اوروبا الميته وسياسات الديون

بقلم عمرو فكري

أوروبا اليتيمة وسياسات الاقتصاد

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب

أوروبا اليتيمة وسياسات الاقتصاد يبدأ من سؤال يبدو بسيطًا لكنه يخفي خلفه أزمة ضخمة هل كانت العملة الأوروبية الموحدة فكرة خاطئة من الأساس أم أن المشكلة الحقيقية كانت في الطريقة التي تعاملت بها الدول الأوروبية مع الأزمات والديون

اليورو لم يكن مجرد عملة جديدة ظهرت لتسهيل التجارة بين الدول الأوروبية بل كان جزءًا من مشروع سياسي أكبر أراد أن يجعل القارة أكثر ترابطًا وأن يقلل احتمالات الصراع بينها ولذلك أصبحت العملة الموحدة رمزًا لفكرة الوحدة الأوروبية نفسها

لكن جمع دول مختلفة اقتصاديًا تحت عملة واحدة خلق مشكلة لم تظهر بوضوح في البداية فهناك دول لديها اقتصاد قوي وفوائض تجارية ضخمة وهناك دول أخرى تعاني من ضعف الإنتاج وارتفاع الديون ولذلك لم يكن من السهل أن تعمل كل هذه الاقتصادات بنفس السياسة النقدية وكأنها اقتصاد واحد

سنوات الرخاء أخفت كثيرًا من هذه الاختلافات فقد أصبح الحصول على القروض أسهل وتوسعت حركة الإنفاق والاستثمار وبدأت بعض الدول تعتمد بصورة متزايدة على الاقتراض بينما بدت الأسواق وكأنها تثق في قدرة الجميع على السداد بنفس الدرجة

ثم جاءت الأزمة المالية العالمية لتكشف نقاط الضعف التي كانت مختبئة تحت السطح وعندما اهتز النظام المالي بدأت أزمة الديون الأوروبية تظهر بقوة وتحولت دول مثل اليونان إلى عنوان رئيسي لأزمة أكبر بكثير من حدودها

المشكلة لم تكن فقط أن بعض الدول اقترضت أكثر مما تستطيع تحمله بل كانت المشكلة أيضًا في الطريقة التي اختارت بها أوروبا التعامل مع الديون فقد جرى التعامل مع سداد الدين باعتباره أولوية مطلقة حتى عندما كان الاقتصاد نفسه ينهار والبطالة ترتفع والنمو يتراجع

التقشف أصبح أحد أهم أدوات مواجهة الأزمة فتم تقليل الإنفاق الحكومي ورفع بعض الضرائب وخفض الأجور والمعاشات في دول عديدة لكن هذه السياسات جاءت في وقت كان فيه الاقتصاد يحتاج إلى مزيد من النشاط والاستثمار والطلب

عندما يقل إنفاق الدولة ويقل إنفاق المواطنين والشركات في الوقت نفسه يصبح من الصعب أن ينمو الاقتصاد ولذلك ظهرت مفارقة مؤلمة فالإجراءات التي كان الهدف منها السيطرة على الدين ساهمت أحيانًا في إضعاف الاقتصاد وجعلت القدرة على سداد الدين أكثر صعوبة

اليونان كانت المثال الأكثر وضوحًا على هذه الدائرة فقد أصبحت الدولة مطالبة بخفض الإنفاق وسداد الديون بينما كان اقتصادها ينكمش ومعدلات البطالة ترتفع وهو ما جعل الأزمة الاقتصادية تتحول تدريجيًا إلى أزمة اجتماعية وسياسية أيضًا

المواطن العادي لم يكن ينظر إلى الأزمة باعتبارها مجموعة أرقام في تقارير مالية بل كان يراها في راتبه وفرصة عمله ومستوى معيشته وقدرته على توفير حياة أفضل لأسرته ولذلك لم يكن غريبًا أن يتحول الغضب الاقتصادي إلى غضب سياسي

ظهرت الأحزاب والحركات التي ترفض السياسات التقليدية وتشكك في المؤسسات الأوروبية وتطالب بتغيير قواعد اللعبة لأن المواطن عندما يشعر أن القرارات الاقتصادية تأتي من أماكن بعيدة عنه ولا يستطيع التأثير فيها يبدأ في البحث عن بدائل أكثر حدة

هنا تظهر إحدى أهم أفكار الكتاب وهي أن الاقتصاد والسياسة لا يمكن فصلهما بسهولة فقرار متعلق بالدين أو الضرائب أو الإنفاق العام قد يبدو اقتصاديًا على الورق لكنه في الواقع يؤثر على الانتخابات والحكومات وثقة الناس في مؤسسات الدولة

الخروج من اليورو لم يكن بالنسبة للمؤلف حلًا سحريًا فحتى لو عادت دولة ما إلى عملتها القديمة ستظل أمامها مشكلات الديون وضعف الإنتاج والبطالة واختلال الاقتصاد ولذلك فإن تغيير العملة وحده لا يعالج جذور الأزمة

الحل الأكثر واقعية يحتاج إلى إعادة التفكير في قواعد النظام الاقتصادي الأوروبي نفسه فالدول تحتاج إلى مساحة أكبر للتعامل مع الأزمات وتحتاج الديون غير القابلة للسداد إلى إعادة تنظيم بدلًا من الاستمرار في تأجيل المشكلة وتحميل المواطنين تكلفتها لسنوات طويلة

إعادة هيكلة الدين ليست بالضرورة اعترافًا بالفشل فقد تكون أحيانًا الطريقة الأكثر عقلانية لإنقاذ الاقتصاد فإذا أصبح الدين أكبر من قدرة الدولة على تحمله فإن الإصرار على سداده بالكامل قد يؤدي إلى سنوات طويلة من الركود بينما يمكن تخفيف العبء وإعادة ترتيب الالتزامات أن يمنح الاقتصاد فرصة للعودة إلى النمو

ألمانيا تحتل مكانة مهمة في هذه القصة لأنها صاحبة الاقتصاد الأقوى تقريبًا داخل منطقة العملة الموحدة وقد أصبحت رؤيتها للانضباط المالي والتقشف مؤثرة في طريقة إدارة الأزمة لكن السؤال ظل قائمًا حول مقدار المسؤولية التي يجب أن تتحملها الدول الأقوى تجاه الدول التي تعرضت لأزمات أكبر

المشكلة إذن لم تكن في وجود عملة واحدة فقط وإنما في وجود عملة واحدة لدول تختلف في ظروفها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية فالاتحاد النقدي يحتاج إلى قواعد قادرة على توزيع المخاطر بصورة عادلة وإلا تحولت كل أزمة إلى صراع بين الدائن والمدين وبين الدول الغنية والدول الأكثر ضعفًا

الفكرة الأوسع التي يتركها الكتاب هي أن النظام الاقتصادي الناجح لا يقاس فقط باستقرار الأسواق والأرقام وإنما بقدرته على حماية المجتمع من آثار الأزمات وعندما يصبح الحفاظ على النظام أهم من حياة الناس يبدأ النظام نفسه في فقدان شرعيته

أوروبا كانت تبحث عن وحدة تمنع الانقسام لكنها اكتشفت أن الوحدة السياسية والاقتصادية تحتاج إلى أكثر من عملة مشتركة تحتاج إلى ثقة وقواعد عادلة وقدرة على تحمل الخسائر معًا

وربما تكون أهم رسالة هنا أن الأزمات لا تكشف فقط أخطاء الماضي لكنها تكشف أيضًا طريقة تفكيرنا تجاه المستقبل لأن الاقتصاد الذي يرفض الاعتراف بالخسائر قد يؤجل المشكلة لكنه لا يلغيها والديون التي يتم إخفاؤها تحت طبقات من القرارات السياسية يمكن أن تعود في لحظة واحدة لتصبح أزمة أكبر

لهذا تظل قصة أوروبا مع اليورو قصة تتجاوز المال والبنوك والديون إنها قصة عن حدود الوحدة وعن العلاقة بين الاقتصاد والسياسة وعن السؤال الأصعب كيف يمكن لدول مختلفة أن تعيش تحت قواعد اقتصادية واحدة دون أن يتحول اختلافها إلى صراع دائم

بطاقة الكتاب

العنوان أوروبا اليتيمة وسياسات الاقتصاد

المؤلف مارتن ساندبو

الناشر مطبعة جامعة برينستون

بلد النشر الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة الجديدة

سنة النشر 2015

عدد الصفحات 336 صفحة

الرقم الدولي للكتاب 9780691175942

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *