بقلم عمرو فكري
ماذا لو كانت المشكلة في التعليم ليست في المناهج ولا في عدد ساعات الدراسة وإنما في فكرة أن كل الطلاب يجب أن يتعلموا الشيء نفسه بالطريقة نفسها وفي الوقت نفسه
الفكرة الجديدة تقوم على تحويل المدرسة إلى نظام تعليمي مرن لا يعتمد على جدول حصص ثابت طوال العام وإنما على ما يمكن تسميته نظام التعلم حسب الاحتياج
الطالب لا يقضي العام الدراسي كله داخل نفس القالب
يتم قياس مستواه بصورة دورية في القراءة والكتابة والحساب والفهم والتفكير ثم يحصل على برنامج تعليمي يناسب مستواه الحقيقي
الطالب الذي يعاني من ضعف في الرياضيات يحصل على وقت تعليمي إضافي في الرياضيات
والطالب الذي أتقن المنهج ينتقل إلى مستوى أكثر تقدمًا بدلًا من إجباره على انتظار باقي الفصل
وبذلك نتوقف عن واحدة من أكبر مشكلات التعليم وهي التعامل مع الفروق بين الطلاب وكأنها غير موجودة
الفكرة لا تعني تقسيم الطلاب إلى طالب ذكي وطالب ضعيف
بل تعني أن الطالب قد يكون متقدمًا في مادة ومتأخرًا في مادة أخرى
قد يكون ممتازًا في العلوم وضعيفًا في اللغة
وقد يكون مبدعًا في الرسم لكنه يحتاج وقتًا أكبر في الحساب
وهذا طبيعي تمامًا
النظام المقترح يجعل لكل طالب ما يشبه خريطة تعليمية رقمية يتم تحديثها باستمرار
هذه الخريطة لا تستخدم للحكم على الطالب وإنما لاكتشاف المكان الذي يحتاج فيه إلى مساعدة
وهنا يظهر دور جديد للمدرس
بدلًا من أن يدخل الفصل ويشرح الدرس نفسه لجميع الطلاب بنفس السرعة يبدأ بتقسيم الطلاب حسب احتياجات التعلم ثم يقدم لكل مجموعة النشاط المناسب
أما التكنولوجيا فتدخل هنا كمساعد للمدرس وليس كبديل عنه
الذكاء الاصطناعي يمكن استخدامه لاكتشاف نقاط الضعف المتكررة لدى الطالب واقتراح تدريبات مناسبة له ثم يظل المعلم صاحب القرار في طريقة التعامل مع الطالب
لكن الجزء الأكثر ابتكارًا في الفكرة هو إنشاء أسبوع بلا منهج
مرة كل شهرين مثلًا يتوقف التدريس التقليدي لمدة أسبوع
لا توجد خلاله وحدات جديدة ولا واجبات تقليدية
توجد مشكلة واحدة فقط
كيف نقلل استهلاك الكهرباء في المدرسة
كيف نحسن نظافة الشارع المحيط بالمدرسة
كيف نصمم وسيلة مواصلات أكثر أمانًا
كيف نواجه التنمر
كيف نستخدم المياه بصورة أفضل
كيف نحول فكرة صغيرة إلى مشروع
الطلاب يتقسمون إلى فرق ويحاولون الوصول إلى حلول
هنا تظهر مهارات لا يستطيع الامتحان التقليدي قياسها بسهولة
من يقود الفريق
من يبحث
من يحلل
من يتحدث
من يصمم
من يختلف مع الآخرين بطريقة محترمة
ومن يستطيع تحويل الفكرة إلى نتيجة
المدرسة كذلك يمكن أن تفتح جزءًا من وقتها أمام المجتمع
كل شهر يتم اختيار شخص من خارج المنظومة التعليمية ليتحدث مع الطلاب عن مشكلة حقيقية واجهها في عمله
ليس الهدف إعطاء محاضرة
الهدف أن يأتي الشخص بمشكلة حقيقية ويطلب من الطلاب التفكير في حلها
وبذلك تصبح المدرسة متصلة بسوق العمل والمجتمع قبل أن يتخرج الطالب وليس بعد التخرج
أما الامتحان النهائي فلا يكون هو الحكم الوحيد على الطالب
الطالب يحصل على تقييم مستمر يجمع بين المعرفة والمهارات والمشروعات والتقدم الشخصي
والأهم أن الطالب لا تتم مقارنته طوال الوقت بزميله وإنما تتم مقارنة مستواه الحالي بمستواه السابق
النجاح هنا يصبح أن يتقدم الطالب وليس أن يهزم زميله
تطبيق الفكرة لا يحتاج إلى تغيير النظام التعليمي كله مرة واحدة
يمكن البدء بخمسين مدرسة فقط
كل مدرسة تطبق النظام في صف واحد ثم تتم مقارنة النتائج
هل زاد الحضور
هل تحسن المستوى
هل انخفضت الدروس الخصوصية
هل أصبح الطلاب أكثر مشاركة
هل تغيرت علاقة الطالب بالمدرسة
إذا أثبتت التجربة نجاحها يتم توسيعها تدريجيًا
التعليم المصري لا يحتاج بالضرورة إلى ثورة تبدأ من الصفر
قد يحتاج فقط إلى أن يتوقف عن معاملة جميع الطلاب وكأنهم نسخة واحدة
فالطالب ليس رقم جلوس
وليس مجموعًا
وليس ترتيبًا على المدرسة
الطالب مشروع إنسان كامل
والمهمة الحقيقية للتعليم ليست أن يجعل الجميع يعرفون الإجابة نفسها
بل أن يجعل كل طالب قادرًا على اكتشاف السؤال الذي يستحق أن يبحث عن إجابته







