كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
ما يتنبأ به الكاتب
هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
يناقش كتاب «فن وأسرار اتخاذ القرار» للدكتور إبراهيم الفقي واحدة من أكثر المهارات ارتباطًا بحياة الإنسان اليومية، وهي القدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، وكيف يمكن للإنسان أن يتعامل مع الخيارات والضغوط والمخاوف والاحتمالات التي تحيط به قبل أن يختار الطريق الذي يريد أن يسلكه.
فالإنسان يتخذ قراراته بصورة مستمرة، بعضها بسيط لا يحتاج إلى تفكير طويل، وبعضها الآخر يمكن أن يغير مسار حياته بالكامل. وقد يتعلق القرار بالعمل أو الدراسة أو العلاقات أو المال أو الانتقال من مكان إلى آخر، وقد يكون قرارًا داخليًا يتعلق بالتخلي عن عادة أو البدء في تجربة جديدة أو تغيير طريقة التعامل مع الحياة.
ومن هنا لا يصبح السؤال فقط ماذا سيختار الإنسان، وإنما كيف يختار؟ وما الذي يؤثر في اختياره؟ وهل القرار الذي يتخذه نابع من تفكير واع أم من خوف أو ضغط أو تردد أو رغبة في إرضاء الآخرين؟
فالقرار في كثير من الأحيان لا يكون مجرد اختيار بين طريقين، وإنما هو نتيجة مجموعة من الأفكار والمشاعر والخبرات السابقة التي يحملها الإنسان معه إلى لحظة الاختيار.
وقد يجد الإنسان نفسه أمام فرصة جيدة لكنه يتردد بسبب الخوف من الفشل، وقد يرفض خطوة مهمة لأنه يخشى رأي الآخرين، وقد يستمر في طريق لا يناسبه لأنه قضى وقتًا طويلًا فيه ويشعر أن التراجع اعتراف بالخسارة.
ومن هنا تظهر أهمية فهم طبيعة القرار قبل التفكير في نتيجته.
فالإنسان الذي يعرف لماذا يريد شيئًا يصبح أكثر قدرة على تحديد الطريق الذي يقوده إليه، بينما الإنسان الذي لا يعرف ما يريد قد يجد نفسه يتخذ قرارات كثيرة دون أن يشعر بأنه يقترب فعلًا من هدف واضح.
ومن الأفكار الأساسية التي يفتحها الكتاب أن اتخاذ القرار لا يعني امتلاك جميع المعلومات والضمانات. فالحياة لا تمنح الإنسان في أغلب الأحيان صورة كاملة عن المستقبل، ولذلك فإن انتظار اليقين الكامل قد يتحول إلى سبب دائم للتأجيل.
قد يجمع الإنسان معلومات كثيرة، ويقارن بين البدائل، ويسأل الآخرين، ثم يجد نفسه ما زال واقفًا في المكان نفسه.
وهنا يتحول التفكير من وسيلة تساعد على القرار إلى وسيلة تمنع القرار.
ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين التفكير الجيد والتفكير الزائد.
فالتفكير الجيد يساعد الإنسان على رؤية الخيارات وفهم النتائج المحتملة والاستعداد للمخاطر، أما التفكير الزائد فقد يجعل الإنسان يعيد الأسئلة نفسها دون الوصول إلى نتيجة.
وقد يكون الإنسان أحيانًا لا يبحث عن القرار الأفضل، وإنما يبحث عن قرار يضمن له ألا يندم.
لكن هذا الضمان غير موجود.
فالإنسان قد يتخذ قرارًا صحيحًا وفق المعلومات المتاحة أمامه ثم تتغير الظروف بعد ذلك، وقد يتخذ قرارًا يبدو صعبًا في البداية ثم يكتشف مع الوقت أنه كان نقطة تحول مهمة في حياته.
ومن هنا فإن جودة القرار لا تقاس دائمًا بنتيجته فقط، وإنما أيضًا بجودة الطريقة التي تم بها اتخاذه في وقتها.
ومن الأفكار المهمة كذلك أن الإنسان يحتاج إلى معرفة هدفه قبل أن يقرر.
فالقرار الذي لا يرتبط بهدف واضح قد يتحول إلى مجرد رد فعل تجاه الظروف.
وقد يقول الإنسان إنه يريد النجاح، لكن النجاح كلمة واسعة تحتاج إلى تحديد. هل يقصد نجاحًا مهنيًا؟ أم استقرارًا ماليًا؟ أم حياة أسرية أفضل؟ أم تطويرًا شخصيًا؟
كلما أصبح الهدف أكثر وضوحًا، أصبح من الأسهل تقييم الخيارات.
فالهدف يمنح القرار اتجاهًا، ويجعل الإنسان قادرًا على أن يسأل نفسه هل هذا الاختيار يقربني مما أريده أم يبعدني عنه؟
ومن هنا ترتبط عملية اتخاذ القرار بالتخطيط.
لكن التخطيط لا يعني أن يكتب الإنسان عشرات الاحتمالات ثم لا يتحرك.
التخطيط الجيد هو أن يعرف الإنسان ما يريد، ويدرس البدائل المتاحة، ويحدد المخاطر، ثم يبدأ في التنفيذ مع الاستعداد لتعديل الطريق عندما تتغير الظروف.
فالقرار ليس دائمًا نقطة نهاية للتفكير، وإنما قد يكون بداية لمرحلة جديدة تحتاج إلى متابعة ومراجعة.
كما أن جمع المعلومات يمثل خطوة مهمة في صناعة القرار.
فالإنسان لا يستطيع اتخاذ قرار جيد إذا كانت الصورة التي يعتمد عليها ناقصة أو مشوهة.
لكن كثرة المعلومات لا تعني دائمًا جودة القرار.
قد يمتلك الإنسان عشرات الآراء والمصادر لكنه لا يعرف أيها أكثر أهمية، وقد يجد نفسه أمام كمية كبيرة من التفاصيل تزيد ارتباكه بدلًا من أن تساعده.
ومن هنا تظهر أهمية التمييز بين المعلومات الضرورية والمعلومات التي تزيد التشويش.
فالقرار يحتاج إلى معلومات تساعد على الاختيار، وليس إلى معلومات تجعل الإنسان أكثر ترددًا.
كما أن الاستماع إلى الآخرين قد يكون جزءًا مهمًا من عملية اتخاذ القرار.
فالإنسان قد يكون صاحب القرار، لكنه ليس بالضرورة صاحب كل المعرفة.
وأحيانًا يمكن لنصيحة من شخص لديه خبرة مختلفة أن تكشف جانبًا لم يكن ظاهرًا.
لكن الاستماع إلى الآخرين لا يعني أن يسلم الإنسان قراره لهم.
هناك فرق بين أن تطلب رأيًا وبين أن تتخلى عن مسؤولية الاختيار.
فالقرار في النهاية يحتاج إلى أن يكون مفهومًا لصاحبه وقابلًا لتحمل نتائجه.
ومن هنا تأتي أهمية الاستقلال في التفكير.
فالإنسان الذي يسأل الجميع عن كل قرار قد يفقد القدرة على معرفة ما يريده هو.
وفي المقابل، الإنسان الذي يرفض أي نصيحة قد يقع في أخطاء كان يمكن تجنبها.
والتوازن بين الأمرين هو أن يستمع الإنسان ثم يفكر ثم يقرر.
كما أن الخوف يمثل واحدًا من أكبر العوامل التي تؤثر في القرارات.
فالخوف من الفشل قد يجعل الإنسان لا يبدأ، والخوف من الخسارة قد يجعله يتمسك بما لا يناسبه، والخوف من كلام الناس قد يدفعه إلى اختيار حياة لا تشبهه.
وقد يعيش الإنسان سنوات وهو يعرف ما يريد لكنه لا يملك الشجاعة لاتخاذ الخطوة الأولى.
وهنا لا يكون العائق دائمًا في عدم وجود الفرصة، وإنما في الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى المخاطرة.
فالقرار الشجاع لا يعني أن الإنسان لا يرى المخاطر، وإنما يعني أنه يدرسها ثم يقرر هل تستحق التجربة أم لا.
والشجاعة في اتخاذ القرار لا تعني التهور.
هناك فرق كبير بين أن يخاطر الإنسان بعد دراسة وبين أن يندفع دون تفكير.
فالقرار السليم يحتاج إلى توازن بين العقل والمشاعر، وبين الرغبة في التقدم والقدرة على تقدير النتائج.
كما أن الثقة بالنفس تلعب دورًا مهمًا في صناعة القرار.
فالإنسان الذي لا يثق بقدرته على تحمل النتائج قد يظل مترددًا حتى أمام الفرص الجيدة.
وقد يرفض شخص تجربة جديدة لأنه يخشى ألا ينجح، بينما يختار شخص آخر أن يجرب رغم معرفته بإمكانية الفشل.
الثقة بالنفس هنا لا تعني أن يعتقد الإنسان أنه لن يخطئ، وإنما أن يعرف أنه قادر على التعامل مع الخطأ إذا حدث.
ومن هنا تصبح الثقة بالنفس مرتبطة بالقدرة على تحمل المسؤولية.
فالإنسان الواثق لا يحتاج إلى ضمان النجاح قبل أن يبدأ، وإنما يستطيع أن يدخل التجربة وهو مستعد للتعلم من نتائجها.
كما أن الإنسان يحتاج إلى أن يعرف الفرق بين القرار الذي يخدم هدفه والقرار الذي يرضي الآخرين.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في الحياة اليومية.
قد يختار شخص مجالًا مهنيًا لأنه المجال الذي تريده أسرته، وقد يستمر في علاقة لأنه يخشى مواجهة الآخرين، وقد يرفض فرصة لأنه يخاف أن يقال عنه إنه ترك ما اعتاد عليه.
لكن الحياة التي تُبنى بالكامل على توقعات الآخرين قد تجعل الإنسان يصل في النهاية إلى مكان لم يختره بنفسه.
ومن هنا فإن معرفة الذات تصبح جزءًا أساسيًا من صناعة القرار.
فالإنسان يحتاج إلى أن يسأل نفسه ماذا أريد فعلًا؟ وما الذي يناسب قدراتي؟ وما القيم التي أريد أن أبني حياتي عليها؟ وما الذي أفعله لأنني أريده فعلًا وما الذي أفعله فقط لأن الآخرين يتوقعونه مني؟
وهذه الأسئلة قد تبدو بسيطة، لكنها في أحيان كثيرة تكشف أسبابًا حقيقية وراء قرارات كثيرة.
كما أن التجارب السابقة تؤثر في القرارات الحالية.
فالإنسان الذي تعرض للفشل قد يصبح أكثر خوفًا من التجربة، والشخص الذي تعرض للخيانة قد يصبح أكثر حذرًا في العلاقات، والشخص الذي اتخذ قرارًا خاطئًا في الماضي قد يبدأ في الشك في قدرته على اتخاذ أي قرار جديد.
لكن المشكلة تحدث عندما يتحول الماضي من خبرة نتعلم منها إلى سجن نعيش داخله.
فالفشل في قرار سابق لا يعني أن كل قرارات المستقبل ستكون خاطئة.
والإنسان لا يحتاج إلى أن يمحو تجاربه القديمة، وإنما يحتاج إلى أن يفهمها.
ما الذي حدث؟ لماذا حدث؟ ما الخطأ الذي يمكن تجنبه؟ وما المعلومات التي لم تكن متاحة وقتها؟
وهنا يتحول الخطأ من مصدر دائم للندم إلى مصدر للتعلم.
ومن الأفكار المهمة كذلك أن الإنسان يحتاج إلى معرفة أولوياته قبل أن يتخذ قرارات كبيرة.
فليس كل شيء يستحق الدرجة نفسها من الاهتمام، وليس كل فرصة تستحق أن نترك من أجلها ما لدينا.
وقد يكون الإنسان مشغولًا طوال الوقت لكنه لا يحقق تقدمًا حقيقيًا لأنه يوزع طاقته على أشياء كثيرة في الوقت نفسه.
ومن هنا فإن تحديد الأولويات يساعد على تحديد القرارات.
فالقرار الذي يبدو مناسبًا في حد ذاته قد يكون غير مناسب إذا كان يتعارض مع هدف أكثر أهمية في حياة الإنسان.
كما أن اتخاذ القرار يحتاج إلى القدرة على التمييز بين الأمور العاجلة والأمور المهمة.
فقد يكون هناك أمر يضغط على الإنسان الآن لكنه لا يمثل أهمية حقيقية على المدى البعيد، بينما توجد أمور أخرى تحتاج إلى اهتمام أكبر رغم أنها لا تفرض نفسها بصورة عاجلة.
ومن هنا فإن الإنسان الذي يتعلم ترتيب أولوياته يصبح أكثر قدرة على اتخاذ قراراته بوضوح.
كما أن اتخاذ القرار يرتبط بالوقت.
فبعض القرارات إذا تأخرت فقدت قيمتها.
والتردد المستمر قد يجعل الإنسان يخسر فرصة كان يستطيع استثمارها.
لكن السرعة وحدها ليست فضيلة.
القرار السريع جدًا قد يكون اندفاعًا، والقرار البطيء جدًا قد يكون ترددًا.
ومن هنا فإن الحكمة تكون في معرفة متى نحتاج إلى التمهل ومتى نحتاج إلى الحركة.
وقد يكون من المفيد في بعض القرارات وضع موعد محدد للحسم.
فالإنسان الذي يترك القرار مفتوحًا إلى أجل غير معلوم قد يستمر في التفكير فيه دون نهاية.
وعندما يحدد لنفسه وقتًا واضحًا، فإنه يجبر نفسه على الانتقال من مرحلة التفكير إلى مرحلة الاختيار.
ومن الأفكار المهمة أن القرار لا يعني ضمان النجاح.
قد يختار الإنسان أفضل البدائل المتاحة ثم يواجه نتيجة لم يكن يتوقعها.
وهذا أمر طبيعي لأن الحياة تحتوي على عوامل كثيرة لا يستطيع الإنسان التحكم فيها.
لذلك فإن القرار الجيد لا يقوم على وهم السيطرة الكاملة على المستقبل، وإنما على الاستعداد للتعامل مع ما سيحدث بعد القرار.
وهنا تظهر المرونة.
قد يقرر الإنسان شيئًا ثم تظهر معلومات جديدة تغير الصورة، وقد يكتشف أن الطريق الذي اختاره لا يؤدي إلى النتيجة التي كان يتوقعها.
وهنا لا يكون تغيير القرار بالضرورة دليلًا على الضعف.
أحيانًا تكون القوة الحقيقية في أن يعترف الإنسان بأن المعلومات تغيرت، وأن الطريق يحتاج إلى تعديل.
فالتمسك بالقرار لمجرد أننا اتخذناه قد يكون أكثر ضررًا من الاعتراف بالحاجة إلى تغييره.
كما أن الإنسان يحتاج إلى أن يفرق بين القرار الذي يمكن التراجع عنه والقرار الذي يصعب تغييره.
فبعض القرارات يمكن تجربتها ثم تعديلها، بينما تحتاج قرارات أخرى إلى دراسة أعمق لأنها تحمل آثارًا طويلة المدى.
وهنا لا توجد قاعدة واحدة تصلح لكل المواقف.
القرار الحكيم هو الذي يتناسب مستوى التفكير فيه مع حجم تأثيره.
كما أن المشاعر تؤثر في عملية اتخاذ القرار.
فالإنسان لا يتخذ قراراته بالعقل وحده، والمشاعر جزء طبيعي من عملية الاختيار.
لكن المشكلة تحدث عندما يصبح الشعور اللحظي هو صاحب القرار الوحيد.
قد يغضب الإنسان فيقرر قطع علاقة مهمة، أو يخاف فيرفض فرصة جيدة، أو يكون متحمسًا فيتجاهل مخاطر واضحة.
ومن هنا يحتاج الإنسان إلى أن يمنح نفسه مساحة قبل اتخاذ القرارات المهمة.
أن يهدأ، ويفكر، ويسأل نفسه هل هذا ما أريده فعلًا أم أنني أتصرف تحت تأثير شعور مؤقت؟
وهذه المسافة بين الشعور ورد الفعل قد تكون كافية لتغيير القرار بالكامل.
كما أن اتخاذ القرار يرتبط بالعلاقات الإنسانية.
فالإنسان لا يتخذ قراراته بعيدًا عن الآخرين، وإنما يتأثر بمن حوله وبطريقة تفكيرهم وبردود أفعالهم.
وقد يكون بعض القرارات متعلقًا بعلاقة أسرية أو صداقة أو شراكة في العمل.
وهنا يحتاج الإنسان إلى أن يستمع قبل أن يحكم، وأن يفهم وجهة نظر الآخرين قبل أن يبني قراره على افتراضات.
فقد يتخذ الإنسان قرارًا قاسيًا بناءً على تفسير خاطئ لموقف بسيط، ثم يكتشف لاحقًا أن الصورة كانت مختلفة.
ومن هنا فإن التواصل الجيد يساعد على تحسين جودة القرار.
كما أن الإنسان يحتاج إلى أن يتعلم وضع الحدود.
فإرضاء الآخرين بصورة مستمرة قد يؤدي إلى قرارات لا تتفق مع مصلحته أو أهدافه.
والقدرة على قول «لا» في الوقت المناسب قد تكون قرارًا مهمًا مثل القدرة على قول «نعم».
فليست كل فرصة مناسبة، وليست كل علاقة يجب أن تستمر، وليس كل طريق يجب أن نكمله حتى نهايته.
وأحيانًا يكون القرار الصحيح هو التوقف.
التوقف عن مشروع لم يعد مناسبًا، أو عادة تستنزف الإنسان، أو علاقة تؤذيه، أو طريق اكتشف أنه لا يقوده إلى المكان الذي يريده.
لكن التوقف يحتاج إلى شجاعة لأنه قد يجعل الإنسان يشعر أنه خسر ما بذله من وقت وجهد.
وهنا تظهر فكرة مهمة وهي أن الوقت الذي قضاه الإنسان في طريق معين لا يعني أنه ملزم بالاستمرار فيه.
فالخبرة التي حصل عليها يمكن أن تكون مكسبًا حتى لو لم يكتمل الطريق.
كما أن الإنسان يحتاج إلى أن يتعلم من قرارات الأشخاص الناجحين، لكن دون الوقوع في فخ تقليدهم بصورة كاملة.
يمكن أن نسأل كيف يفكرون؟ كيف يجمعون المعلومات؟ كيف يتعاملون مع المخاطر؟ كيف يراجعون قراراتهم؟
لكن الظروف التي صنعت نجاح شخص آخر قد لا تكون متاحة لشخص مختلف.
ومن هنا يكون التعلم من التجارب أفضل من محاولة نسخها.
كما أن المقارنة بالآخرين قد تؤثر في القرارات بصورة كبيرة.
قد يرى الإنسان صديقه يحقق نجاحًا في مجال معين فيقرر أن يسلك الطريق نفسه دون أن يسأل هل يناسبه أصلًا.
وقد يرى شخصًا آخر يشتري شيئًا أو يبدأ مشروعًا أو يسافر إلى مكان معين فيشعر أنه يجب أن يفعل الشيء نفسه.
لكن حياة الآخرين ليست بالضرورة النموذج المناسب لحياتنا.
كل شخص يمتلك ظروفًا وقدرات وأولويات مختلفة.
ومن هنا فإن القرار الصحيح ليس القرار الذي يبدو ناجحًا عند الآخرين، وإنما القرار الذي يتناسب مع الإنسان نفسه وظروفه وأهدافه.
كما أن اتخاذ القرار يحتاج إلى التفكير في النتائج بعيدة المدى.
فالإنسان قد يختار شيئًا لأنه يمنحه راحة فورية، لكنه قد يكتشف لاحقًا أن هذه الراحة كانت على حساب هدف أكبر.
وقد يرفض شخص فرصة صعبة لأنها تحتاج إلى وقت وجهد، بينما تكون هذه الفرصة هي التي يمكن أن تفتح له طريقًا جديدًا.
ومن هنا فإن القرار الناضج لا ينظر فقط إلى ما سيحدث اليوم، وإنما يسأل أيضًا ماذا يمكن أن يحدث بعد سنة أو خمس سنوات؟
وهذا لا يعني أن يعيش الإنسان في المستقبل وينسى الحاضر، وإنما أن يوازن بين احتياجات اللحظة ونتائجها المحتملة.
كما أن بعض القرارات تحتاج إلى التفكير في تكلفة عدم اتخاذها.
فليس المهم فقط أن يعرف الإنسان ماذا سيحدث إذا اختار طريقًا معينًا، وإنما ماذا سيحدث إذا لم يفعل شيئًا.
قد يظن الإنسان أن عدم الاختيار هو موقف محايد، لكنه في كثير من الحالات اختيار للاستمرار في الوضع الحالي.
وقد يكون هذا مناسبًا أحيانًا، لكنه قد يؤدي في أحيان أخرى إلى خسارة فرص مهمة.
ومن هنا يحتاج الإنسان إلى أن يسأل نفسه ما تكلفة الانتظار؟ وما الذي يمكن أن أخسره إذا لم أتحرك؟
كما أن القرار يحتاج إلى قدر من التفكير النقدي.
فليس كل ما يسمعه الإنسان حقيقة، وليس كل نصيحة مناسبة له، وليس كل فرصة تستحق القبول.
الفكرة تحتاج إلى فحص، والمعلومة تحتاج إلى تحقق، والقرار يحتاج إلى فهم للنتائج.
وهذا الجانب مهم بصورة خاصة في عصر كثرت فيه المعلومات وتداخلت الحقائق مع الآراء والانطباعات.
ومن هنا فإن قوة القرار لا تأتي من كثرة المعلومات فقط، وإنما من القدرة على تقييمها واختيار ما يستحق الاعتماد عليه.
كما أن الإنسان يحتاج إلى أن يعرف متى يطلب المساعدة.
هناك قرارات قد يستطيع الإنسان اتخاذها بمفرده، بينما تحتاج قرارات أخرى إلى متخصص أو صاحب خبرة.
طلب النصيحة ليس ضعفًا، كما أن اتخاذ القرار بنفسه ليس معناه أن يرفض كل مساعدة.
المهم أن يظل الإنسان هو المسؤول عن اختياره.
ومن هنا فإن الاستشارة يمكن أن تكون وسيلة لتوسيع الرؤية، وليس وسيلة للتخلي عن المسؤولية.
كما أن القرار يرتبط بالمسؤولية.
فمن السهل بعد القرار أن يلقي الإنسان اللوم على الظروف أو الأشخاص أو الحظ، لكن استمرار هذا الأسلوب يحرم الإنسان من فرصة التعلم.
المسؤولية لا تعني أن الإنسان يتحمل ذنب كل ما يحدث له، وإنما تعني أن يبحث عن الجزء الذي كان يستطيع التحكم فيه.
إذا كان القرار خاطئًا، فما الذي يمكن تعلمه؟
وإذا كانت النتيجة مختلفة عما توقعه، فما الذي يمكن تعديله؟
وإذا كان الطريق غير مناسب، ما البديل؟
هذه الأسئلة أكثر فائدة من البقاء في دائرة اللوم.
ومن هنا يتحول القرار من مجرد اختيار إلى تجربة يتعلم الإنسان منها.
كما أن الإنسان يحتاج إلى أن يتعامل مع الفشل بصورة مختلفة.
فالفشل في قرار معين لا يعني أن الإنسان فاشل في اتخاذ القرارات.
وقد تكون النتيجة السلبية فرصة لاكتشاف معلومات لم تكن متاحة من قبل.
فالقرار الذي لم ينجح يمكن أن يكشف ضعفًا في الخطة، أو نقصًا في المعلومات، أو خطأ في تقدير الظروف.
وهنا يصبح الفشل معلومة جديدة يمكن استخدامها في القرار القادم.
ومن الأفكار المهمة أن الإنسان لا يحتاج إلى انتظار القرار المثالي.
ففي كثير من المواقف لا يوجد اختيار كامل بلا عيوب.
هناك بدائل لكل منها مزايا وتكاليف.
ومن هنا فإن البحث عن القرار المثالي قد يؤدي إلى إضاعة الوقت، بينما يكون القرار الواقعي هو اختيار البديل الأكثر ملاءمة للظروف الحالية.
وهذا لا يعني التسرع، وإنما يعني الاعتراف بأن الكمال غير موجود في كثير من القرارات الإنسانية.
كما أن الإنسان يحتاج إلى مراجعة قراراته بصورة دورية.
هل القرار الذي اتخذته ما زال مناسبًا؟ هل تغيرت الظروف؟ هل ظهرت معلومات جديدة؟ هل ما زلت أريد النتيجة نفسها؟
هذه المراجعة لا تعني ضعف الشخصية، وإنما تعني أن الإنسان يتعامل مع الواقع بدلًا من أن يعيش أسيرًا لقرار قديم.
ومن هنا فإن اتخاذ القرار ليس لحظة واحدة، وإنما عملية تبدأ قبل الاختيار وتستمر بعده.
فالإنسان يفكر ويجمع المعلومات ويقارن ويختار ثم ينفذ ويراجع ويتعلم.
وقد يحتاج في بعض الأحيان إلى تعديل المسار، وقد يكتشف أن القرار الذي اتخذه كان مناسبًا، وقد يكتشف أنه يحتاج إلى اختيار مختلف.
وفي كل الحالات تصبح التجربة جزءًا من بناء الخبرة.
ومن نقاط القوة في الأفكار التي يطرحها الكتاب أنها تجعل اتخاذ القرار مهارة يمكن تطويرها وليست صفة ثابتة يولد بها الإنسان.
فالإنسان يستطيع أن يتعلم كيف يجمع المعلومات، وكيف يحدد أهدافه، وكيف يدرس البدائل، وكيف يتعامل مع الخوف، وكيف يوازن بين العقل والمشاعر، وكيف يتحمل نتائج اختياراته.
لكن في المقابل، لا ينبغي التعامل مع اتخاذ القرار باعتباره علمًا يضمن للإنسان نتيجة صحيحة في كل مرة.
الحياة لا تقدم إجابات مضمونة، والإنسان قد يخطئ رغم حسن النية وجودة المعلومات.
كما أن بعض القرارات تتعلق بظروف معقدة لا يمكن اختزالها في مجموعة من القواعد البسيطة.
ولهذا فإن النضج في اتخاذ القرار لا يعني البحث عن ضمانات كاملة، وإنما القدرة على اتخاذ أفضل قرار ممكن في ضوء المعلومات والظروف المتاحة.
كما أن بعض المشكلات تحتاج إلى مساعدة متخصصة، سواء كانت مالية أو مهنية أو قانونية أو نفسية أو اجتماعية، ولذلك لا يمكن اختزال كل القرارات في التفكير الإيجابي أو الإرادة وحدها.
فالإنسان قد يمتلك أفضل النوايا، لكنه يواجه ظروفًا خارجة عن إرادته.
وهنا تصبح المرونة والقدرة على التكيف جزءًا من عملية اتخاذ القرار.
ومن القضايا المهمة كذلك أن القرار لا ينفصل عن شخصية الإنسان.
فالإنسان الذي يعرف نفسه جيدًا يعرف ما يناسبه وما لا يناسبه، ويعرف نقاط قوته وضعفه، ويستطيع أن يحدد حدود المخاطرة التي يستطيع تحملها.
أما الإنسان الذي لا يعرف أولوياته فقد يتخذ قرارات كثيرة بناءً على ضغط اللحظة أو رأي الآخرين.
ومن هنا فإن معرفة الذات ليست مرحلة منفصلة عن اتخاذ القرار، وإنما واحدة من أهم أدواته.
فالإنسان الذي يعرف ماذا يريد يصبح أكثر قدرة على أن يقول نعم عندما يكون الأمر مناسبًا، وأن يقول لا عندما يكون الرفض هو القرار الأفضل.
كما أن النجاح في اتخاذ القرار يحتاج إلى الصبر.
فبعض القرارات لا تظهر نتائجها بسرعة.
وقد يبدأ الإنسان في طريق جديد ولا يرى ثماره خلال أسابيع أو أشهر.
وهنا قد يتخلى عن القرار قبل أن يمنحه الوقت الكافي.
والتفكير طويل المدى يساعد الإنسان على فهم أن بعض النتائج تحتاج إلى تراكم.
لكن الصبر لا يعني التمسك الأعمى بالقرار.
فالإنسان يحتاج في الوقت نفسه إلى مراقبة النتائج ومعرفة متى يستمر ومتى يعدل ومتى يتوقف.
وهنا يظهر التوازن بين الإصرار والمرونة.
الإصرار يعني ألا يتخلى الإنسان بسهولة عن هدفه، والمرونة تعني ألا يصر على وسيلة أثبت الواقع أنها لم تعد مناسبة.
ومن هنا فإن القرار الناجح ليس فقط اختيار الطريق، وإنما القدرة على الاستمرار فيه بوعي.
كما أن الإنسان يحتاج إلى أن يتعلم كيف يتعامل مع الندم.
فالندم جزء طبيعي من التجربة الإنسانية، لكن تحويله إلى إقامة دائمة في الماضي يمنع الإنسان من الاستفادة منه.
لا يستطيع الإنسان العودة إلى اللحظة التي اتخذ فيها القرار، لكنه يستطيع أن يأخذ منها ما يفيده في القرار القادم.
وقد يكون أفضل ما يفعله الإنسان بعد القرار الخاطئ أن يسأل ماذا تعلمت؟
وهذا السؤال أكثر فائدة من سؤال لماذا فعلت ذلك طوال الوقت.
ومن هنا تتحول الحياة إلى سلسلة من التجارب التي تساعد الإنسان على بناء خبرة أكبر في الاختيار.
وعندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
يقدم كتاب «فن وأسرار اتخاذ القرار» رؤية تقوم على أن اتخاذ القرار ليس مجرد لحظة يختار فيها الإنسان بين بديلين، وإنما عملية متكاملة تبدأ بفهم الذات وتحديد الهدف وجمع المعلومات ودراسة البدائل ومواجهة الخوف ثم الانتقال إلى التنفيذ وتحمل المسؤولية.
فالقرار الجيد لا يعني أن الإنسان يعرف المستقبل، وإنما يعني أنه استخدم ما لديه من معلومات وخبرة ووعي للوصول إلى أفضل اختيار ممكن في تلك اللحظة.
وهنا تكمن الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من الكتاب: الإنسان لن يستطيع أن يضمن أن كل قرار سيتخذه سيكون صحيحًا، لكنه يستطيع أن يطور الطريقة التي يتخذ بها قراراته، وأن يتعلم من أخطائه، وأن يتحمل مسؤولية اختياراته، وأن يملك الشجاعة لتغيير الطريق عندما تثبت له التجربة أنه لم يعد مناسبًا.
فالنجاح في اتخاذ القرار لا يعني ألا يخطئ الإنسان، وإنما ألا يسمح لخطأ واحد بأن يمنعه من اتخاذ قرارات جديدة.
ولا يعني أن يتخلص من الخوف، وإنما أن يتعلم كيف يمنع الخوف من اتخاذ القرار بدلًا منه.
ولا يعني أن يمتلك كل الإجابات، وإنما أن يعرف كيف يبحث عنها، وكيف يميز بين المعلومات المفيدة والمعلومات المضللة، وكيف يستمع إلى الآخرين دون أن يفقد قدرته على الاختيار.
وفي النهاية، يمكن القول إن القرار الحقيقي لا يبدأ لحظة النطق بكلمة نعم أو لا، وإنما يبدأ عندما يصبح الإنسان أكثر وعيًا بنفسه وبأهدافه وبالنتائج التي يريد الوصول إليها.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لموضوع الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: فن وأسرار اتخاذ القرار
المؤلف: د. إبراهيم الفقي
التصنيف: التنمية البشرية وتطوير الذات واتخاذ القرار
مقاس الكتاب: 14 × 20 سم
الإشراف والرؤية الفنية: محمود خليل
التحرير والمراجعة اللغوية: مسعد خيري
التجهيز الفني: أحمد علي
تصميم الغلاف: إسلام عبد الراضي
رقم الإيداع: 17433 / 2008
الطبعة: الأولى سبتمبر 2008م / 1429هـ
الناشر: بداية للإنتاج الإعلامي
مكان النشر: القاهرة – جمهورية مصر العربية
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.
وتظل جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف والجهات الناشرة وفق القوانين والبيانات الواردة في النسخة المشار إليها، ويُنصح بالرجوع إلى الكتاب الأصلي للاطلاع على العمل كاملًا.







