الاقتصاد الي مبنقدرش نشوفه

الاقتصاد السري

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب

تخيل إنك داخل كافيه وبتدفع مبلغ كبير في فنجان قهوة بينما تكلفة القهوة نفسها لا تمثل إلا جزءا صغيرا من السعر فجأة يظهر سؤال بسيط لكنه يفتح بابا ضخما لماذا ندفع كل هذا المبلغ في كوب قهوة عادي الإجابة التي يقودك إليها تيم هارفورد في الاقتصاد السري إنك لا تدفع ثمن القهوة وحدها أنت تدفع ثمن المكان والوقت والراحة والموقع والقدرة على الوصول إلى المنتج في اللحظة التي تحتاجه فيها وهنا تبدأ رحلة مختلفة تماما لفهم الاقتصاد لأن الاقتصاد الحقيقي مش مجرد فلوس وأسعار وإنما شبكة خفية من الحوافز والاختيارات والمنافسة والموارد النادرة

هارفورد يحاول أن يجعل القارئ يرى الأشياء اليومية بعين الاقتصادي فالسوبر ماركت والكافيه والشارع والازدحام وحتى اختلاف أسعار المنتجات كلها تصبح تجارب اقتصادية صغيرة تكشف قواعد أكبر فالكتاب يتنقل بين موضوعات مثل ندرة الموارد وقوة السوق والكفاءة والمعلومات والحوافز والمنافسة وفشل الأسواق والعولمة والدول الفقيرة والصعود الاقتصادي للصين 

القهوة واحدة من أفضل الأمثلة لأن السعر لا يتحدد فقط بتكلفة البن واللبن والكوب العامل الحاسم أحيانا هو المكان لو كان الكافيه موجودا في محطة مزدحمة أو بجوار مكان سياحي مشهور فإن الموقع نفسه يصبح موردا نادرا والناس مستعدة لدفع المزيد مقابل توفير الوقت والجهد وهنا يتحول المكان إلى جزء من السعر حتى لو لم يكن له علاقة مباشرة بتكلفة صناعة القهوة

الفكرة نفسها تظهر داخل السوبر ماركت بطريقة أكثر ذكاء المتجر لا يريد أن يبيع المنتج بأعلى سعر ممكن للجميع لأنه لو فعل ذلك قد يخسر العملاء الذين يبحثون عن الأرخص وفي الوقت نفسه لا يريد أن يبيع للجميع بسعر منخفض لأنه سيترك أموالا على الطاولة لذلك يستخدم أساليب تجعل كل عميل يكشف بنفسه عن مدى حساسيته للسعر

العروض مثال واضح على ذلك العميل الذي يبحث عن الخصم سيقضي وقتا أطول في المقارنة وانتظار التخفيضات بينما العميل الذي يريد المنتج الآن قد يدفع السعر الكامل وهكذا يصبح العرض وسيلة لتقسيم العملاء دون أن يضطر المتجر إلى سؤال كل واحد منهم عن الحد الأقصى الذي يستطيع دفعه

حتى شكل المنتج يمكن أن يدخل في اللعبة عبوة اقتصادية بتصميم بسيط قد تكون وسيلة لجذب العميل شديد الحساسية للسعر بينما المنتج الأكثر فخامة يستهدف شخصا مستعدا لدفع المزيد والنتيجة أن الشركة تستطيع بيع منتجات متقاربة بتكاليف مختلفة لشرائح مختلفة من العملاء

هنا يظهر مفهوم الندرة وهي واحدة من أهم الأفكار التي يبني عليها الكتاب فالشيء لا يصبح غاليا فقط لأنه مكلف في الإنتاج وإنما يمكن أن يصبح غاليا لأنه نادر أو لأن موقعه نادر أو لأن البدائل المتاحة له قليلة ولذلك قد تجد مطعما يبيع نفس المشروب بسعر أعلى بكثير من متجر قريب لأن المطعم يبيع التجربة والمكان والراحة وليس المشروب وحده

لكن قوة السوق ليست مطلقة فالشركة لا تستطيع رفع الأسعار إلى ما لا نهاية إذا كان أمام المستهلك بدائل حقيقية المنافسة تضغط على الشركات وتجبرها على تقديم قيمة أفضل وإذا اختفت المنافسة أو أصبح المنتج نادرا بصورة شديدة يمكن أن تزداد قدرة البائع على فرض شروطه وهنا تبدأ العلاقة بين الندرة وقوة التسعير

الكتاب ينتقل أيضا إلى الأسواق المثالية والفكرة التي تبدو بسيطة لكنها مهمة جدا وهي أن المنافسة القوية والمعلومات الجيدة تساعدان السوق على الوصول إلى أسعار أكثر عدلا وكفاءة لكن العالم الحقيقي بعيد عن المثالية لأن الناس لا يمتلكون المعلومات نفسها والشركات لا تتصرف دائما في ظروف متساوية وبعض الأسواق تعاني من احتكارات أو معلومات ناقصة أو تكاليف يتحملها أشخاص لم يشاركوا أصلا في الصفقة

الازدحام المروري مثال مذهل لأن السائق عندما يدخل الطريق ينظر إلى تكلفة رحلته بالنسبة إليه فقط لكنه لا يحسب دائما الوقت الإضافي الذي يسببه وجوده على الطريق للآخرين وكل سيارة إضافية قد تجعل الطريق أبطأ للجميع وهنا تظهر فكرة التكاليف الخارجية وهي التكاليف التي لا يدفعها الشخص مباشرة لكنه يفرضها على الآخرين وهذه الفكرة تساعد على فهم لماذا تستخدم بعض المدن رسوما للطرق المزدحمة ولماذا لا تكون الحرية المطلقة دائما أفضل حل

المعلومات أيضا قد تكون أهم من المال نفسه لأن الطرف الذي يعرف أكثر يستطيع اتخاذ قرارات أفضل وقد يستغل جهل الطرف الآخر وهنا يظهر الاقتصاد كمجموعة من ألعاب التفاوض والمساومة ومحاولات معرفة ما لا يعرفه الطرف المقابل فالمشتري والبائع وشركة التأمين والمصرف والمستثمر كلهم يتعاملون مع معلومات غير متساوية بدرجات مختلفة

العالم الأوسع يدخل إلى الصورة عندما يسأل هارفورد لماذا بعض الدول فقيرة وبعضها غني فالاختلاف لا يمكن تفسيره ببساطة بأن شعبا يعمل أكثر من شعب آخر لأن الاقتصاد يتأثر بالمؤسسات والحوافز والاستثمار والتجارة والاستقرار والقدرة على إنتاج المعرفة واستخدام الموارد بطريقة أكثر كفاءة 

الصين تقدم مثالا مهما لأن تحولها الاقتصادي لم يحدث بسبب عامل واحد وإنما ارتبط بإصلاحات سمحت بمساحة أكبر للنشاط الاقتصادي والتجارة والاستثمار والإنتاج وبمرور الوقت ساعد ذلك على تحويل قدرات ضخمة من العمالة والإنتاج إلى قوة اقتصادية عالمية والكتاب يضع هذه التجربة ضمن رحلته لفهم أسباب النمو الاقتصادي وكيف يمكن للدول أن تنتقل من الفقر إلى مستويات أعلى من الثراء 

العولمة تظهر هنا كامتداد طبيعي لفكرة الميزة النسبية عندما تنتج الدول والأفراد الأشياء التي يستطيعون إنتاجها بكفاءة أكبر ثم يتبادلونها يمكن للجميع الاستفادة لكن هذا لا يعني أن كل شخص أو كل صناعة ستستفيد بنفس الدرجة فالتجارة تخلق مكاسب واسعة لكنها في الوقت نفسه قد تغير توزيع الوظائف والدخل وتضغط على بعض القطاعات ولذلك فهم الاقتصاد يحتاج إلى النظر إلى الصورة كاملة بدلا من الحكم على ظاهرة من زاوية واحدة

أجمل ما في الاقتصاد السري إنك بعد قراءته تبدأ ترى الاقتصاد في كل مكان السعر الذي تدفعه في المطعم الازدحام الذي تعاني منه في الطريق العرض الذي جذبك في السوبر ماركت والمنتج الذي يبدو غاليا رغم أن تكلفة إنتاجه منخفضة كلها تصبح ألغازا يمكن فكها عندما تفهم الندرة والحوافز والمنافسة والمعلومات

الكتاب لا يحاول أن يحول القارئ إلى خبير اقتصادي بقدر ما يعطيه نظارة جديدة ينظر بها إلى العالم لأن الاقتصاد في حقيقته مش عالم منفصل موجود داخل البنوك ووزارات المالية الاقتصاد موجود في قراراتنا اليومية وفي الطريقة التي نشتري بها ونبيع ونتفاوض ونختار ونستهلك ونستجيب للحوافز

وهنا تكمن المفاجأة الأكبر فالسعر الذي تراه أمامك ليس دائما هو القصة الحقيقية خلف المنتج هناك قصة عن مورد نادر وشركة تحاول تعظيم أرباحها ومستهلك يقارن بين البدائل ومعلومة ناقصة ومنافسة وضغط من السوق وربما قرار حكومي يؤثر في كل الأطراف دون أن ننتبه إليه

الاقتصاد السري يجعل الأشياء العادية تبدو أقل عادية ويكشف أن وراء كوب القهوة والزحام والعروض والأسعار عالما كاملا من القرارات والمصالح والحوافز ولذلك فإن أكبر قيمة يتركها الكتاب ليست معلومة اقتصادية محددة وإنما عادة جديدة وهي إنك قبل ما تسأل لماذا السعر كده أو لماذا الشركة بتتصرف كده أو لماذا الناس بتختار كده تبدأ تدور على القوة الخفية التي تحرك القرار لأن فهم هذه القوة هو أول خطوة لفهم الاقتصاد وفهم الاقتصاد هو في جزء كبير منه محاولة لفهم الطريقة التي يعيش بها البشر حياتهم اليومية

بطاقة الكتاب

العنوان الاقتصاد السري The Undercover Economist Exposing Why the Rich Are Rich Why the Poor Are Poor and Why You Can Never Buy a Decent Used Car

المؤلف تيم هارفورد Tim Harford

الناشر Oxford University Press

بلد النشر المملكة المتحدة

الطبعة الأولى

سنة النشر 2005 

عدد الصفحات 288 صفحة في الطبعة الأصلية

رقم الإيداع غير متوفر

ISBN للطبعة المنقحة والمحدثة 9780199926510 

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *