تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
الإدارة حين تقاس بالنتائج
يعد كتاب The Effective Executive أو المدير الفعال لبيتر دراكر من الكتب المؤسسة في الإدارة الحديثة لأنه لا يتعامل مع المدير بوصفه شخصا كثير الحركة أو دائم الانشغال بل بوصفه مسؤولا عن تحويل الوقت والمعرفة والقرارات إلى نتائج حقيقية داخل المؤسسة وقد صدرت النسخة المعتمدة هنا عن Collins في نيويورك عام 2006 في طبعة منقحة ضمن سلسلة HarperBusiness Essentials.
يرى دراكر أن الفاعلية ليست موهبة نادرة يولد بها بعض الناس بل عادة يمكن تعلمها والتدرب عليها ولذلك لا يكون المدير الفعال هو الأكثر ذكاء بالضرورة ولا الأكثر نشاطا بل هو من يعرف أين يضع جهده وما العمل الذي يستحق وقته وما النتائج التي يجب أن يركز عليها.
الوقت أصل الإدارة
يبدأ دراكر من الوقت لأنه المورد الوحيد الذي لا يمكن تخزينه ولا تعويضه بعد ضياعه فالمدير الذي لا يعرف أين يذهب وقته لا يستطيع أن يقود نفسه بوضوح ولا أن يقود غيره بكفاءة.
لذلك يدعو الكتاب إلى تسجيل الوقت وتحليل استخدامه ثم حذف ما لا يضيف قيمة وتجميع مساحات من الوقت العميق للأعمال المهمة لأن كثيرين يظنون أنهم يديرون يومهم بينما تستهلكهم الاجتماعات والمقاطعات والمهام الصغيرة التي لا تصنع أثرا حقيقيا.
المساهمة قبل المنصب
لا يسأل المدير الفعال ماذا أريد أن أفعل فقط بل يسأل ما المساهمة التي تحتاجها المؤسسة مني وهذا السؤال ينقل التفكير من حدود المنصب والصلاحيات إلى مساحة القيمة والنتائج.
قد تكون المساهمة قرارا أفضل أو بناء فريق أو تحسين نظام أو خدمة عميل أو حل مشكلة مزمنة والمهم أن يقيس القائد نفسه بما يضيفه لا بعدد الساعات التي قضاها في العمل ولا بحجم السلطة التي يملكها.
القوة بدل مطاردة النقص
يرى دراكر أن المؤسسات لا تصنع نتائج عظيمة بمحاولة إصلاح كل ضعف في الناس بل بتوظيف نقاط قوتهم في الأماكن الصحيحة فالإنسان الذي يمتلك قوة واضحة في مجال معين قد يصنع أثرا كبيرا إذا وضع في الدور المناسب.
هذا لا يعني تجاهل العيوب بالكامل لكنه يعني أن المدير الفعال يبدأ بسؤال ماذا يستطيع هذا الشخص أن يقدم بأفضل صورة لا بسؤال ما كل ما ينقصه لأن العمل المؤسسي يحتاج إلى تحويل القوة إلى أداء لا إلى انتظار إنسان كامل لا وجود له.
الأولويات وشجاعة الرفض
ينصح الكتاب بأن يركز المدير على عدد قليل من المهام الكبرى بدل توزيع الجهد على عشرات التفاصيل لأن الفاعلية تحتاج إلى شجاعة الاختيار وشجاعة التأجيل وشجاعة قول لا.
من يحاول فعل كل شيء في الوقت نفسه لا ينجز شيئا بعمق أما المدير الفعال فيعرف أن الأولويات ليست قائمة طويلة من الأمنيات بل قرارات صعبة حول ما يستحق الانتباه الآن وما يجب أن ينتظر وما يجب أن يحذف تماما.
القرار الجيد يبدأ من المشكلة الصحيحة
يوضح دراكر أن القرار الفعال لا يبدأ من الرأي الشخصي ولا من الاستجابة السريعة للضغط بل من فهم المشكلة الحقيقية لأن بعض المديرين يعالجون أعراضا ظاهرة بينما تظل الجذور كما هي.
والقرار الجيد يحتاج إلى تعريف واضح للمشكلة ومعايير للحكم وبدائل متعددة ثم التزام بالتنفيذ والمتابعة لأن القرار الذي لا يتحول إلى فعل يبقى كلاما إداريا بلا نتيجة مهما بدا جميلا في الاجتماع.
الفاعلية يمكن تعلمها
من النقاط المحورية في الكتاب أن الفاعلية ليست صفة غامضة بل مجموعة ممارسات يمكن اكتسابها وقد تلخص بعض الفهارس محتوى الكتاب في محاور مثل معرفة الوقت والتركيز على المساهمة وجعل القوة منتجة وترتيب الأولويات واتخاذ القرارات الفعالة.
هذه الفكرة تمنح الكتاب قيمة عملية لأنه لا يجعل القارئ ينتظر شخصية قيادية استثنائية بل يضع أمامه عادات قابلة للتدريب تجعل العمل أقل ضجيجا وأكثر ارتباطا بالنتائج.
ما يميز الكتاب وما يمكن مناقشته
قوة The Effective Executive أنه يفرق بوضوح بين الانشغال والفاعلية فليس كل من يعمل كثيرا ينجز كثيرا وليس كل نشاط دليل أثر وقد تذكر بيانات Google Books أن الكتاب يطرح سؤال ما الذي يجعل المدير فعالا ويعرض فكرته حول تحويل القدرات والمعرفة إلى إنجاز.
ويمكن مناقشة أن الكتاب كتب في سياق إداري كلاسيكي قبل التحولات الرقمية الحديثة لكنه ما زال صالحا لأن مشكلته الأساسية لم تتغير فالقادة اليوم لا يعانون من قلة المهام بل من كثرتها ولا يحتاجون إلى مزيد من الحركة بقدر ما يحتاجون إلى وضوح في الاختيار والتركيز.
ما يبقى بعد القراءة
عندما تنتهي قراءة المدير الفعال يبقى في ذهنك أن النجاح الإداري لا يقاس بامتلاء اليوم ولا بطول الاجتماعات ولا بعدد القرارات بل بقدرة القائد على توجيه وقته وطاقته نحو ما يصنع مساهمة حقيقية.
والرسالة الأهم أن الفاعلية تبدأ عندما يتوقف الإنسان عن سؤال ماذا سأفعل الآن فقط ويبدأ في سؤال ما النتيجة التي تستحق جهدي فعلا لأن الإدارة في جوهرها ليست إدارة حركة بل إدارة أثر.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.
وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: The Effective Executive The Definitive Guide to Getting the Right Things Done
المؤلف: Peter F Drucker
دار النشر: Collins (ضمن سلسلة HarperBusiness Essentials)
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة: طبعة منقحة (Revised Edition)
سنة النشر: 2006
عدد الصفحات: 208 صفحة
ISBN: 9780060833459







