قراءة فى كتاب The Art of Possibility فن الإمكانية 

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

 

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

________________________________________

يأخذنا كتاب فن الإمكانية للكاتبين روزاموند زاندر وبنجامين زاندر في رحلة مختلفة عن كتب التنمية الذاتية التقليدية، فالكتاب لا يتعامل مع النجاح باعتباره سباقا يجب أن ننتصر فيه على الآخرين، ولا يرى الحياة مجرد مجموعة من الأهداف والأرقام التي علينا تحقيقها، بدلًا من ذلك، يدعونا إلى تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا وإلى العالم من حولنا، لأن كثيرًا من القيود التي نشعر بها قد لا تكون موجودة فعلًا، وإنما نصنعها من خلال أفكارنا وتفسيراتنا للأحداث.

 

الفكرة الأساسية في الكتاب بسيطة لكنها عميقة، يمكن أن تتغير حياتنا عندما تتغير الطريقة التي نراها بها، فقد نعيش سنوات ونحن نعتقد أن هناك طريقًا واحدًا للنجاح، أو أن قيمتنا مرتبطة بما نحققه، أو أن الآخرين هم السبب في تعاستنا، لكن عندما نعيد النظر في هذه الافتراضات، تظهر أمامنا احتمالات جديدة لم نكن نراها من قبل.

 

من أهم الأفكار التي يقدمها الكتاب مفهوم عالم القياس، نحن نميل بطبيعتنا إلى مقارنة أنفسنا بالآخرين، من الأفضل، من الأكثر نجاحًا، من يملك مالًا أكثر، من حصل على وظيفة أفضل، من حقق إنجازًا أسرع، المشكلة أن الإنسان عندما يحوّل حياته إلى سلسلة من المقارنات، يصبح من الصعب عليه أن يشعر بالرضا، فحتى عندما يحقق شيئًا كان يتمناه، سرعان ما يبدأ في مقارنة نفسه بشخص آخر حقق أكثر منه.

 

ويقترح الكاتبان الانتقال من عقلية المقارنة إلى عقلية الإمكانية. في عالم الإمكانية لا يكون السؤال فقط، كيف أتفوق؟، وإنما يصبح ما الذي يمكن أن أخلقه، وما الفرص التي لم أنتبه إليها، هذا التحول يحرر الإنسان من فكرة أن الحياة مسابقة مستمرة، ويجعله أكثر قدرة على التعاون والإبداع.

 

ومن الأفكار اللافتة أيضًا فكرة كونك مساهمًا، كثير من الناس ينظرون إلى أنفسهم من خلال مقدار ما يحصلون عليه من الآخرين، لكن الكتاب يشجعنا على طرح سؤال مختلف ماذا أستطيع أن أضيف، عندما يبدأ الإنسان في رؤية نفسه باعتباره شخصًا لديه شيء يقدمه للآخرين، تتغير علاقته بعمله وبالمجتمع وبالأشخاص المحيطين به.

 

وهنا تظهر قيمة المشاركة، فالإنسان لا يصبح أكثر قيمة لأنه احتفظ بكل شيء لنفسه، وإنما لأن وجوده يمكن أن يترك أثرا في حياة الآخرين، وقد يكون هذا الأثر كبيرا مثل قيادة مشروع أو مساعدة فريق، وقد يكون بسيطا جدًا مثل كلمة تشجيع أو منح شخص آخر فرصة للحديث والشعور بأنه مسموع.

يتحدث الكتاب أيضًا عن أهمية تحمل المسؤولية عن التجربة الشخصية، وهذا لا يعني أن الإنسان مسؤول عن كل ما يحدث له، فالحياة تحمل ظروفًا خارجة عن سيطرتنا، لكننا نملك قدرًا من السيطرة على الطريقة التي نفسر بها ما يحدث وكيف نستجيب له، فقد يواجه شخصان الموقف نفسه، لكن كل واحد منهما يخرج منه بقصة مختلفة تمامًا.

فقد يرى أحدهما الفشل دليلًا على أنه غير قادر، بينما يراه الآخر تجربة تعلمه شيئًا جديدًا، وقد يرى شخص فقدان فرصة نهاية الطريق، بينما يرى آخر أن الفرصة المفقودة فتحت أمامه طريقًا لم يكن ليكتشفه لو حصل عليها.

ومن هنا يدفعنا الكتاب إلى التوقف عن اعتبار كل شيء حكمًا نهائيًا على قدراتنا، الحدث شيء، والقصة التي نحكيها لأنفسنا عن الحدث شيء آخر، وهذه من أكثر الأفكار التي تجعل الكتاب قريبًا من الحياة اليومية؛ لأننا كثيرًا ما نعاني ليس فقط بسبب ما يحدث، وإنما بسبب المعنى الذي نعطيه لما يحدث.

ومن الأفكار المهمة كذلك التخلي عن الحاجة الدائمة إلى إثبات الذات، أحيانًا نقضي جزءًا كبيرًا من حياتنا في محاولة إقناع الآخرين بأننا ناجحون أو أذكياء أو مهمون، وقد نختار وظائف أو علاقات أو قرارات لا لأنها تناسبنا، وإنما لأنها تمنحنا اعترافًا من الآخرين.

يرى الكاتبان أن هذا السعي المستمر للحصول على التقدير يمكن أن يتحول إلى قيد، فبدلًا من أن يعيش الإنسان حياته، يصبح مشغولًا بإدارة الصورة التي يريد أن يراها الآخرون عنه. أما عندما يتوقف عن بناء قيمته بالكامل على رأي الناس، فإنه يصبح أكثر حرية في الاختيار والتجربة والتعلم.

ويولي الكتاب اهتمامًا كبيرًا أيضًا بالعلاقات الإنسانية. فالآخرون ليسوا مجرد منافسين أو عقبات أمام نجاحنا. ويمكن أن يصبحوا شركاء في صناعة الإمكانيات، عندما نتعامل مع الآخرين باعتبارهم أشخاصًا لديهم قدرات وتجارب وأفكار، وليس مجرد أدوات لتحقيق أهدافنا، تتغير طبيعة العلاقات.

وفي هذا السياق، يطرح بنجامين زاندر، بحكم خلفيته الموسيقية وقيادته للأوركسترا، رؤية جميلة لفكرة القيادة. فالقائد الحقيقي ليس بالضرورة الشخص الذي يفعل كل شيء بنفسه، وإنما الشخص الذي يساعد الآخرين على إخراج أفضل ما لديهم، القائد الناجح لا يسرق الضوء من فريقه، بل يجعل أفراد الفريق يشعرون بأن لديهم مساحة حقيقية للتأثير.

 

وهذه الفكرة يمكن تطبيقها في الأسرة والعمل وحتى في العلاقات اليومية، المدير الذي لا يثق في فريقه قد ينجز بعض الأمور بنفسه، لكنه يقتل المبادرة لدى الآخرين، أما المدير الذي يمنح فريقه الثقة والمساحة، فقد يكتشف إمكانيات لم يكن يعرف أنها موجودة أصلًا.

 

ومن أكثر الأفكار الإنسانية في الكتاب مفهوم الامتنان. الامتنان هنا ليس مجرد ترديد عبارات إيجابية، بل طريقة مختلفة للنظر إلى الحياة، فعندما يركز الإنسان طوال الوقت على ما ينقصه، تصبح الأشياء الموجودة أمامه غير مرئية، أما عندما يتعلم أن يلاحظ ما لديه بالفعل، فإنه يبدأ في اكتشاف قيمة تفاصيل كان يعتبرها عادية.

 

________________________________________

الكلمة الأخيرة:

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

______________________________________

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: فن الإمكانية – The Art of Possibility: Transforming Professional and Personal Life

المؤلف: روزاموند ستون زاندر (Rosamund Stone Zander) وبنجامين زاندر (Benjamin Zander)

دار النشر: Penguin Books

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: الطبعة الأولى

سنة النشر: 2000

عدد الصفحات: 224 صفحة تقريبًا، وقد يختلف العدد حسب الطبعة والترجمة.

ISBN: 978-0-14-200110-3

________________________________________

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *