ليه بنعمل حاجات ضد مصلحتنا

بقلم عمرو فكري

السلوك غير العقلاني

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب

تخيل إنك داخل محل وواقف قدام منتجين واحد سعره مئة جنيه والتاني مئتين جنيه وبعد شوية تلاقي عرضا بيقول إن المنتج الثاني كان بأربعمئة جنيه وبقى بمئتين وفجأة السعر الذي كان يبدو غاليا أصبح معقولا رغم إنك من البداية لم تكن تعرف القيمة الحقيقية للمنتج هنا تبدأ واحدة من أغرب الحكايات في الاقتصاد وهي إن الإنسان لا يتخذ قراراته دائما بناء على الحسابات والمنطق كما تفترض النظريات الاقتصادية التقليدية بل يتأثر بالسياق والمقارنة والتوقعات والمشاعر بطريقة يمكن أحيانا التنبؤ بها

كتاب السلوك غير العقلاني المعروف عالميا بعنوان Predictably Irrational للباحث دان أريلي يدخل مباشرة إلى هذه المنطقة ويضع افتراضا بسيطا لكنه مزعج للغرور البشري وهو إننا لا نتصرف بعقلانية كاملة لكن الأكثر إثارة إن أخطاءنا ليست عشوائية تماما فنحن نكرر أنماطا معينة من القرارات غير المنطقية مرة بعد مرة وهذا يعني أن اللاعقلانية نفسها يمكن دراستها وفهمها والتنبؤ بجزء كبير منها

أولى الأفكار التي يضعها الكتاب أمامك هي النسبية لأن الإنسان نادرا ما يحكم على الأشياء بمعزل عن غيرها نحن نقارن السعر بالسعر والقيمة بالقيمة والراتب براتب شخص آخر والنجاح بنجاح من حولنا ولذلك قد يتغير شعورنا تجاه الشيء نفسه بمجرد تغيير المقارنة التي نراه من خلالها المنتج الذي يبدو غاليا وحده قد يبدو رخيصا بجوار منتج أغلى منه وهنا لا يتغير المنتج لكن طريقة نظرنا إليه هي التي تغيرت

فكرة المقارنة لا تتوقف عند الشراء لأنها تدخل في حياتنا كلها ممكن شخص يكون سعيدا بدخله ثم يعرف أن زميله يحصل على ضعف راتبه فيبدأ يشعر أنه أقل نجاحا رغم أن دخله لم يتغير وممكن شخص يعيش في شقة صغيرة ويكون راضيا عنها حتى يزور شقة أكبر فيبدأ فجأة يرى ما لديه باعتباره قليلا المشكلة ليست دائما في الشيء نفسه بل في المعيار الذي نستخدمه للحكم عليه

قوة كلمة مجاني واحدة من أكثر الأفكار التي تكشف طريقة عمل عقولنا لأن كلمة مجاني لا تعني بالنسبة لنا صفرا فقط بل تحمل شحنة عاطفية تجعلنا نبالغ في تقدير قيمة الشيء عندما لا ندفع مقابله شيئا قد نختار شيئا مجانيا رغم أن البديل الأفضل يكلف مبلغا بسيطا جدا وهذا يكشف أن القرار الاقتصادي لا يعتمد دائما على الفرق الحقيقي بين الخيارات بل على الطريقة النفسية التي نستقبل بها السعر

الكتاب يقترب أيضا من العلاقة بين المال والقواعد الاجتماعية لأن الإنسان لا يتصرف بالطريقة نفسها عندما تكون العلاقة قائمة على المال وعندما تكون قائمة على المجاملة أو التعاون ممكن شخص يساعد صديقه مجانا لساعات لأنه يشعر أن المساعدة واجب اجتماعي لكنه قد يرفض نفس المهمة لو عُرض عليه مبلغ صغير لأنه فجأة يبدأ في تقييم الوقت والجهد بطريقة مختلفة وهنا يظهر تأثير القواعد الاجتماعية على سلوكنا الاقتصادي

الانفعالات تمثل مشكلة أخرى لأن الإنسان عندما يكون هادئا قد يضع لنفسه قواعد واضحة ثم يكتشف أنه يتصرف بطريقة مختلفة تماما عندما يدخل في حالة غضب أو جوع أو رغبة أو إثارة القرار الذي يبدو سهلا في لحظة الهدوء يمكن أن يصبح مختلفا تماما عندما تتغير حالتك النفسية ولذلك فإن معرفة الإنسان لنفسه لا تعني فقط معرفة ما يريده بل معرفة كيف يمكن لمشاعره اللحظية أن تغير ما يعتقد أنه يريده

التسويف واحد من الأمثلة اليومية الواضحة فنحن نعرف أن الدراسة أو العمل أو ممارسة الرياضة أو إنجاز مهمة معينة مفيد لنا لكننا نؤجلها رغم معرفتنا بالنتيجة وهنا يظهر الفرق بين الإنسان الذي نتصوره عقلانيا والإنسان الحقيقي الذي يعيش اللحظة ويبحث عن الراحة الفورية حتى لو كان يعرف أن القرار سيكلفه لاحقا

الملكية أيضا تغير طريقة تقييمنا للأشياء فعندما يصبح الشيء ملكا لنا نبدأ في تقديره أكثر مما كنا نقدره قبل امتلاكه وقد يجعلنا ذلك نطلب ثمنا أعلى للتخلي عنه مما كنا مستعدين لدفعه للحصول عليه وهذا يفسر لماذا يصبح بيع بعض الأشياء أصعب مما توقعنا ولماذا نتمسك بأشياء لا نستخدمها لمجرد أنها أصبحت جزءا من ممتلكاتنا

الخيارات الكثيرة ليست دائما نعمة فوجود أبواب كثيرة مفتوحة أمامنا قد يجعل القرار أصعب لأن كل اختيار يعني التخلي عن اختيارات أخرى الإنسان قد يظل يفكر في الاحتمالات بدل أن يتحرك ولذلك يمكن أن تتحول الحرية الزائدة إلى مصدر للتردد فالقرار لا يصبح أسهل دائما عندما تزيد الخيارات بل قد يصبح أكثر تعقيدا

التوقعات تلعب دورا مهما أيضا فإذا دخلت تجربة وأنت تتوقع أنها ستكون ممتازة فمن المحتمل أن تفسر بعض تفاصيلها بطريقة إيجابية وإذا توقعت أنها سيئة قد تبحث عن الأدلة التي تؤكد توقعك وهنا يصبح العقل شريكا في صناعة التجربة وليس مجرد جهاز يستقبلها فالتوقع لا يصف الواقع فقط أحيانا يغير الطريقة التي نختبر بها الواقع

السعر نفسه يستطيع التأثير في إحساسنا بالقيمة فلو قيل لك إن دواء ما أغلى فقد تتوقع منه نتيجة أفضل حتى لو كانت المادة نفسها وقد يؤثر ذلك في تجربتك الفعلية وهذا يوضح أن السعر ليس مجرد رقم اقتصادي وإنما قد يتحول إلى إشارة نفسية تؤثر في توقعاتنا وأحكامنا

الكتاب لا يحاول أن يقول إن الإنسان غبي أو عاجز عن التفكير بل يقدم صورة أكثر واقعية الإنسان يستطيع أن يفكر بعقلانية لكنه لا يفعل ذلك طوال الوقت لأن عقله يعمل وسط ضغوط اجتماعية وعاطفية ونفسية واقتصادية والهدف من فهم هذه الانحرافات ليس جلد الذات وإنما اكتشاف اللحظة التي يمكن أن نقع فيها داخلها

وهنا تظهر القيمة الحقيقية للاقتصاد السلوكي لأنه لا يكتفي بسؤال ماذا يفعل الإنسان بل يحاول أن يفهم لماذا يفعل ذلك فالنموذج الاقتصادي التقليدي يتعامل كثيرا مع الإنسان باعتباره شخصا يحسب المنفعة والتكلفة ثم يختار الأفضل بينما الاقتصاد السلوكي يضيف شيئا بالغ الأهمية وهو الإنسان نفسه بكل عاداته وانفعالاته وتحيزاته وتوقعاته

أجمل ما في الفكرة أن معرفة ضعفنا يمكن أن تصبح وسيلة لحمايتنا فإذا عرفت أنك تتأثر بالعروض المجانية تستطيع أن تتوقف وتسأل هل أحتاج المنتج فعلا وإذا عرفت أنك تبالغ في تقدير ما تملكه تستطيع أن تنظر إلى القرار من خارج مشاعرك وإذا عرفت أنك تؤجل دائما تستطيع أن تبني نظاما يجبرك على البدء قبل أن تأتي لحظة المزاج المناسب

السلوك غير العقلاني في جوهره ليس حكاية عن أشخاص آخرين لأن كل تجربة تقريبا يمكن أن تجعل القارئ يكتشف نفسه داخلها وهذا هو الجزء المزعج والممتع في الوقت نفسه فنحن نحب أن نعتقد أننا نقرر بحرية وأن اختياراتنا نابعة من منطق واضح لكن الواقع يقول إن هناك قوى صغيرة وخفية تستطيع دفعنا في اتجاهات لم نكن نلاحظها

الدرس الأهم الذي يتركه الكتاب هو أن العقلانية ليست حالة دائمة نعيش فيها بل مهارة نحتاج إلى أن نحاول استعادتها كلما اكتشفنا أن المقارنة أو السعر أو العاطفة أو التوقع أو العادة بدأت تقود القرار بدلا منا ومعرفة هذه القوى لا تجعل الإنسان مثاليا لكنها تجعله أكثر وعيا باللحظة التي يمكن أن يخدع فيها نفسه

وهكذا يتحول السؤال من لماذا نتصرف أحيانا بطريقة غير عقلانية إلى سؤال أكثر إثارة وهو هل يمكن أن نتوقع الطريقة التي سنخطئ بها قبل أن نخطئ وهذا بالضبط ما يجعل فكرة اللاعقلانية المتوقعة قوية لأن اكتشاف نمط الخطأ قد يكون أول خطوة في تغييره وربما تكون أكبر مفاجأة في الرحلة كلها أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يصبح آلة حسابية حتى يتخذ قرارات أفضل بل يحتاج أولا أن يفهم الإنسان الموجود داخل رأسه

بطاقة الكتاب

العنوان السلوك غير العقلاني Predictably Irrational The Hidden Forces That Shape Our Decisions

المؤلف دان أريلي Dan Ariely

الناشر Harper Collins

بلد النشر الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة الأولى

سنة النشر 2008

عدد الصفحات 280 صفحة

ISBN 9780061353239

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *