قراءة فى كتاب فكر تصبح غنيا للكاتب نابليون هيل

 

 

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

______________

كتاب فكر تصبح غنيا لنابليون هيل ليس كتابا عن المال بالمعنى الضيق، رغم أن عنوانه يوحي بذلك ، إلا أن الفكرة الأساسية فيه أوسع بكثير ، فهو يتحدث عن الإنسان الذي يريد أن يغير حياته وعن الطريقة التي يمكن أن تتحول بها الرغبة إلى هدف، ثم إلى عمل ثم إلى نتيجة ، ويرى هيل أن الثروة تبدأ في العقل قبل أن تظهر في الواقع وأن الإنسان الذي لا يعرف ماذا يريد، ولا يؤمن بإمكانية الوصول إليه، غالبا ما يظل يتحرك في دوائر دون أن يصل إلى شيء واضح.

بدأ هيل أفكاره من خلال دراسة حياة عدد كبير من الأشخاص الناجحين في عصره وحاول أن يبحث عن الصفات المشتركة بينهم ،وكان السؤال الذي يطارده هو: لماذا ينجح بعض الناس رغم أن ظروفهم صعبة بينما يفشل آخرون رغم امتلاكهم فرصا أفضل؟ ومن خلال هذه الرحلة توصل إلى مجموعة من المبادئ التي اعتبرها أساسا للنجاح ، وقد لا تكون كل أفكاره مقنعة بالمعايير الحديثة لكن القيمة الحقيقية للكتاب تكمن في الطريقة التي يدفع بها القارئ إلى التفكير في علاقته بأهدافه وبنفسه.

يرى هيل أن كل إنجاز كبير يبدأ برغبة واضحة ليست مجرد أمنية عابرة من نوع أتمنى أن أصبح غنيا أو أتمنى أن تتغير حياتي، وإنما رغبة قوية تجعل الإنسان مستعدا لبذل الوقت والجهد من أجلها ، فالفرق بين الأمنية والهدف في نظره أن الهدف يجعل صاحبه يتحرك ، لأن الإنسان قد يحلم طوال حياته بحياة أفضل لكن الحلم وحده لا يغير شيئًا، عندما تتحول الرغبة إلى قرار حقيقي يبدأ الإنسان في البحث عن الطريق.

ويشدد الكتاب على ضرورة أن يعرف الإنسان ما يريد تحديدا ، فالكثيرون يريدون النجاح، لكنهم لا يستطيعون الإجابة عن سؤال بسيط : ما معنى النجاح بالنسبة إليهم؟ كم يريدون؟ وماذا هم مستعدون لتقديمه في المقابل؟ لذلك يدعو هيل إلى وضع هدف محدد وتحديد مقدار ما يريد الإنسان الوصول إليه والمدة التي يتمنى تحقيقه خلالها ثم وضع خطة والعمل عليها ، قد تبدو هذه الطريقة مباشرة لكنها تساعد الإنسان على الانتقال من الأحلام العامة إلى شيء يمكن التعامل معه على أرض الواقع.

ومن الأفكار الرئيسية في الكتاب أيضا فكرة الإيمان بالنفس ، هيل يرى أن الإنسان إذا ظل مقتنعا بأنه غير قادر فسوف يتصرف على هذا الأساس حتى لو كانت الفرص أمامه ، أما عندما يؤمن بقدرته على التعلم والمحاولة فإنه يصبح أكثر استعدادا للمجازفة والعمل ، ويعطي هيل أهمية كبيرة للتكرار والتصور الذهني باعتبارهما وسيلة لترسيخ الهدف في العقل وجعل الإنسان أكثر ارتباطا بما يريد تحقيقه.

لكن الكتاب لا يقول إن التفكير وحده سيجعل المال يأتي إلى الإنسان، رغم أن بعض أجزاء الكتاب قد توحي بذلك فإن جوهر الفكرة يرتبط بالعمل والإصرار والرغبة دون عمل لا تكفي والإيمان بالنفس دون مهارة لا يكفي والخطة دون تنفيذ لا قيمة لها ، الإنسان قد يمتلك أفضل الأفكار في العالم، لكنه إذا ظل ينتظر اللحظة المثالية فلن يرى نتيجة حقيقية.

ويتحدث هيل كثيرا عن المثابرة وربما تكون هذه واحدة من أهم رسائل الكتاب ، الفشل في تجربة لا يعني بالضرورة أن الهدف خاطئ ، أحيانا تكون المشكلة في الطريقة المستخدمة للوصول إليه لذلك يشجع هيل الإنسان على ألا يعتبر العقبات حكما نهائيا عليه. الشخص الذي ينسحب عند أول فشل لن يعرف أبدا ماذا كان سيحدث لو استمر قليلا.

ومن هنا تظهر فكرة مهمة جدا أن كثير من الناس يستسلمون قبل أن تأتي النتيجة بقليل ، قد يعمل الإنسان لفترة طويلة دون أن يرى ما يتوقعه فيعتقد أن جهده ضاع ، لكن هيل يرى أن النجاح قد يحتاج إلى وقت أطول مما نتخيل لذلك فإن الصبر والاستمرار ليسا مجرد صفات جميلة وإنما جزء من الطريق نفسه.

