصبح رأس مالها الحقيقي هو المواطن وقدرته على التعلم والعمل والإنتاج

القرار الأول كان بناء دولة تستطيع أن تعمل بكفاءة فالإدارة الحكومية لم تكن مجرد جهاز لتسيير الأوراق وإنما أداة لتنفيذ السياسات ومتابعة النتائج واختيار الأشخاص القادرين على تحمل المسؤولية ولهذا أصبح جذب الكفاءات ومحاربة الفساد والحفاظ على مستوى مرتفع من الانضباط داخل مؤسسات الدولة جزءًا أساسيًا من مشروع التنمية

الفساد بالنسبة لهذه التجربة لم يكن مشكلة أخلاقية فقط بل كان مشكلة اقتصادية أيضًا فعندما يعرف المستثمر أن الرخصة تحتاج إلى رشوة وأن القانون يمكن الالتفاف حوله وأن العلاقات أهم من الكفاءة فإنه يبحث عن مكان آخر للاستثمار ولذلك أصبح القانون الصارم والرقابة الفعالة جزءًا من البيئة الاقتصادية وليس مجرد شعار سياسي

الخطوة الأخرى كانت الاستثمار في التعليم فالاقتصاد الحديث يحتاج إلى عمالة تستطيع التعامل مع التكنولوجيا والإدارة والصناعة والتجارة ولذلك لم يكن المطلوب مجرد زيادة عدد المدارس والجامعات بل بناء نظام تعليمي يرتبط باحتياجات الاقتصاد ويجعل المواطن قادرًا على المنافسة في سوق عالمي

الصناعة والتجارة كانتا أيضًا في قلب المشروع فسنغافورة لم يكن أمامها سوق محلي ضخم تعتمد عليه ولذلك كان عليها أن تنفتح على العالم وأن تجعل موقعها الجغرافي نقطة قوة بدلًا من أن يكون مجرد موقع على خريطة آسيا وتحولت الموانئ والخدمات اللوجستية والتجارة الدولية إلى أدوات أساسية لصناعة اقتصاد قوي

جذب الاستثمارات الأجنبية أصبح جزءًا من الخطة لأن الدولة كانت تحتاج إلى رأس المال والخبرة والتكنولوجيا والأسواق التي تستطيع الشركات العالمية توفيرها لكن جذب المستثمر لم يكن قائمًا على تقديم الوعود فقط بل على بناء بيئة يستطيع فيها المستثمر أن يعمل بقواعد واضحة وقضاء يمكن التنبؤ بأحكامه وإدارة حكومية سريعة ومنظمة

الإسكان كان ملفًا آخر تعاملت معه الدولة باعتباره قضية اقتصادية واجتماعية في الوقت نفسه فامتلاك المواطنين لمساكن منظمة ساعد على تحقيق الاستقرار الاجتماعي وربط المواطنين بمستقبل الدولة وأعطى الناس إحساسًا بأن النمو الاقتصادي ليس مجرد أرقام لا تصل إلى حياتهم اليومية

حتى النظافة والنظام العام لم تكن تفاصيل صغيرة في هذه التجربة فقد تم التعامل مع شكل المدينة وسلوك المواطنين باعتبارهما جزءًا من صورة الدولة وقدرتها على جذب الشركات والسياحة والاستثمارات وهنا يظهر جانب مهم في التجربة وهو أن بناء دولة حديثة لا يعتمد فقط على المشروعات العملاقة وإنما على تفاصيل يومية تتكرر حتى تصبح ثقافة عامة

لكن التجربة لم تكن خالية من الجدل فالصرامة السياسية والقيود التي فرضتها الحكومة على المعارضة ووسائل الإعلام أثارت انتقادات واسعة وأصبح هناك سؤال دائم حول العلاقة بين الاستقرار والتنمية من جهة والحريات السياسية من جهة أخرى

لي كوان يو كان يرى أن الأولوية في المراحل الأولى كانت بناء دولة مستقرة وقادرة على البقاء وأن الفوضى السياسية يمكن أن تهدد مشروع التنمية لكنه في الوقت نفسه ترك تجربة تفتح نقاشًا مهمًا حول ما إذا كان النمو الاقتصادي يحتاج بالضرورة إلى هذا المستوى من التحكم السياسي

القصة كذلك لا يمكن فهمها بعيدًا عن الموقع الجغرافي لسنغافورة فقد استفادت الدولة من وجودها وسط طرق التجارة الآسيوية ومن قربها من اقتصادات ضخمة لكن الموقع وحده لا يصنع النجاح فالموانئ يمكن أن توجد في دول كثيرة والاستثمارات يمكن أن تذهب إلى أماكن مختلفة والميزة الحقيقية كانت في تحويل الموقع إلى منظومة متكاملة من الخدمات والقوانين والبنية التحتية والعمالة المدربة

العلاقات الدولية كانت جزءًا من استراتيجية البقاء أيضًا فالدولة الصغيرة لا تستطيع الاعتماد على القوة العسكرية أو الموارد الضخمة وحدها ولذلك احتاجت إلى علاقات متوازنة مع القوى الكبرى والدول المجاورة وإلى الحفاظ على مصالحها التجارية والأمنية دون الدخول في صراعات يمكن أن تهدد وجودها

المثير في التجربة أن التنمية لم تبدأ من محاولة تقليد دولة غنية بكل تفاصيلها بل من فهم الظروف الخاصة بسنغافورة ثم بناء السياسات التي تناسبها فالدولة الصغيرة احتاجت إلى الانفتاح والتجارة والتعليم والانضباط أكثر مما احتاجت إلى حماية سوق محلي لا تملكه أصلًا

الدرس الأكبر هنا أن التحول الاقتصادي لا يحدث بقرار واحد ولا بمشروع واحد فالنجاح جاء من تراكم قرارات صغيرة وكبيرة تتفق جميعها على هدف واضح بناء دولة تستطيع أن تنافس العالم بدلًا من أن تنتظر مساعداته

سنغافورة لم تتحول إلى دولة متقدمة لأنها كانت تملك ظروفًا مثالية بل لأنها تعاملت مع ظروفها الصعبة باعتبارها مسألة يجب إدارتها بعقلانية فالندرة دفعتها إلى الاستثمار في الإنسان والموقع دفعها إلى التجارة وصغر السوق دفعها إلى الانفتاح وغياب الموارد الطبيعية دفعها إلى الاعتماد على المعرفة والكفاءة

وهنا تتحول التجربة من قصة دولة آسيوية صغيرة إلى سؤال أكبر لكل دولة تبحث عن التنمية هل نملك رؤية واضحة لما نريد أن نصبح عليه وهل مؤسساتنا قادرة على تنفيذ هذه الرؤية وهل نستطيع أن نحول التعليم والقانون والبنية التحتية والاستثمار إلى أجزاء من مشروع واحد بدلًا من التعامل معها كملفات منفصلة

تجربة سنغافورة تقول إن بناء الدولة يشبه بناء آلة دقيقة كل جزء فيها يؤثر على الآخر وإذا تعطلت مؤسسة أو انتشر الفساد أو تراجع التعليم أو غابت القواعد الواضحة فإن النمو يصبح هشًا مهما كانت الأموال المتاحة

والأهم أن التنمية ليست مجرد الوصول إلى رقم معين في الناتج المحلي بل القدرة على صناعة دولة يشعر فيها المواطن أن المستقبل يمكن أن يكون أفضل من الماضي وأن أبناءه سيحصلون على فرص أكبر مما حصل عليه هو

هذه هي الرحلة التي يحاول الكتاب أن يتركها في ذهن القارئ رحلة جزيرة صغيرة بدأت وهي تبحث عن طريقة للبقاء ثم أصبحت تبحث عن طريقة للمنافسة وبعد عقود لم يعد السؤال كيف تنجو سنغافورة بل كيف تحافظ على المكان الذي وصلت إليه

بطاقة الكتاب

العنوان من العالم الثالث إلى العالم الأول

المؤلف لي كوان يو

الناشر هاربر كولينز

بلد النشر الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة الأولى

سنة النشر 2000

عدد الصفحات 729 صفحة

الرقم الدولي للكتاب 9780060197766

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *