بقلم عمرو فكري
ثمن الغد
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب
تخيل إن التكنولوجيا كل يوم بتخلي حياتنا أسهل وأسرع وأرخص وإنسان واحد النهارده يقدر يعمل شغل كان محتاج عشرات الأشخاص من عشرين سنة وهنا يظهر السؤال الغريب لو التكنولوجيا بتخلق الوفرة والكفاءة بالشكل ده فلماذا ما زلنا نعيش داخل نظام اقتصادي يحتاج باستمرار إلى مزيد من النمو والديون والتضخم كي يستمر السؤال ده هو الباب الذي يدخل منه جيف بوث إلى كتاب ثمن الغد وهو كتاب صدر أصلا سنة 2020 ويحاول إعادة النظر في العلاقة بين التكنولوجيا والاقتصاد والمال والمستقبل
الفكرة المركزية تبدو بسيطة لكنها تقلب طريقة التفكير المعتادة التكنولوجيا تدفع تكلفة الإنتاج إلى الانخفاض وتخلق وفرة أكبر بينما النظام الاقتصادي التقليدي بُني على افتراضات مختلفة تماما افتراضات تعتمد على النمو المستمر والتضخم وزيادة الائتمان وهنا يبدأ التعارض لأن العالم التكنولوجي يتحرك في اتجاه بينما النظام المالي يحاول دفع العالم في الاتجاه المعاكس
تخيل مثلا جهازا كان إنتاجه يحتاج إلى مصنع ضخم وعمال كثيرين ثم جاءت التكنولوجيا فقللت عدد العمال وزادت سرعة الإنتاج ورفعت الجودة وخفضت التكلفة من وجهة نظر المستهلك هذه أخبار ممتازة لأن المنتج يصبح أرخص وأفضل لكن من وجهة نظر نظام اقتصادي قائم على استمرار ارتفاع الأسعار والنمو المستمر يصبح انخفاض الأسعار مشكلة تحتاج إلى تفسير
الكتاب يستخدم مفهوم الانكماش بطريقة مختلفة عن الصورة التقليدية التي تجعل الانكماش شيئا مخيفا دائما فالانخفاض الناتج عن زيادة الكفاءة والإنتاجية يمكن أن يكون علامة على الوفرة وليس على الفقر عندما تستطيع التكنولوجيا إنتاج المزيد بموارد أقل يصبح انخفاض الأسعار نتيجة طبيعية لهذا التقدم والمشكلة لا تكون في التكنولوجيا نفسها وإنما في نظام اقتصادي لم يعد مناسبا للعالم الجديد
الدين يدخل بقوة في هذه المعادلة لأن الاقتصاد الحديث يعتمد بدرجة كبيرة على الائتمان لخلق النمو فإذا لم يعد النمو الحقيقي كافيا يتم اللجوء إلى مزيد من الاقتراض وهنا تتراكم الالتزامات ويصبح المستقبل مطالبا بدفع فاتورة الماضي وكلما احتاج الاقتصاد إلى ديون جديدة حتى يحافظ على الحركة أصبحت المشكلة أكبر لأن النمو الظاهري قد يخفي خلفه عبئا متزايدا
المثير في الفكرة أن التكنولوجيا تستطيع في الوقت نفسه أن تكون جزءا من المشكلة وجزءا من الحل فالذكاء الاصطناعي والأتمتة والبرمجيات والروبوتات تستطيع رفع الإنتاجية وتقليل التكلفة وإنتاج سلع وخدمات بكفاءة غير مسبوقة لكنها تستطيع أيضا تغيير سوق العمل وإعادة تعريف الوظائف والمهارات المطلوبة وهذا يعني أن السؤال لم يعد هل التكنولوجيا جيدة أم سيئة وإنما كيف نصمم نظاما اقتصاديا يستطيع استيعاب نتائجها
العمل نفسه يتغير عندما تستطيع الآلة تنفيذ جزء كبير من المهام التي كان الإنسان يقوم بها يصبح من الضروري التفكير في قيمة الإنسان داخل الاقتصاد بشكل مختلف بعض الوظائف تختفي وبعضها يتغير وبعضها جديد تماما يظهر حول التكنولوجيا والبيانات والبرمجيات والذكاء الاصطناعي وهنا لا يكون الحل في محاولة إيقاف التطور لأن التطور لن ينتظرنا وإنما في إعادة بناء التعليم والتدريب والأسواق بحيث يستطيع الإنسان الانتقال إلى الأدوار التي تحتاج إلى مهارات بشرية وإبداعية وعقلية أكبر
الفكرة تمتد أيضا إلى المال فلو أصبحت الأشياء أرخص بفضل التكنولوجيا فإن الاحتفاظ بنظام يعتمد على التضخم المستمر قد لا يكون الحل الوحيد الممكن بل ربما نحتاج إلى إعادة التفكير في الطريقة التي نقيس بها النجاح الاقتصادي نفسه هل الهدف أن تزيد الأسعار والإنتاج الاسمي كل سنة أم أن الهدف الحقيقي هو أن يحصل الإنسان على حياة أفضل بموارد أقل
وهنا تظهر واحدة من أكثر الأفكار إثارة في الكتاب وهي أن الوفرة قد تكون أقرب مما نتصور لكن المشكلة أن الأنظمة القديمة قد تمنعنا من الاستفادة منها التكنولوجيا تستطيع أن تنتج وفرة هائلة لكن توزيع هذه الوفرة وطريقة تمويل الاقتصاد وكيفية انتقال الدخل بين الناس كلها أسئلة سياسية واقتصادية واجتماعية وليست تقنية فقط
ثمن الغد لا يقدم المستقبل باعتباره مدينة فاضلة ولا باعتباره كارثة مؤكدة بل يضع القارئ أمام مفترق طرق استمرار الاعتماد على نماذج اقتصادية قديمة قد يزيد الديون والانقسامات بينما قبول التغيير التكنولوجي وإعادة بناء القواعد الاقتصادية يمكن أن يفتح الباب أمام مستقبل أكثر وفرة الفكرة نفسها هي التي تجعل الكتاب مقلقا ومتفائلا في الوقت نفسه لأنه لا يقول إن المستقبل مضمون بل يقول إن الاختيارات التي نتخذها الآن ستحدد شكل هذا المستقبل
الكتاب في جوهره محاولة لتغيير السؤال التقليدي بدل أن نسأل كيف نحافظ على اقتصاد الأمس في عالم الغد علينا أن نسأل كيف نبني اقتصادا يناسب عالم التكنولوجيا والوفرة وإذا كان التطور التكنولوجي قادرا على خفض تكلفة الأشياء وإنتاج المزيد بموارد أقل فقد يكون التحدي الحقيقي ليس صناعة الوفرة وإنما بناء نظام يستطيع توزيعها والاستفادة منها دون أن يحولها إلى أزمة
وهنا تصبح كلمة ثمن في عنوان الكتاب أعمق من مجرد سعر ندفعه مقابل شيء لأن ثمن الغد قد يكون الديون التي نتركها للأجيال القادمة وقد يكون الوظائف التي ستتغير وقد يكون الأنظمة الاقتصادية التي نتمسك بها رغم تغير العالم وقد يكون أيضا ثمن الفرصة الضائعة لو رفضنا التغيير
أقوى ما يتركه الكتاب في ذهن القارئ هو أن المستقبل لا يأتي فجأة من باب المنزل المستقبل يتكون كل يوم من التكنولوجيا التي نطورها والقواعد التي نضعها والقرارات الاقتصادية التي نتخذها وإذا كانت التكنولوجيا قادرة على صناعة عالم أكثر وفرة فإن السؤال الحاسم لن يكون هل نستطيع الوصول إلى هذا العالم بل هل نستطيع بناء نظام اقتصادي يعرف كيف يعيش داخله
بطاقة الكتاب
العنوان ثمن الغد The Price of Tomorrow Why Deflation is the Key to an Abundant Future
المؤلف جيف بووث Jeff Booth
الناشر Stanley Press
بلد النشر كندا
الطبعة الأولى
سنة النشر 2020
عدد الصفحات 234 صفحه
ISBN 9781999257408 للطبعة الورقية و9781999257422 للطبعة ذات الغلاف الصلب