ويتحدث الكتاب كذلك عن الخوف باعتباره أحد أكبر العوائق أمام الإنسان ، الخوف من الفقر والخوف من انتقاد الآخرين والخوف من الفشل والخوف من فقدان المكانة أو الأمان ، هذه المخاوف قد تجعل الإنسان يختار حياة لا يريدها فقط لأنها تبدو أكثر أمانا. وقد يعيش سنوات في مكان أو عمل أو وضع اجتماعي لا يشعر فيه بالسعادة لأنه يخاف من المجهول.

وهنا يقدم الكتاب فكرة تستحق التفكير وهى أن أحيانا لا يكون الفشل هو أكثر ما يخيف الإنسان وإنما احتمال أن يفشل أمام الآخرين ، قد يمتلك شخص فكرة جيدة لكنه لا يبدأ لأنه يخشى أن يسخر منه الناس وقد يرغب في تغيير حياته لكنه يتراجع لأنه يخاف من كلام المحيطين به ، هيل يرى أن الشخص الذي يريد أن يحقق شيئا مختلفا يجب أن يتعلم ألا يجعل آراء الآخرين تتحكم في قراراته.

ومن المبادئ التي يركز عليها أيضا أهمية المعرفة المتخصصة. فالنجاح، في نظره لا يعتمد على كمية المعلومات التي يعرفها الإنسان وإنما على قدرته على استخدام المعرفة في مجال محدد لذلك يشجع على التعلم المستمر، والبحث عن الأشخاص الذين يمتلكون خبرة والاستفادة من تجارب الآخرين بدلا من محاولة اكتشاف كل شيء من الصفر ،

كما يعطي أهمية كبيرة لفكرة التعاون وتكوين مجموعة من الأشخاص الذين يساعدون بعضهم بعضا، والتي يسميها “العقل الجماعي”. الفكرة ببساطة أن الإنسان مهما كان ذكيا لا يستطيع أن يعرف كل شيء أو يفعل كل شيء وحده، وجود أشخاص يملكون خبرات مختلفة يمكن أن يفتح أمامه أبوابا لم يكن يستطيع الوصول إليها بمفرده ، النجاح ليس دائما رحلة فردية، وأحيانا يكون الشخص المناسب في الوقت المناسب سببا في تغيير مسار حياة كاملة ،

ويتحدث هيل كذلك عن قوة القرار في رأيه الأشخاص الناجحون يميلون إلى اتخاذ قراراتهم بوضوح ثم التمسك بها بينما يتردد الأشخاص غير الحاسمين طويلا ويتأثرون بسهولة بآراء الآخرين ،وهذا لا يعني أن الإنسان يجب أن يتخذ قرارات متهورة، وإنما يعني أنه بعد جمع المعلومات والتفكير ، ويجب أن يمتلك القدرة على الاختيار وتحمل نتيجة اختياره.

وفي النهاية لا يبدو “فكر تصبح غنيا”كتابا عن كيفية الحصول على المال بقدر ما هو كتاب عن تكوين عقلية الشخص الذي يريد أن يصنع شيئًا من حياته، قد يختلف القارئ مع بعض أفكار نابليون هيل خصوصا عندما يعطي التفكير والإرادة دورا كبيرا جدا في النجاح لأن الواقع أكثر تعقيدا من ذلك والظروف والفرص والبيئة لها تأثيرها أيضا ولكن الرسالة الإنسانية التي تبقى من الكتاب هي أن الإنسان لا ينبغي أن يتخلى عن قدرته على المحاولة لمجرد أن الطريق صعب ،

فالإنسان لا يبدأ حياته وهو يعرف إلى أين سيصل ولا توجد ضمانات بأن كل حلم سيتحقق ، ولكن وجود هدف واضح يمنحه اتجاها والإيمان بقدرته على التعلم يمنحه شجاعة والعمل يمنحه فرصة حقيقية والفشل يعلمه ما لم يكن يعرفه والاستمرار يمنحه احتمال الوصول ،

وفي النهاية، ربما لا يكون الثراء الحقيقي هو امتلاك المال فقط، وإنما أن يشعر الإنسان بأنه قادر على توجيه حياته بدلا من أن تظل حياته مجرد استجابة لما يحدث حوله ، أن يعرف ما يريد وأن يعمل من أجله، وأن يتعلم عندما يخطئ وألا يسمح لخوفه أو لكلام الآخرين بأن يقرر مستقبله نيابة عنه ، وهذه هي الفكرة التي يتركها الكتاب في ذهن القارئ أن الأفكار وحدها لا تغير الحياة لكن الفكرة التي تتحول إلى هدف والهدف الذي يتحول إلى عمل والعمل الذي يستمر رغم الفشل يمكن أن يغير حياة الإنسان بالفعل.

______________

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: فكر تصبح غنيًا – Think and Grow Rich

المؤلف: نابليون هيل (Napoleon Hill)

دار النشر: The Ralston Society

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

سنة النشر: 1937

الطبعة: الطبعة الأمريكية الأولى

عدد الصفحات: يختلف باختلاف الطبعة وإعادة النشر

ISBN: يختلف باختلاف الطبعة والناشر

______________

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *