قراءة فى Feel the Fear and Do It Anyway اشعر بالخوف وافعلها على أي حال

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
________________________________________

يأتي كتاب اشعر بالخوف وافعلها على أي حال للكاتبة الأمريكية سوزان جيفرز كواحد من الكتب التي تتعامل مع الخوف بطريقة مختلفة، فبدلًا من تقديم الخوف باعتباره عائقًا يجب التخلص منه قبل اتخاذ أي خطوة، تنطلق جيفرز من فكرة أكثر واقعية الخوف جزء طبيعي من الحياة، ولن ننتظر حتى يختفي كي نبدأ.

كثيرًا ما يؤجل الإنسان قراراته لأنه يقول لنفسه: عندما أشعر بالثقة سأبدأ، أو عندما أتأكد أن الأمور ستنجح سأجرب، أو عندما أتخلص من خوفي سأتحرك، لكن المشكلة أن هذه اللحظة المثالية قد لا تأتي أبدًا.

ترى جيفرز أن الحل ليس في انتظار اختفاء الخوف، وإنما في تعلم التحرك رغم وجوده، فالخوف لا يعني بالضرورة أننا نسير في الاتجاه الخطأ، بل قد يكون علامة على أننا نقترب من منطقة جديدة وغير مألوفة.

الكتاب يميز بين نوعين من الحياة، حياة يحاول فيها الإنسان حماية نفسه باستمرار من كل احتمال للفشل أو الرفض أو الخسارة، وحياة يقبل فيها قدرًا من عدم اليقين ويمنح نفسه فرصة للتجربة، الأولى تبدو أكثر أمانًا، لكنها قد تصبح ضيقة ومحدودة، بينما الثانية تحمل مخاطرة، لكنها تفتح أبوابًا أكبر للنمو.

ومن الأفكار الرئيسية في الكتاب أن الخوف لا يختفي بمجرد التفكير فيه، ففي كثير من الأحيان، لا تأتي الثقة أولًا ثم يتبعها الفعل، بل يحدث العكس، نتحرك، نجرب، نواجه الموقف، ثم تبدأ الثقة في النمو نتيجة التجربة،
وهذا يغير الطريقة التي ننظر بها إلى الشجاعة، فالشجاع ليس شخصًا لا يخاف، وإنما شخص يستطيع أن يقول أنا خائف، ومع ذلك سأحاول.

وتتحدث جيفرز عن الخوف من المجهول باعتباره واحدًا من أكثر أنواع الخوف انتشارًا، فالإنسان يشعر بالراحة تجاه ما يعرفه، حتى لو كان هذا الشيء غير مريح، أما المستقبل، بطبيعته، فلا يقدم ضمانات كاملة.

ولهذا قد يفضل شخص البقاء في وظيفة لا يحبها على تجربة وظيفة جديدة، أو يستمر في علاقة غير مناسبة خوفًا من الوحدة، أو يؤجل مشروعًا يحلم به لأنه لا يعرف النتيجة، لكن الكتاب يدعونا إلى سؤال مختلف ماذا سأخسر إذا ظللت في مكاني.

وهذه النقطة مهمة، لأننا غالبًا نحسب تكلفة التغيير ولا نحسب تكلفة عدم التغيير، نخاف من المخاطرة، لكننا ننسى أن الجمود نفسه قد تكون له تكلفة كبيرة، مثل ضياع الوقت، وفقدان الفرص، والشعور المستمر بالندم.

ومن المفاهيم المهمة التي تقدمها جيفرز أيضًا تحمل المسؤولية الشخصية، فبدلًا من انتظار الآخرين كي يغيروا حياتنا أو يمنحونا الإذن بالتحرك، تدعو الإنسان إلى الاعتراف بقدرته على الاختيار، وهذا لا يعني أن الإنسان يستطيع التحكم في كل الظروف، لكنه يستطيع أن يقرر كيف يستجيب لها.

فالفرصة قد لا تكون متاحة، والظروف قد تكون صعبة، وقد يرفض الآخرون مساعدتنا، لكن يظل هناك سؤال أساسي، فما الخطوة التي أستطيع القيام بها الآن؟

ويؤكد الكتاب كذلك أهمية التخلص من التفكير القائم على إما أن أنجح أو أفشل، فالحياة ليست دائمًا بهذه الثنائية، قد نجرب شيئًا ولا نحصل على النتيجة التي أردناها، لكن التجربة نفسها قد تعلمنا مهارة أو تكشف لنا طريقًا جديدًا، لذلك فإن الفشل لا ينبغي أن يكون حكمًا نهائيًا على قيمة الإنسان أو قدرته.

ومن الأفكار المفيدة في الكتاب التعامل مع الرفض، فالإنسان يخاف أحيانًا من طلب شيء أو التعبير عن رأيه لأنه يتوقع أن يسمع كلمة لا، لكن جيفرز ترى أن الرفض ليس نهاية العالم، إنه ببساطة نتيجة محتملة لكوننا حاولنا،
وهنا يصبح السؤال ليس، كيف أضمن ألا يرفضني أحد؟، وإنما هل أستطيع تحمل الرفض إذا حدث؟
عندما تكون الإجابة نعم، يصبح الإنسان أكثر حرية في المبادرة.

وتولي الكاتبة اهتمامًا أيضًا بطريقة حديثنا مع أنفسنا، فالإنسان يمكن أن يتحول إلى أكبر مصدر للخوف عندما يكرر داخله عبارات مثل: أنا لا أستطيع، سأفشل، ماذا سيقول الناس؟، ليس لدي ما يكفي من الخبرة،
هذه الأفكار قد تبدو واقعية، لكنها في كثير من الأحيان ليست حقائق، وإنما توقعات واحتمالات، والتمييز بين الحقيقة والخوف المتخيل يساعد الإنسان على اتخاذ قرارات أكثر توازنًا.

كما يشجع الكتاب على الخروج التدريجي من منطقة الراحة، ليس المطلوب أن يقفز الإنسان فجأة إلى أكبر مخاوفه، بل أن يبدأ بخطوات صغيرة، مكالمة مؤجلة، قرار بسيط، تجربة جديدة، الحديث أمام الآخرين، طلب فرصة، أو البدء في مشروع طال تأجيله.

________________________________________
الكلمة الأخيرة:
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
______________________________________
البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: Feel the Fear and Do It Anyway — اشعر بالخوف وافعلها على أي حال

المؤلف: سوزان جيفرز (Susan Jeffers)

دار النشر: Fawcett Columbine

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: الطبعة الأولى

سنة النشر: 1987

عدد الصفحات: نحو 240 صفحة، ويختلف العدد باختلاف الطبعة.
ISBN: 978-0-449-90455-3
________________________________________
حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *