صنع في المانيا

بقلم عمرو فكري

Made in Germany

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب

ماذا لو كانت ألمانيا التي ينظر إليها العالم باعتبارها ماكينة اقتصادية لا تتوقف قد نجحت لأسباب مختلفة تمامًا عن تلك التي نسمعها كل يوم هذا هو السؤال الذي يفتح به غيوم دوڤال بابًا واسعًا لفهم التجربة الألمانية بعيدًا عن الصورة الجاهزة التي تختصرها في التقشف والانضباط وخفض الأجور والقدرة الخارقة على التصدير

الفكرة الأساسية التي تتحرك داخل الكتاب تقول إن النجاح الألماني لم يولد فجأة مع إصلاحات غيرهارد شرودر في بداية الألفية الجديدة ولم يكن نتيجة وصفة اقتصادية سحرية يمكن لأي دولة أن تنسخها وتنتظر النتيجة نفسها الاقتصاد الألماني كان يمتلك قبل تلك الإصلاحات مجموعة من المزايا المتراكمة عبر التاريخ أهمها علاقة أكثر تنظيمًا بين أصحاب الأعمال والعمال ونظام مهني قوي وشبكة واسعة من الشركات المتوسطة التي صنعت قاعدة صناعية متماسكة وقدرة على الابتكار والتخصص

النموذج الألماني يصبح أكثر وضوحًا عندما ننظر إلى طبيعة الشركات نفسها فالشركة هناك ليست دائمًا مشروعًا قصير الأجل هدفه الأساسي إرضاء المساهمين خلال فترة قصيرة بل توجد تقاليد تمنح الإدارة والعاملين والمؤسسات المحلية مساحة أكبر للتعاون والتخطيط الطويل وهذا يساعد الشركات على الاستثمار في التدريب والتكنولوجيا والحفاظ على المعرفة داخل المؤسسة

التعليم المهني يحتل مكانًا مهمًا في هذه الصورة لأن سوق العمل الألماني لم يعتمد فقط على الشهادات الجامعية فهناك مسارات عملية تسمح للشباب باكتساب مهارات يحتاجها الاقتصاد فعلًا وهنا تظهر فكرة شديدة الأهمية وهي أن قوة التعليم لا تقاس بعدد الشهادات التي يحصل عليها الناس وإنما بمدى قدرتها على تحويل المعرفة إلى مهارة قابلة للاستخدام

التنظيم اللامركزي يمثل عنصرًا آخر في القصة فالاقتصاد الألماني لم يتركز بالكامل في مدينة واحدة أو منطقة واحدة بل توزعت مراكز الصناعة والجامعات والتمويل والخبرات على مناطق متعددة وهو ما خلق بيئات محلية قادرة على إنتاج المعرفة وتشجيع الاستثمار وريادة الأعمال هذه اللامركزية جعلت الاقتصاد أكثر تنوعًا وأقل اعتمادًا على مركز واحد

الطفرة الحقيقية ظهرت عندما تغير العالم من حول ألمانيا فصعود الاقتصادات الناشئة خصوصًا الصين ودول أخرى خلق طلبًا ضخمًا على الآلات والمعدات والسيارات والمنتجات الصناعية المتخصصة وهنا استفادت ألمانيا من قوتها القديمة في الصناعة والتصدير ولذلك فإن ارتفاع الصادرات لم يكن مجرد نتيجة لسياسات خفض التكلفة بل كان أيضًا نتيجة وجود قاعدة صناعية تعرف كيف تنتج سلعًا يحتاجها العالم

لكن الصورة لا تبقى وردية فالكتاب يضع إصبعه على مفارقة مهمة وهي أن الإصلاحات التي ارتبطت بشرودر وساهمت في تحسين تنافسية الشركات الألمانية حملت معها تكلفة اجتماعية كبيرة فقد ساهمت إعادة تشكيل سوق العمل ونظام الحماية الاجتماعية في زيادة هشاشة قطاعات من العمال وارتفاع أشكال الفقر وعدم المساواة وهنا يظهر التناقض الذي يجعل التجربة الألمانية أكثر تعقيدًا من مجرد قصة نجاح اقتصادي

المشكلة تبدأ عندما نحاول استيراد النتيجة ونترك الظروف التي صنعتها فليس من السهل أن تأخذ دولة أخرى الشركات المتوسطة الألمانية أو نظام التدريب المهني أو ثقافة التعاون بين العمال وأصحاب الأعمال وتضعها داخل مجتمع مختلف ثم تنتظر اقتصادًا ألمانيًا جديدًا لأن المؤسسات الاقتصادية ليست قطع غيار منفصلة عن التاريخ والثقافة والسياسة والجغرافيا

قيمة الكتاب الحقيقية تظهر في هذه النقطة فهو لا يقدم ألمانيا كدولة مثالية ولا يحولها إلى نموذج يجب تقليده حرفيًا بل يدفع القارئ إلى سؤال أذكى ما الذي يمكن تعلمه من تجربة بلد آخر وما الذي لا يمكن نقله إلا بعد فهم الظروف التي أنتجته النجاح الاقتصادي هنا ليس قرارًا واحدًا يصدره وزير ولا قانونًا يمرره البرلمان وإنما تراكم طويل من التعليم والمؤسسات والعلاقات الصناعية واللامركزية والاستثمار والثقة

النظرة إلى ألمانيا بعد قراءة هذا الكتاب تتغير لأن كلمة النموذج نفسها تصبح موضع اختبار فالدولة التي تبدو قوية من الخارج يمكن أن تحمل داخلها تناقضات اجتماعية حقيقية والدولة التي تنجح في التصدير يمكن أن تواجه مشكلات في توزيع ثمار النجاح والاقتصاد الذي يبدو منظمًا يمكن أن يحتاج إلى تجديد مستمر حتى لا يتحول نجاح الماضي إلى قيد على المستقبل

أهم درس يتركه الكتاب أن تطوير الاقتصاد لا يبدأ من تقليد الآخرين بل من فهم الذات ثم اختيار ما يناسبها فالمطلوب ليس أن نصبح ألمانيا جديدة وإنما أن نفهم لماذا نجحت ألمانيا في أشياء معينة ولماذا دفعت ثمنًا في أشياء أخرى ثم نسأل السؤال الأصعب ماذا نملك نحن من نقاط قوة يمكن البناء عليها لو تعاملنا معها بذكاء

هنا يتحول Made in Germany من كتاب عن الاقتصاد الألماني إلى درس أوسع في طريقة التفكير لأن الدول لا تصنع مستقبلها بمجرد استيراد وصفات جاهزة وإنما عندما تعرف تاريخها ومؤسساتها وقدراتها ونقاط ضعفها ثم تبني نموذجها الخاص والاقتصاد القوي ليس الذي ينتج أكثر فقط بل الذي يستطيع أن يجعل الإنتاج والمعرفة والمهارة والعدالة الاجتماعية تعمل معًا دون أن يضحي بجانب كامل من أجل نجاح جانب آخر

بطاقة الكتاب

العنوان Made in Germany النموذج الألماني أبعد من الأساطير

المؤلف Guillaume Duval

الناشر Éditions du Seuil

بلد النشر فرنسا

الطبعة الأولى

سنة النشر 2013

عدد الصفحات 230 صفحة

رقم الإيداع غير متاح

ISBN 9782021097795

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *