قراءة في رواية «ثم لم يبق أحد».. حين يتحول الانتقام إلى عدالة

 

تمهيد:-

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

ما يتناوله الكاتب:-

تأخذنا رواية «ثم لم يبق أحد» للكاتبة البريطانية أجاثا كريستي إلى عالم مغلق ومليء بالغموض، حيث يتلقى عشرة أشخاص دعوات غامضة للإقامة في قصر فاخر على جزيرة معزولة، دون أن يعرفوا حقيقة صاحب الدعوة أو السبب الحقيقي الذي جمعهم في هذا المكان.

منذ وصولهم، يبدو أن كل شخصية تحمل سرًا من الماضي، لكن الأمور تنقلب تمامًا عندما ينطلق تسجيل صوتي يتهم كل واحد منهم بالتسبب في وفاة شخص أفلت من العقاب القانوني، عندها يدرك الضيوف أنهم لم يأتوا إلى الجزيرة لقضاء عطلة، وإنما لمواجهة ماضٍ حاولوا دفنه لسنوات.

تستخدم أجاثا كريستي قصيدة أطفال قديمة وعشرة تماثيل صغيرة داخل المنزل كجزء من لغز الجريمة، إذ تبدأ الوفيات بالتتابع وفق ترتيب القصيدة، ومع كل وفاة يختفي أحد التماثيل، ومع انقطاع الاتصال بالعالم الخارجي، يجد الناجون أنفسهم محاصرين، ويصبح القاتل واحدًا منهم، أو هكذا يبدو للجميع.

تزداد حالة الخوف والشك مع سقوط الضحايا واحدًا تلو الآخر، فكل شخصية يمكن أن تكون قاتلًا محتملًا، وفي الوقت نفسه قد تصبح الضحية التالية. ولا تعتمد الرواية على الجريمة وحدها، وإنما تستغل الخوف والعزلة لكشف طبيعة الإنسان عندما يشعر بأنه محاصر، وكيف يمكن للشك والذنب أن يدفعاه إلى قرارات خطيرة.

وتكشف الأحداث تدريجيًا أن الأشخاص الموجودين في الجزيرة ليسوا أبرياء تمامًا، فكل واحد منهم مرتبط بحادثة وفاة قديمة لم يحصل فيها الضحية على العدالة التي كان يستحقها، ومن هنا يتحول المنزل إلى ما يشبه محكمة سرية، يكون فيها الماضي هو الاتهام، والقاتل هو من قرر تنفيذ الحكم بنفسه.

ويبرز القاضي وارجريف باعتباره إحدى الشخصيات المحورية في الرواية، خصوصًا مع ارتباط أحداث القصة بفكرة العدالة، ومع استمرار الجرائم، يبدو أن شخصًا ما يملك معرفة دقيقة بأسرار الجميع، ويستخدمها لتنفيذ خطة انتقامية شديدة التعقيد.

تصل الأحداث إلى ذروتها عندما يتبقى عدد قليل من الناجين، وتتحول الثقة بينهم إلى خوف متبادل، تنتهي المواجهة بمقتل لومبارد، ثم تموت فيرا كلايثورن، بينما تصل الشرطة لاحقًا إلى الجزيرة لتجد الجميع جثثًا، دون وجود قاتل واضح أو تفسير منطقي لما حدث.

لكن الرسالة التي تُعثر عليها في البحر تكشف الحقيقة الصادمة، إذ يتضح أن القاضي وارجريف كان العقل المدبر وراء الجرائم، وأنه قرر معاقبة أشخاص أفلتوا من العقاب القانوني، وقد وضع خطة دقيقة جعلت الجريمة تبدو مستحيلة الحل، قبل أن ينهي حياته بطريقة تغلق دائرة الانتقام.

ولا تكمن قوة الرواية في معرفة هوية القاتل فقط، وإنما في الأسئلة التي تتركها خلفها، فهل يحق للإنسان أن ينصب نفسه قاضيًا وجلادًا عندما يفشل القانون؟ وهل يمكن أن يتحول الانتقام إلى عدالة لمجرد أن الضحية لم تحصل على حقها؟.

من هنا تتجاوز «ثم لم يبق أحد» كونها رواية بوليسية، لتصبح تأملًا في الذنب والعدالة والانتقام، وتؤكد أن الإنسان قد يهرب من القانون، لكنه لا يستطيع دائمًا الهروب من ماضيه، وأن أخطر ما يمكن أن يحدث عندما تختلط العدالة بالرغبة في الانتقام هو أن يتحول الباحث عن القصاص إلى مجرم جديد.

الكلمة الأخيرة:-

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الرواية، عبر إعادة صياغة أحداثها وأفكارها وتحليل دلالاتها ومناقشة أسئلتها الأخلاقية بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج النص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى العمل في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفته وأحداث روايتها.

حقوق النشر:ـ

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأحداث والأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الرواية أو بديلًا عنها.

وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلفة الرواية أجاثا كريستي وورثتها وناشريها وأصحاب الحقوق المعنيين، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للرواية:-

العنوان: ثم لم يبق أحد – And Then There Were None

المؤلفة: أجاثا كريستي – Agatha Christie

الناشر: Collins Crime Club

بلد النشر: المملكة المتحدة

الطبعة الأولى: الطبعة الأولى

سنة النشر: 1939

التصنيف: رواية بوليسية، غموض، جريمة، إثارة نفسية

عدد الصفحات: يختلف حسب الطبعة والترجمة، ويتراوح عادة بين نحو 200 و300 صفحة.

اللغة الأصلية: الإنجليزية

ISBN
: 9786338418038

 

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *