قراءة في كتاب أسس النظرية النفسية الاجتماعية لـ بوريس باريجي

كيف يتشكل الإنسان داخل المجتمع؟ وكيف تؤثر الجماعة والعلاقات الاجتماعية في طريقة تفكير الفرد ومشاعره وسلوكه؟ وفي المقابل، هل يظل الإنسان مجرد نتاج للبيئة الاجتماعية، أم يمتلك القدرة على التأثير فيها وتغييرها؟

هذه الأسئلة تقف في قلب مشروع عالم النفس والاجتماع الروسي بوريس دميترييفيتش باريجين، الذي حاول أن يقدم تصورا واسعا لعلم النفس الاجتماعي باعتباره مجالا علميا مستقلا، لا يكتفي بدراسة الفرد بمعزل عن المجتمع، ولا يختزل الظواهر الإنسانية في البنية الاجتماعية وحدها.

كتاب «أسس النظرية النفسية الاجتماعية» باعتباره من أبرز أعمال باريجين وأكثرها أهمية. صدر الكتاب في موسكو عام 1971 عن دار «Мысль»، وبلغت طبعته الأولى 20 ألف نسخة، وتذكر الفهارس العلمية للكتاب عددا من الصفحات يتراوح بين 347 و352 صفحة بحسب طريقة الفهرسة والنسخة.

 

لا يقدم الكتاب نظرية نفسية بالمعنى الضيق، وإنما يسعى إلى بناء إطار عام لفهم الظواهر الاجتماعية والنفسية، من خلال مجموعة من المفاهيم المترابطة، يأتي في مقدمتها الإنسان وشخصيته، والتواصل، والجماعة، والنشاط، والحالة النفسية والاجتماعية. وتشير الفهارس والمراجع العلمية إلى أن الكتاب يتناول الأسس المنههجية للنظرية النفسية الاجتماعية، وأصولها، وبنيتها، ووظائفها، وجوانبها الفلسفية.
ما يتناوله الكاتب:

 

انطلق باريجين من محاولة تحديد مكان علم النفس الاجتماعي داخل منظومة العلوم الإنسانية.

فالمشكلة الأساسية بالنسبة إليه ليست مجرد دراسة السلوك الفردي، وإنما فهم المنطقة التي يلتقي فيها النفسي والاجتماعي؛ أي تلك المساحة التي يتأثر فيها الإنسان بالمجتمع، وفي الوقت نفسه يستطيع من خلالها أن يؤثر في الآخرين وفي البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها.

 

ولهذا اهتم الكتاب بالأسس المنهجية للنظرية النفسية الاجتماعية، وأصولها، وبنيتها، ووظائفها، وأبعادها الفلسفية، إضافة إلى موقع العامل النفسي داخل العلاقات الاجتماعية والوعي الاجتماعي. ويؤكد عرض أكاديمي صادر عن معهد علم النفس التابع للأكاديمية الروسية للعلوم أن الكتاب قدم تصورا عاما لعلم النفس الاجتماعي وضع الشخصية والتواصل الإنساني في مركز النظرية.

 

وتظهر في هذا المشروع محاولة واضحة لبناء علم نفس اجتماعي ينظر إلى الإنسان باعتباره كائنا اجتماعيا فاعلا، وليس مجرد مستقبل سلبي لتأثيرات المجتمع.
لماذا كتب باريجين هذا الكتاب؟

ظهر الكتاب في مرحلة كان علم النفس الاجتماعي فيها يواجه أسئلة حول موضوعه وحدوده وعلاقته بعلم النفس العام وعلم الاجتماع.

 

كان باريجين قد سبق هذا العمل بكتاب «علم النفس الاجتماعي كعلم» عام 1965، ثم واصل تطوير مشروعه النظري في كتاب «أسس النظرية النفسية الاجتماعية» عام 1971. وتؤكد المراجع الأكاديمية أن أعماله السابقة حول موضوع علم النفس الاجتماعي أثارت اهتماما داخل الاتحاد السوفيتي وخارجه، وترجمت بعض أعماله إلى لغات أخرى.
ومن هنا يمكن فهم الكتاب باعتباره محاولة للإجابة عن سؤال أكبر:

إذا كان الإنسان يعيش داخل مجتمع، ويتأثر بالعلاقات والجماعات والقيم والاتجاهات والمشاعر العامة، فكيف يمكن بناء علم قادر على تفسير هذه العمليات بصورة متكاملة؟
الإنسان ليس مجرد نتاج للمجتمع:
من أهم الجوانب التي تميز مشروع باريجين نظرته إلى العلاقة بين الفرد والمجتمع.

والفرد يتأثر بالبيئة الاجتماعية، لكنه لا يختفي داخلها.
وتقوم رؤيته على اعتبار الإنسان شخصية نشطة تشارك في العلاقات الاجتماعية، وتؤثر في محيطها من خلال النشاط والتفاعل والاختيار.
وهذه النقطة مهمة؛ لأنها تجعل الإنسان طرفا فاعلا في العملية الاجتماعية، وليس مجرد نتيجة ميكانيكية للظروف المحيطة.
وتشير الدراسات الحديثة التي أعادت قراءة فكر باريجين إلى استمرار أهمية هذه الفكرة في النقاشات المتعلقة بقدرة الفرد على التأثير في البنية الاجتماعية.

الشخصية في النظرية النفسية الاجتماعية:
تحتل الشخصية مكانة مركزية في مشروع باريجين.
فالشخصية بالنسبة إليه لا يمكن فهمها بعيدا عن العلاقات الاجتماعية والنشاط والتفاعل مع الآخرين.ولهذا لم يتعامل مع الشخصية باعتبارها مجموعة من السمات النفسية المعزولة، وإنما حاول فهمها باعتبارها بنية تتطور في سياق اجتماعي متغير.

 

وهنا تظهر فكرة أساسية:
الإنسان يصبح مفهومه أكثر وضوحا عندما ننظر إليه داخل شبكة العلاقات التي يعيش ويتفاعل من خلالها.
التواصل ليس مجرد تبادل للكلام:
يولي باريجين أهمية كبيرة للتواصل الإنساني.
فالتواصل بالنسبة إليه ليس مجرد نقل للمعلومات من شخص إلى آخر، وإنما عملية اجتماعية ونفسية معقدة تشارك فيها الأفكار والمشاعر والمواقف والتأثير المتبادل.
ويشير تحليل أكاديمي لكتاب باريجين إلى أن القسم الثالث من العمل مخصص بصورة واسعة لمشكلة التواصل، وأن مفهوم التفاهم المتبادل يحتل موقعا مهما في تحليله لهذه العملية.
وهذه الرؤية تجعل التواصل عنصرا أساسيا في تفسير السلوك الاجتماعي.
فالإنسان لا يتشكل فقط بما يفكر فيه، وإنما أيضا بما يسمعه من الآخرين، وبالطريقة التي ينظر بها إليه الآخرون، وبردود الفعل التي يتلقاها داخل الجماعة.
الفرق بين التواصل والعلاقات الاجتماعية:
من القضايا التي اهتم بها باريجين التمييز بين التواصل والعلاقات الاجتماعية والجماعة.
فوجود الإنسان وسط الآخرين لا يعني بالضرورة وجود تواصل فعال، كما أن التواصل لا يحدث في فراغ؛ بل يرتبط ببنية اجتماعية ومواقف وأدوار وتوقعات متبادلة.
ومن هنا تصبح دراسة التواصل مدخلا لفهم العلاقات الاجتماعية نفسها.
ويمكن القول إن باريجين حاول الانتقال من السؤال التقليدي:
ماذا يحدث داخل عقل الفرد؟
إلى سؤال أكثر اتساعا:
ماذا يحدث بين الأفراد عندما يدخلون في علاقة وتفاعل مستمر؟
وهذه النقلة من «الفرد المنعزل» إلى «الفرد داخل شبكة العلاقات» من أهم جوانب المشروع الباريجيني.
أهم الأفكار في الكتاب:
علم النفس الاجتماعي علم مستقل
يحاول باريجين بناء علم النفس الاجتماعي بوصفه مجالا له موضوعه ومفاهيمه ومنهجيته، مع الحفاظ على علاقته الوثيقة بعلم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة.
الإنسان وحدة نفسية واجتماعية
لا يمكن فصل الجانب النفسي عن الظروف والعلاقات الاجتماعية التي يعيش داخلها الإنسان.
الشخصية عنصر مركزي
الشخصية ليست مجرد مجموعة خصائص فردية، وإنما تتطور من خلال النشاط والتفاعل والعلاقات الاجتماعية.
التواصل جوهر الحياة الاجتماعية
التواصل ليس وسيلة لنقل المعلومات فقط، بل آلية للتأثير المتبادل وبناء العلاقات والمواقف المشتركة.
الفرد يؤثر في المجتمع
لا تقتصر العلاقة على تأثير المجتمع في الفرد؛ فالفرد نفسه يمتلك قدرا من المبادرة والاختيار والنشاط يمكن أن يؤثر من خلاله في محيطه الاجتماعي.
الظواهر النفسية الاجتماعية متعددة المستويات
لا يمكن تفسير الظواهر الاجتماعية من خلال عامل واحد؛ إذ تتداخل الشخصية والجماعة والنشاط والتواصل والحالة النفسية والمناخ الاجتماعي.
الحالة النفسية للمجتمع مهمة
اهتم باريجين بمفاهيم مثل الاتجاهات والمزاج والحالات النفسية الاجتماعية، وهو اهتمام امتد في مشروعه إلى كتابه السابق «المزاج العام» الصادر عام 1966. وتثبت المراجع الأكاديمية وجود هذا العمل ضمن مساره الفكري.
ضرورة النظر إلى الظواهر بصورة ديناميكية
لا يكتفي التحليل بوصف الحالة في لحظة معينة، وإنما يهتم بكيفية تشكلها وتغيرها وتفاعل عناصرها.
المنهج البنائي الديناميكي:
من أهم المفاهيم التي ارتبطت بمشروع باريجين ما يعرف بالمنهج أو المقاربة البنيوية الديناميكية.
ويهدف هذا المدخل إلى فهم كيفية ارتباط عناصر الظاهرة النفسية والاجتماعية ببعضها، وكيف تتغير هذه العناصر بمرور الوقت وتحت تأثير النشاط والتفاعل الاجتماعي.
وهذا يعني أن الظاهرة الاجتماعية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها شيئا ثابتا.
فالجماعة تتغير، والعلاقات تتغير، والمواقف تتغير، والشخصية نفسها تتطور.
وبالتالي فإن فهم الإنسان يتطلب دراسة البنية التي يعيش داخلها، وكذلك حركة هذه البنية وتغيرها.
الجماعة والمجتمع:
لا يقف تحليل باريجين عند حدود العلاقة الثنائية بين شخصين، بل يمتد إلى الجماعات والمجتمعات.
فالجماعة يمكن أن تخلق قواعد غير مكتوبة للسلوك، وتنتج مشاعر واتجاهات مشتركة، وتؤثر في قرارات أفرادها.
ومن هنا تصبح مفاهيم الجماعة والمجتمع والمناخ النفسي الاجتماعي جزءا أساسيا من فهم السلوك الإنساني.
التأثير الاجتماعي: لماذا نفعل ما يفعله الآخرون؟
من الأفكار المهمة في الكتاب الاهتمام بالآليات التي يحدثء من خلالها التأثير الاجتماعي.
فالإنسان قد يقتنع بفكرة لأن شخصا آخر أقنعه بها، أو يقلد سلوك جماعته، أو يتأثر بالمزاج العام المحيط به.
وهنا يظهر الفرق بين التأثير المباشر والتأثير غير المباشر.
فأحيانا لا يخبرنا أحد بما يجب أن نفعله، لكننا نتصرف بطريقة معينة لأننا نرى الآخرين يتصرفون بالطريقة نفسها.
وهذه الفكرة تجعل مفاهيم مثل التقليد والإقناع والعدوى والموضة ذات أهمية كبيرة في دراسة السلوك الجماعي.
المزاج العام والمناخ النفسي الاجتماعي:
يمثل اهتمام باريجين بالمزاج العام أحد الجوانب المميزة في مشروعه.
فالناس لا يعيشون فقط في ظروف اقتصادية وسياسية واجتماعية، بل يعيشون أيضا في جو نفسي عام يمكن أن يتسم بالتفاؤل أو القلق أو الثقة أو الإحباط.
وقد خصص باريجين دراسة مبكرة لهذا الموضوع في كتاب «المزاج العام» عام 1966، ثم أصبح مفهوم الحالات والمشاعر الاجتماعية جزءا من مشروعه الأوسع في علم النفس الاجتماعي.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم المجتمع ليس فقط من خلال مؤسساته وقوانينه، وإنما أيضا من خلال مشاعر الناس واتجاهاتهم وانطباعاتهم عن الواقع.
خلاصة الكتاب في نقاط:
الإنسان لا يمكن فهمه بعيدا عن المجتمع.
المجتمع يؤثر في الفرد، لكن الفرد يستطيع أيضا التأثير في المجتمع.
الشخصية من أهم الوحدات الأساسية في التحليل الاجتماعي النفسي.
التواصل عنصر جوهري في الحياة الاجتماعية.
العلاقات الاجتماعية لا تنفصل عن عمليات التأثير النفسي.
الجماعات تشكل اتجاهات وسلوكيات ومشاعر مشتركة.
التقليد والإقناع والعدوى والموضة من آليات التأثير الاجتماعي.
الحالات والمشاعر الاجتماعية تساعد في تفسير سلوك الجماعات.
الظواهر الاجتماعية النفسية ليست ثابتة، بل تتغير باستمرار.
فهم المجتمع يحتاج إلى الجمع بين البنية والحركة والتفاعل.
الفرد ليس مجرد متلق للظروف الاجتماعية، بل يمتلك قدرة على المبادرة والاختيار والنشاط.
علم النفس الاجتماعي يقع في منطقة مشتركة بين الفرد والمجتمع.
التواصل يمكن أن يكون مفتاحا لفهم كثير من الظواهر الاجتماعية.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب المتخصصين والطلاب في علم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة والعلوم الإنسانية، خصوصا المهتمين بتاريخ وتطور علم النفس الاجتماعي.
كما يمكن أن يكون مفيدا للباحثين الذين يرغبون في فهم تطور المدرسة الروسية في علم النفس الاجتماعي، أو دراسة العلاقة بين الشخصية والمجتمع والتواصل.
لكن القارئ المعاصر قد يجد الكتاب أكثر صعوبة من الكتب الحديثة المبسطة؛ لأن العمل ينتمي إلى سياق فكري وعلمي يعود إلى سبعينيات القرن العشرين، ويقدم مشروعا نظريا واسعا أكثر من كونه كتابا تعليميا مبسطا.
نقاط القوة:
الرؤية الشاملة:
أهم نقاط القوة أن باريجين لم يحصر علم النفس الاجتماعي في موضوع واحد، وإنما حاول بناء منظومة واسعة تربط الشخصية بالتواصل والجماعة والنشاط والحالات النفسية والاجتماعية.
وقد وصف باحثون مشروعه بأنه إسهام مهم في بناء تصور متكامل لعلم النفس الاجتماعي، مع وضع الشخصية والتواصل في قلب النظرية.
أهمية التواصل:
منح باريجين التواصل موقعا مركزيا، وهو ما جعله يتعامل مع الحياة الاجتماعية باعتبارها شبكة مستمرة من التأثير والتفاعل.
الجمع بين الفرد والمجتمع:
لم ينظر إلى الفرد باعتباره مجرد نتيجة للبيئة، وإنما اهتم بقدرته على النشاط والاختيار والتأثير.
وهذه الفكرة تبدو ذات صلة خاصة بالمناقشات الحديثة حول فاعلية الفرد ودوره في تغيير البنية الاجتماعية.
الاهتمام بالديناميكية:
بدل النظر إلى الظواهر النفسية الاجتماعية كحالات جامدة، اهتم باريجين بحركتها وتغيرها.
التأثير العلمي:
لم يبق تأثير الكتاب داخل روسيا؛ فقد أعيد نشره بلغات أخرى، من بينها الألمانية واليابانية، وهو ما يعكس وصول مشروع باريجين إلى بيئات علمية خارج الاتحاد السوفيتي.
نقاط الضعف إن وجدت:
رغم القيمة النظرية والتاريخية للكتاب، فإن قراءته اليوم تحتاج إلى وضعه في سياقه التاريخي.
فالكتاب ظهر عام 1971، في بيئة فكرية وعلمية مختلفة عن البيئة الحالية، ولذلك فإن بعض المصطلحات والمناقشات النظرية تحتاج إلى قراءة نقدية ومقارنتها بالتطورات اللاحقة في علم النفس الاجتماعي.
كما أن اتساع المشروع النظري يمكن أن يمثل تحديا للقارئ الذي يبحث عن نماذج تجريبية مباشرة أو تطبيقات عملية سريعة.
ومن ناحية أخرى، فإن بعض المفاهيم التي كانت ذات أهمية خاصة في زمن باريجين أصبحت اليوم جزءا من نقاشات أوسع داخل علم النفس الاجتماعي، ولذلك فإن قيمة الكتاب المعاصرة تكمن بدرجة كبيرة في فهم جذور الأفكار وتطورها، وليس في التعامل مع جميع أطروحاته باعتبارها نتائج نهائية.
ملاحظات يمكن مناقشتها:
من أكثر الأفكار التي تستحق إعادة القراءة اليوم فكرة العلاقة بين الفرد والمجتمع.
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الإنسان أكثر اتصالا بالآخرين من أي وقت مضى، لكنه في الوقت نفسه أصبح أكثر تعرضا لضغط الجماعة، والخوارزميات، والرأي العام، والمعلومات المتداولة.
وهنا تبدو أسئلة باريجين قديمة في تاريخها، لكنها حديثة في مضمونها:
كيف يؤثر الآخرون في اختياراتنا؟
كيف تتكون المواقف الجماعية؟
لماذا تنتشر بعض الأفكار بسرعة؟
كيف يتحول المزاج الفردي إلى مزاج جماعي؟
ومتى يستطيع الفرد مقاومة ضغط الجماعة؟
هذه الأسئلة يمكن إسقاطها اليوم على شبكات التواصل الاجتماعي، وانتشار المحتوى الفيروسي، وصناعة الترند، والاستقطاب الرقمي، والتأثير الجماهيري.
فإذا كان باريجين قد اهتم بالتقليد والإقناع والعدوى والموضة بوصفها آليات للتأثير الاجتماعي، فإن البيئة الرقمية الحديثة توفر لهذه الآليات مساحة أوسع وأسرع بكثير.
وهنا يمكن إعادة صياغة السؤال الباريجيني في عصر الإنترنت:
إذا كان المجتمع يؤثر في الفرد، فمن الذي يشكل المجتمع الرقمي نفسه؟ الإنسان، أم الجماعة، أم الخوارزمية، أم مزيج من الثلاثة؟
هل ما زالت أفكار باريجين صالحة اليوم؟
لا يمكن التعامل مع الكتاب باعتباره دليلا نهائيا لعلم النفس الاجتماعي الحديث، لكن من الصعب تجاهل قيمته التاريخية والنظرية.
فالدراسات الأكاديمية الحديثة ما زالت تعيد قراءة مشروع باريجين، خصوصا أفكاره المتعلقة بالشخصية والتواصل والمنهج البنائي الديناميكي والعلاقة بين الفرد والبنية الاجتماعية.
وقد ناقشت دراسات حديثة استمرار أهمية بعض أفكاره المتعلقة بفاعلية الفرد وقدرته على الاختيار والتأثير في البيئة الاجتماعية.
كما أن الدراسات الروسية المتخصصة في تاريخ علم النفس الاجتماعي ما زالت تعتبر كتاب «أسس النظرية النفسية الاجتماعية» عملا محوريا في مشروع باريجين النظري.
وهذا يعني أن أهمية الكتاب اليوم ليست في أن كل تفاصيله ما زالت مقبولة كما هي، وإنما في أنه يساعدنا على فهم كيف حاول أحد المفكرين بناء نظرية متكاملة تضع الإنسان في قلب العلاقة بين النفس والمجتمع.
الكلمة الأخيرة:
«أسس النظرية النفسية الاجتماعية» ليس كتابا عن الإنسان بمعزل عن الآخرين، ولا عن المجتمع بعيدا عن أفراده.
إنه محاولة لفهم المساحة المشتركة بين الاثنين.
وهنا تكمن أهميته.
فالفرد يتشكل داخل المجتمع، لكنه لا يتوقف عن التأثير فيه. والتواصل لا ينقل الأفكار فقط، بل يصنع العلاقات والمواقف والتوقعات. والجماعة لا تحدد سلوك أفرادها بصورة مطلقة، لكنها تخلق بيئة يمكن أن تدفعهم نحو سلوك معين أو تجعلهم يقاومونه.
وبهذه الرؤية يصبح علم النفس الاجتماعي علما يدرس الإنسان وهو يعيش مع الآخرين، ويتأثر بهم، ويؤثر فيهم.
وربما تكمن القيمة الأكبر للكتاب في سؤال لا يزال مفتوحا حتى اليوم:
هل نحن الذين نصنع المجتمع الذي نعيش فيه، أم أن المجتمع هو الذي يصنعنا؟
الإجابة التي يوحي بها مشروع باريجين ليست اختيار أحد الطرفين، وإنما النظر إلى العلاقة باعتبارها عملية مستمرة من التأثير المتبادل.
وفي عالم أصبحت فيه الجماعات الرقمية والمنصات والخوارزميات قادرة على التأثير في ملايين الأشخاص خلال ساعات، تبدو دراسة هذه العلاقة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتحليلها وربطها بسياقات معاصرة، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلا عنه.
وتظل الحقوق الأدبية والفكرية الخاصة بالكتاب وطبعاته وترجماته محفوظة لأصحابها، وينصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للباحث أو القارئ الراغب في دراسة العمل بصورة كاملة.
البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان العربي: أسس النظرية النفسية الاجتماعية
العنوان الأصلي بالروسية: Основы социально-психологической теории
العنوان الإنجليزي: Fundamentals of Socio-Psychological Theory
المؤلف: بوريس دميترييفيتش باريجين — Boris Dmitrievich Parygin
اللغة الأصلية: الروسية
النوع: علم النفس الاجتماعي والدراسة النظرية والمنهجية
تاريخ النشر الأول: 1971
الناشر الأصلي: دار «Мысль» — Mysl
مكان النشر: موسكو
الطبعة الأولى: 20 ألف نسخة
الترقيم الدولي: ISBN:
9788131759530

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *