هل مازالت الشهادة الجامعية كافية لضمان الوظيفة؟

لسنوات طويلة، كان الطريق يبدو واضحًا جدًا أمام أي شاب: اجتهد في الثانوية، ادخل كلية كويسة، اتخرج، وبعدها ابحث عن وظيفة. كانت الشهادة الجامعية بالنسبة للكثير من الأسر أشبه بتذكرة عبور إلى المستقبل، وكلما كان اسم الكلية أكبر أو التقدير أعلى، زاد شعور الأسرة بأن ابنها أصبح أقرب إلى الوظيفة والاستقرار. لكن هذا الطريق لم يعد مضمونًا كما كان، ليس لأن الشهادة فقدت قيمتها، وإنما لأن سوق العمل نفسه تغير، وأصبح السؤال الذي يواجه الخريج بعد سنوات الدراسة مختلفًا تمامًا. لم يعد السؤال فقط: «إنت خريج إيه؟»، وإنما أصبح: «إنت بتعرف تعمل إيه؟».

وهنا تظهر المشكلة التي يكتشفها كثير من الشباب بعد التخرج. شاب قضى أربع سنوات أو أكثر في الجامعة، حصل على شهادة وتقدير جيد أو جيد جدًا، وربما كان من المتفوقين، ثم يخرج إلى سوق العمل ليكتشف أن الشهادة وحدها لا تجعله جاهزًا للعمل. صاحب الشركة لا يبحث فقط عن شخص يعرف المعلومات، وإنما عن شخص يستطيع استخدام هذه المعلومات في موقف حقيقي، ويعرف كيف يتعامل مع فريق، وكيف يتواصل مع الآخرين، وكيف يحل مشكلة، وكيف يتعلم شيئًا جديدًا عندما تتغير طبيعة العمل. وفي مصر، كشفت بيانات البنك الدولي المبنية على مسح قوة العمل لعام 2019 أن الحاصلين على مؤهل جامعي أو أعلى كانوا من أكثر الفئات تعرضًا للبطالة، وهو مؤشر يعكس وجود فجوة بين التعليم واحتياجات سوق العمل، وليس دليلًا على أن التعليم الجامعي بلا قيمة.

المشكلة إذن ليست في الجامعة نفسها، وإنما في الفكرة التي تربينا عليها بأن الشهادة هي نهاية الطريق. الحقيقة أنها مجرد بداية. الجامعة يمكن أن تمنحك المعرفة، لكنها لن تمنحك بالضرورة الخبرة. يمكن أن تعلمك أساسيات تخصصك، لكنها لن تضمن أنك قادر على تطبيقها. يمكن أن تضع أمامك كتابًا ومحاضرًا وامتحانًا، لكنها لن تعلمك وحدها كيف تتعامل مع مدير صعب، أو عميل غاضب، أو موعد تسليم ضيق، أو مشروع فشل بعد أسابيع من العمل. هذه الأشياء لا تتعلمها من المحاضرات فقط، وإنما من الاحتكاك الحقيقي بالحياة وسوق العمل. ولهذا أصبح من الضروري أن يبدأ الطالب في بناء نفسه مهنيًا وهو مازال في الجامعة، سواء من خلال التدريب، أو العمل الجزئي، أو المشروعات، أو العمل الحر، أو الأنشطة الطلابية، أو تعلم مهارات مرتبطة بمجاله.

وهنا يجب أن نتوقف أمام جملة تتكرر كثيرًا: «أنا لسه متخرج، أجيب خبرة منين؟». الحقيقة أن الخبرة لا تبدأ بالضرورة بعد التخرج. الطالب الذي يقضي أربع سنوات في الجامعة دون أن يجرب العمل أو التدريب، ثم يبدأ البحث عن أول وظيفة بعد التخرج، وضع نفسه في موقف أصعب من شخص بدأ مبكرًا في تجربة السوق. حتى لو كانت التجربة الأولى بسيطة أو غير مدفوعة، فهي تمنحه شيئًا مهمًا جدًا: فهم الواقع. يعرف كيف تعمل الشركات، وكيف يتعامل مع الناس، وكيف يلتزم بموعد، وكيف يتحمل مسؤولية نتيجة عمله. وكل هذه التفاصيل قد تكون أحيانًا أكثر قيمة لصاحب العمل من سطر مكتوب في شهادة التخرج.

واللافت أن سوق العمل نفسه أصبح أكثر سرعة في التغير. الوظائف التي كانت مطلوبة منذ عشر سنوات ليست بالضرورة هي نفسها التي سيحتاجها السوق خلال السنوات المقبلة، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي غيرت شكل عدد كبير من المهن. لذلك لم يعد كافيًا أن يتعلم الإنسان شيئًا مرة واحدة ثم يعيش عليه طوال حياته. المهارة الأهم أصبحت هي القدرة على التعلم المستمر. الشخص الذي يعرف كيف يتعلم ويطور نفسه يمكنه أن ينتقل من وظيفة إلى أخرى ومن مجال إلى آخر، بينما الشخص الذي يعتمد فقط على ما حفظه في الجامعة قد يجد نفسه خارج المنافسة عندما تتغير الأدوات التي يستخدمها.

وهذا يفسر أيضًا لماذا أصبحت المهارات الشخصية جزءًا أساسيًا من فرص الحصول على الوظيفة. قد يكون لديك خريجان من نفس الكلية، وبنفس التقدير تقريبًا، لكن أحدهما يستطيع تقديم نفسه جيدًا، ويتحدث بثقة، ويعرف كيف يعرض أفكاره، ويعمل داخل فريق، ويحل المشكلات، بينما الآخر لا يمتلك هذه المهارات. في هذه الحالة، لن تكون الشهادة هي العامل الذي يحسم الاختيار، لأن الاثنين يمتلكان الشهادة نفسها، وإنما سيبحث صاحب العمل عن القيمة الإضافية التي يستطيع كل شخص تقديمها. ولذلك فإن بناء الشخصية المهنية أصبح لا يقل أهمية عن بناء المعرفة الأكاديمية.

وهنا أيضًا يجب أن نعيد النظر في نظرتنا إلى التعليم الفني والمهني والتطبيقي. ليس صحيحًا أن النجاح له طريق واحد يبدأ من الثانوية العامة وينتهي بالجامعة. الاقتصاد يحتاج إلى الطبيب والمهندس، لكنه يحتاج أيضًا إلى الفني المحترف، والمبرمج، والمتخصص في صيانة الأجهزة، وفني الكهرباء، وفني الشبكات، والعامل الماهر، والمتخصص في الطاقة والصناعة والخدمات. وفي كثير من هذه المجالات، قد تكون المهارة العملية والخبرة أكثر تأثيرًا في الحصول على فرصة حقيقية من مجرد امتلاك شهادة أكاديمية. لذلك فإن توجيه الطالب إلى المسار الذي يناسب قدراته واحتياجات السوق يجب ألا يكون أقل قيمة من دفعه إلى كلية جامعية لمجرد أن المجتمع يعتبرها «أفضل».

والدولة نفسها بدأت خلال السنوات الأخيرة تتحدث بشكل أكبر عن ضرورة ربط التعليم باحتياجات سوق العمل، وزيادة التدريب العملي، وتطوير التعليم التطبيقي والتكنولوجي، وتعزيز التعاون بين المؤسسات التعليمية والقطاع الخاص. وهذه الخطوة مهمة، لأن المشكلة لا تقع على الطالب وحده. إذا كانت الدراسة بعيدة عن الواقع، وإذا كان التدريب العملي ضعيفًا، وإذا كانت الشركات لا تشارك في تحديد المهارات المطلوبة، فمن الطبيعي أن يتخرج الشاب وهو يعرف الكثير عن المواد الدراسية، لكنه لا يعرف بالضرورة كيف يحول هذه المعرفة إلى قيمة حقيقية داخل وظيفة.

ولذلك ربما نحتاج إلى تغيير السؤال الذي نسأله لأبنائنا. بدلًا من أن نقول لهم: «دخلت كلية إيه؟»، ربما يجب أن نسأل: «هتخرج منها بإيه؟». هل ستخرج ومعك شهادة فقط؟ أم ستخرج ومعك لغة، ومهارة، وخبرة، ومشروعات نفذتها، وعلاقات مهنية، وقدرة على التعامل مع التكنولوجيا، وتجارب علمتك كيف تفشل وتحاول مرة أخرى؟ لأن الفرق بين خريج يحمل شهادة فقط وخريج يحمل شهادة ومعها مهارة وخبرة قد يكون أكبر بكثير مما نتخيل.

وفي النهاية، لا أعتقد أن الحل هو أن نقول للشباب «سيبوا الجامعة، الشهادة ملهاش لازمة»، فهذا تبسيط شديد لمشكلة أكبر. وفي المقابل، ليس من المنطقي أيضًا أن نقول للشاب «اتخرج وخلاص، الوظيفة هتيجي لوحدها». الحقيقة في المنتصف. الشهادة مهمة، لكنها لم تعد كافية. الجامعة يمكن أن تفتح الباب، لكن المهارة هي التي تساعدك على الدخول، والخبرة هي التي تساعدك على الاستمرار، والقدرة على التعلم هي التي تجعلك قادرًا على المنافسة عندما يتغير السوق.

زمن «اتخرج وبعدين نشوف» يقترب من نهايته. لم يعد المستقبل مضمونًا بمجرد ورقة تحمل اسم جامعة وتخصص وتقدير. المستقبل أصبح يحتاج إلى شخص يعرف ماذا يريد، ويعرف ماذا يستطيع أن يقدم، ولا ينتظر أن تعطيه الحياة وظيفة لمجرد أنه أكمل سنوات الدراسة المطلوبة. ولذلك، قبل أن نسأل الشاب عن الشهادة التي يحملها، ربما يجب أن نسأله سؤالًا أبسط وأصعب في الوقت نفسه: «غير الشهادة.. إنت بتعرف تعمل إيه؟» وهنا تحديدًا ستظهر قيمة كل السنوات التي قضيتها في التعليم.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *