كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة
ما تنبأ به الكاتب
هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب ولا محاولة لاستبدال قراءته وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة وتناقشها في سياقها وتربطها بالحياة اليومية وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية وهنا لا نقرأ الكلمات فقط بل نحاول أن نقرأ ما وراءها
يناقش كتاب «علم التنويم بالإيحاء» للدكتور إبراهيم الفقي واحدة من القضايا التي ظلت لفترة طويلة محاطة بالكثير من الغموض وهي العلاقة بين العقل الباطن والإيحاء وقدرة الإنسان على التأثير في أفكاره ومشاعره وسلوكياته
فالإنسان لا يعيش فقط بما يراه ويسمعه في اللحظة الحالية وإنما يحمل داخله مجموعة ضخمة من التجارب والذكريات والمعتقدات والصور الذهنية التي تراكمت عبر سنوات حياته وهذه العناصر يمكن أن تؤثر في الطريقة التي ينظر بها إلى نفسه وإلى الآخرين وإلى العالم المحيط به
ومن هنا تأتي أهمية الفكرة الأساسية التي يدور حولها الكتاب وهي أن الإنسان يتأثر بالإيحاء بصورة أكبر مما قد يتخيل والإيحاء لا يأتي فقط من الآخرين وإنما يمكن أن يصنعه الإنسان لنفسه من خلال الكلمات التي يكررها والأفكار التي يسمح لها بالبقاء داخل عقله
وقد يسمع الإنسان كلمة بسيطة في موقف عابر ثم ينسى تفاصيل الموقف لكنه يحتفظ بأثر الكلمة داخله وربما تتحول مع الوقت إلى اعتقاد عن نفسه
قد يقول شخص لطفل أنت ضعيف أو أنت لا تستطيع أو أنت دائمًا تخطئ وربما تبدو هذه الكلمات لحظة غضب عابرة بالنسبة لمن قالها لكنها قد تصبح رسالة يكررها الطفل داخليًا لسنوات
ومن هنا تظهر خطورة الإيحاء السلبي لأنه لا يحتاج دائمًا إلى حدث كبير حتى يترك أثرًا وإنما يمكن أن يبدأ من كلمة أو موقف أو تجربة تتكرر حتى تصبح جزءًا من الصورة التي يكونها الإنسان عن نفسه
وفي المقابل يمكن للإيحاء الإيجابي أن يساعد الإنسان على بناء صورة أكثر توازنًا عن ذاته عندما يستخدم بصورة واعية ومرتبطة بالسلوك والعمل
فالإنسان الذي يكرر لنفسه أنه قادر على التعلم والتطور قد يصبح أكثر استعدادًا للمحاولة من الإنسان الذي يكرر باستمرار أنه عاجز عن النجاح
لكن التفكير الإيجابي لا يعني خداع النفس أو تجاهل الواقع وإنما يعني إعادة بناء الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى قدراته وإمكاناته
ومن الأفكار المهمة التي يفتحها الكتاب أن العقل الباطن يتأثر بالتكرار
فالفكرة التي تتكرر مرة بعد أخرى تصبح مألوفة للعقل ومع استمرار التكرار قد تتحول إلى قناعة ثم تؤثر القناعة في السلوك
وهنا يمكن أن تتحول بعض الأفكار إلى ما يشبه البرامج الداخلية التي توجه الإنسان دون أن ينتبه
الشخص الذي يكرر أنه يخاف من الفشل قد يبدأ في الابتعاد عن التجارب الجديدة والشخص الذي يعتقد أن الناس لا يحبونه قد يفسر أي موقف بسيط باعتباره دليلًا على ذلك والشخص الذي يرى نفسه غير قادر على النجاح قد يتوقف عن المحاولة قبل أن يحصل على فرصة حقيقية
وهكذا تصبح الفكرة سببًا في السلوك ثم يصبح السلوك دليلًا ظاهريًا يؤكد الفكرة
ومن هنا تبدأ أهمية الوعي
فالإنسان يحتاج إلى أن يسأل نفسه من أين جاءت بعض الأفكار التي يحملها وهل هي حقيقة فعلًا أم أنها مجرد أفكار ترسخت بسبب تجربة قديمة أو كلمة مؤثرة أو موقف مؤلم
وقد يحمل الإنسان اعتقادًا عن نفسه لسنوات طويلة دون أن يسأل لماذا أعتقد ذلك أصلًا
قد يقول أنا لا أستطيع التحدث أمام الناس أو أنا ضعيف في التعامل مع الآخرين أو أنا دائمًا سيئ الحظ أو لا يمكنني تغيير حياتي
لكن مجرد طرح السؤال يمكن أن يفتح بابًا جديدًا هل هذه حقيقة ثابتة أم تجربة قابلة للتغيير
وهنا يصبح التنويم بالإيحاء مرتبطًا بفكرة أوسع وهي إعادة التعامل مع العقل بصورة أكثر وعيًا
فالإنسان قد يكون أكثر تأثرًا بالكلمات التي يقولها لنفسه مما يتصور
والحوار الداخلي يمثل جزءًا مهمًا من حياة الإنسان لأنه الصوت الذي يصاحبه طوال الوقت
وقد يكون هذا الصوت مصدر دعم وتشجيع وقد يتحول في أوقات أخرى إلى مصدر دائم للنقد واللوم
والإنسان الذي يقضي ساعات طويلة في لوم نفسه على أخطاء الماضي قد يعيش داخل دائرة من الأفكار السلبية حتى لو تغيرت الظروف المحيطة به
ومن هنا تأتي أهمية استخدام الإيحاء بصورة إيجابية
فالرسائل التي يوجهها الإنسان إلى نفسه يمكن أن تساعده على بناء حالة ذهنية أكثر استعدادًا للتغيير
لكن الرسالة الإيجابية تحتاج إلى أن تكون واقعية وقابلة للتصديق
فليس المطلوب أن يقنع الإنسان نفسه بأنه قادر على فعل أي شيء بلا حدود وإنما أن يركز على قدرته على التعلم والتحسن والتقدم
والفرق هنا مهم جدًا
أن تقول لنفسك سأصبح أفضل مع الوقت والعمل والتدريب يختلف عن أن تقول لنفسك أنا أفضل إنسان في العالم دون أي أساس
الأول يفتح الطريق أمام العمل والثاني قد يتحول إلى مجرد وهم
كما يرتبط الإيحاء بالاسترخاء والهدوء
فالإنسان الذي يعيش في حالة مستمرة من التوتر والقلق قد يجد صعوبة في التركيز على أفكاره ومشاعره
بينما يساعد الهدوء على زيادة التركيز والانتباه إلى ما يحدث داخل الإنسان
ومن هنا تظهر أهمية التنفس والاسترخاء والتركيز في بعض أساليب التنويم بالإيحاء
فالهدف ليس أن يفقد الإنسان السيطرة على نفسه وإنما أن يصل إلى حالة من الهدوء والتركيز تجعله أكثر قدرة على التعامل مع الأفكار والرسائل التي يوجهها إلى نفسه
وهذه نقطة مهمة لأن الصورة الشعبية عن التنويم قد تكون مختلفة عن المفهوم الذي يناقشه الكتاب
فالتنويم بالإيحاء لا يعني بالضرورة أن الإنسان يصبح فاقدًا للإرادة أو يتحول إلى شخص يتحكم فيه الآخرون كما تظهر أحيانًا في الأفلام والحكايات الشعبية
بل يمكن النظر إليه باعتباره حالة من التركيز والاسترخاء يكون فيها الإنسان أكثر قابلية للتفاعل مع الإيحاءات التي تتفق مع أهدافه وقناعاته
ومن هنا تبرز مسألة الإرادة
فالإنسان لا ينبغي أن يتعامل مع التنويم باعتباره قوة خارقة تستطيع أن تلغي إرادته أو تجعله يفعل أي شيء دون رغبته
وإنما ترتبط فاعلية الإيحاء بدرجة كبيرة باستعداد الشخص وقبوله وتركيزه
كما أن الإيحاء موجود في الحياة اليومية بصورة أكبر مما نعتقد
الإعلانات تستخدم الإيحاء
والأصدقاء يستخدمونه
والأسرة تستخدمه
والمجتمع يستخدمه
وحتى الإنسان مع نفسه يستخدمه
فالكلمات المتكررة والصور التي يراها الإنسان والقصص التي يسمعها يمكن أن تؤثر في طريقة تفكيره
ولهذا فإن السؤال ليس هل نتأثر بالإيحاء أم لا وإنما كيف نتأثر به وكيف يمكن أن نستخدمه بصورة أفضل
ومن هنا تصبح البيئة المحيطة بالإنسان عنصرًا مهمًا
فالشخص الذي يعيش وسط أشخاص يكررون باستمرار عبارات الإحباط والفشل قد يجد نفسه مع الوقت أكثر ميلًا إلى التشاؤم حتى لو لم يكن كذلك في البداية
بينما يمكن للبيئة الداعمة أن تساعد الإنسان على اكتشاف قدراته وتشجعه على التجربة
لكن هذا لا يعني أن الإنسان يجب أن يعيش بعيدًا عن كل رأي سلبي وإنما أن يكون أكثر وعيًا بما يسمح له بالدخول إلى عقله
كما أن الإيحاء لا يأتي فقط من الكلمات
فالصورة أيضًا يمكن أن تكون رسالة
والتجربة يمكن أن تكون رسالة
والتكرار يمكن أن يكون رسالة
ولهذا فإن الإنسان يحتاج إلى مراقبة ما يتعرض له يوميًا لأن العقل لا يعمل في فراغ
ومن الأفكار المهمة كذلك العلاقة بين الإيحاء والعادات
فالعادة تبدأ في كثير من الأحيان بسلوك يتكرر ومع التكرار يصبح السلوك أكثر سهولة وأقل احتياجًا للتفكير الواعي
ولهذا فإن تغيير بعض العادات يحتاج إلى تغيير الرسائل والأفكار المرتبطة بها
الشخص الذي يريد التخلص من عادة معينة لا يحتاج فقط إلى أن يقول لن أفعلها مرة أخرى وإنما يحتاج إلى أن يفهم الظروف التي تدفعه إليها وأن يضع بدائل عملية ويكرر السلوك الجديد حتى يصبح أكثر ثباتًا
وهنا تظهر نقطة مهمة وهي أن الإيحاء وحده لا يصنع المعجزات
فالكلمات لا يمكن أن تحل محل العمل
والتخيل لا يمكن أن يحل محل التدريب
والرغبة في التغيير لا تكفي دون خطوات حقيقية
يمكن للإيحاء أن يساعد الإنسان على تهيئة ذهنه لكنه يحتاج بعد ذلك إلى تحويل الفكرة إلى سلوك
ومن هنا يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره دعوة إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الإنسان وعقله وليس مجرد مجموعة من التقنيات
فالهدف الأكبر هو أن يصبح الإنسان أكثر وعيًا بالأفكار التي يحملها وبالرسائل التي يستقبلها وبالطريقة التي يتحدث بها مع نفسه
كما يناقش مفهوم الإيحاء فكرة الثقة بالنفس
فالإنسان الذي يحمل صورة سلبية عن نفسه قد يتصرف على أساس هذه الصورة حتى لو كانت قدراته الحقيقية أفضل بكثير
وقد يرفض فرصة لأنه يعتقد أنه لن ينجح فيها
وقد يتجنب الحديث أمام الآخرين لأنه مقتنع بأنه سيخطئ
وقد لا يبدأ مشروعًا لأنه يرى نفسه غير قادر على النجاح
وهنا يمكن للإيحاء الإيجابي أن يلعب دورًا في تغيير الصورة الداخلية عندما يكون مصحوبًا بالتدريب والممارسة
فالثقة لا تأتي من الكلمات وحدها وإنما تنمو عندما يرى الإنسان نفسه يتقدم ولو بخطوات صغيرة
ومن هنا يصبح النجاح نفسه مصدرًا للإيحاء الإيجابي
كل تجربة ينجح فيها الإنسان تمنحه رسالة جديدة عن قدرته
وكل مهارة يتعلمها تكسر جزءًا من الاعتقاد القديم بأنه لا يستطيع
كما أن الفشل يمكن أن يتحول إلى مصدر إيحاء سلبي إذا أساء الإنسان تفسيره
فقد يفشل شخص في تجربة واحدة ثم يقول لنفسه أنا لا أنجح أبدًا
وهنا تتحول تجربة محدودة إلى حكم شامل
بينما يستطيع شخص آخر أن يقول لم أنجح هذه المرة وسأحاول معرفة السبب
الفرق بين الجملتين بسيط في الشكل لكنه كبير في التأثير
الأولى تغلق الباب والثانية تتركه مفتوحًا
ومن هنا يمكن القول إن الإنسان لا يتأثر فقط بما يحدث له وإنما بالمعنى الذي يمنحه لما حدث
كما أن الكتاب يلفت الانتباه إلى أهمية الاستعداد النفسي قبل القيام بأي تغيير
فالإنسان الذي يريد تغيير عادة أو التخلص من خوف أو بناء ثقة جديدة يحتاج إلى أن يؤمن بإمكانية التغيير وأن يكرر الرسائل التي تدعم هذا الهدف
لكن الإيمان وحده لا يكفي
لابد من ممارسة
ولابد من صبر
ولابد من تكرار
ولابد من مراجعة النتائج
وهنا يصبح التنويم بالإيحاء جزءًا من منظومة أوسع للتغيير الشخصي
ومن القضايا التي تحتاج إلى التأمل أيضًا أن العقل قد يركز على ما يؤكده اعتقاده السابق
فإذا كان الإنسان يعتقد أن الآخرين لا يحبونه فقد يلاحظ المواقف التي تؤكد هذا الاعتقاد ويتجاهل المواقف التي تثبت العكس
ولهذا فإن تغيير الاعتقاد يحتاج أحيانًا إلى البحث عن أدلة جديدة وليس مجرد ترديد عبارات مختلفة
والوعي هنا يمثل الخطوة الأولى
أن تتوقف أمام الفكرة وتسأل هل هي حقيقة أم تفسير
هل هي قاعدة أم تجربة
هل تنطبق على كل المواقف أم على موقف واحد
هل هناك دليل على عكسها
وهذه الأسئلة يمكن أن تمنح الإنسان مساحة أكبر بين الفكرة ورد الفعل
ومن هنا تظهر أهمية التفكير الواعي حتى في موضوع التنويم بالإيحاء
فليس الهدف أن يصدق الإنسان كل رسالة إيجابية لمجرد أنها إيجابية
بل أن يتعلم كيف يختار الرسائل التي تساعده فعلًا
كما أن الإنسان يحتاج إلى أن ينتبه إلى الرسائل التي يقدمها للآخرين
فالكلمة التي نقولها لطفل أو لشخص يمر بمرحلة ضعف قد تترك أثرًا طويلًا
ولهذا فإن الإيحاء مسؤولية أيضًا
فالمدرس والأب والأم والصديق والمدير والصحفي والإعلامي وكل شخص يتعامل مع الآخرين يستطيع أن يترك رسالة داخل شخص آخر
قد تكون هذه الرسالة دافعة إلى الأمام أو سببًا في إضعاف الثقة بالنفس
ومن هنا لا يصبح علم الإيحاء مجرد موضوع شخصي وإنما موضوعًا له علاقة بالتربية والعلاقات والعمل والإعلام والمجتمع
كما أن الإعلام نفسه يستطيع أن يصنع إيحاءات جماعية
تكرار صورة معينة عن النجاح أو الفشل أو الخوف أو الأمل يمكن أن يؤثر في طريقة نظر الناس إلى الواقع
ولهذا فإن الوعي بما نستهلكه من محتوى لا يقل أهمية عن الوعي بما نقوله لأنفسنا
ومن ناحية أخرى يحتاج الإنسان إلى ألا يبالغ في قوة التفكير أو الإيحاء إلى درجة تحميل نفسه مسؤولية كل ما يحدث له
فالحياة تحتوي على ظروف خارج إرادة الإنسان وهناك أحداث لا يمكن السيطرة عليها
ولا يمكن اختزال كل مشكلة في أن الإنسان فكر بطريقة خاطئة
هناك عوامل اجتماعية واقتصادية وصحية ونفسية وبيئية يمكن أن تؤثر في حياة الإنسان
ولهذا فإن التفكير الإيجابي يكون أكثر فائدة عندما يساعد الإنسان على التعامل مع الواقع بدلًا من إنكار الواقع
ومن هنا يمكن فهم الإيحاء باعتباره أداة مساعدة وليس حلًا سحريًا
فالإنسان قد يحتاج إلى طبيب أو متخصص أو تدريب أو تعليم أو دعم اجتماعي إلى جانب أي أسلوب ذهني يستخدمه
وهذا مهم خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمشكلات النفسية أو الصحية التي تحتاج إلى تقييم متخصص
كما أن التنويم بالإيحاء لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لاستغلال الناس أو السيطرة عليهم
فأي استخدام مسؤول لهذا المجال يجب أن يقوم على احترام الإنسان وإرادته ووعيه وحقه في الاختيار
والفكرة الأهم التي يمكن استخلاصها من الكتاب أن الإنسان يحمل بداخله قدرة كبيرة على التأثر والتأثير
قد لا يستطيع أن يمنع كل الرسائل التي تصل إليه لكنه يستطيع أن يصبح أكثر انتباهًا إليها
وقد لا يستطيع تغيير الماضي لكنه يستطيع أن يغير الرسائل التي يحملها من الماضي إلى الحاضر
وقد لا يستطيع التحكم في الآخرين لكنه يستطيع أن يختار الطريقة التي يتعامل بها معهم
ومن هنا يمكن أن يصبح العقل شريكًا في صناعة التغيير بدلًا من أن يكون مصدرًا دائمًا للصراع
وعندما تُطوى الصفحة الأخيرة لا تنتهي الرحلة بل تبدأ مرحلة جديدة إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ وهناك تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية
يقدم كتاب «علم التنويم بالإيحاء» رؤية تركز على تأثير العقل الباطن والإيحاء والتكرار والاسترخاء والصورة الذهنية في حياة الإنسان
والرسالة الأهم التي يمكن الخروج بها من الكتاب هي أن الإنسان يحتاج إلى أن يكون أكثر وعيًا بالرسائل التي يستقبلها والرسائل التي يكررها على نفسه
فالكلمة قد تصبح فكرة والفكرة قد تتحول إلى اعتقاد والاعتقاد يمكن أن يؤثر في السلوك والسلوك المتكرر قد يصبح عادة والعادات تساهم في تشكيل طريقة الحياة
لكن قوة الإيحاء لا تعني إلغاء دور العمل أو الواقع
فالإنسان يستطيع أن يغير طريقة تفكيره لكنه يحتاج أيضًا إلى أن يغير سلوكه ويتعلم ويجرب ويخطئ ويصحح ويستمر
ومن هنا فإن أفضل استخدام لفكرة الإيحاء هو أن تساعد الإنسان على فتح الباب أمام التغيير ثم يدخل هو هذا الباب بقراراته وأفعاله
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لموضوع الكتاب عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة دون إعادة إنتاج النص الأصلي أو الاكتفاء بسرده ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: علم التنويم بالإيحاء
المؤلف: د. إبراهيم الفقي
الطبعة: الأولى سبتمبر 2010م / 1431هـ
التصنيف: تطوير الذات والتفكير والإيحاء
مقاس الكتاب: 14.5 × 21 سم
رقم الإيداع: 2010 / 16281
إشراف ورؤية فنية: محمود خليل
تجهيز فني: أحمد علي
تصميم الغلاف: خالد هيكل
صورة فوتوغرافية: عنتر معوض
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه
وتظل جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف والناشر وفق البيانات الواردة في النسخة المشار إليها ويُنصح بالرجوع إلى الكتاب الأصلي للاطلاع على العمل كاملًاقراءة في كتاب علم التنويم بالإيحاء – د. إبراهيم الفقي
علم التنويم بالإيحاء.. كيف يمكن للعقل أن يصبح طريقًا إلى التغيير؟
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة
هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب ولا محاولة لاستبدال قراءته وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة وتناقشها في سياقها وتربطها بالحياة اليومية وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية وهنا لا نقرأ الكلمات فقط بل نحاول أن نقرأ ما وراءها
يناقش كتاب «علم التنويم بالإيحاء» للدكتور إبراهيم الفقي واحدة من القضايا التي ظلت لفترة طويلة محاطة بالكثير من الغموض وهي العلاقة بين العقل الباطن والإيحاء وقدرة الإنسان على التأثير في أفكاره ومشاعره وسلوكياته
فالإنسان لا يعيش فقط بما يراه ويسمعه في اللحظة الحالية وإنما يحمل داخله مجموعة ضخمة من التجارب والذكريات والمعتقدات والصور الذهنية التي تراكمت عبر سنوات حياته وهذه العناصر يمكن أن تؤثر في الطريقة التي ينظر بها إلى نفسه وإلى الآخرين وإلى العالم المحيط به
ومن هنا تأتي أهمية الفكرة الأساسية التي يدور حولها الكتاب وهي أن الإنسان يتأثر بالإيحاء بصورة أكبر مما قد يتخيل والإيحاء لا يأتي فقط من الآخرين وإنما يمكن أن يصنعه الإنسان لنفسه من خلال الكلمات التي يكررها والأفكار التي يسمح لها بالبقاء داخل عقله
وقد يسمع الإنسان كلمة بسيطة في موقف عابر ثم ينسى تفاصيل الموقف لكنه يحتفظ بأثر الكلمة داخله وربما تتحول مع الوقت إلى اعتقاد عن نفسه
قد يقول شخص لطفل أنت ضعيف أو أنت لا تستطيع أو أنت دائمًا تخطئ وربما تبدو هذه الكلمات لحظة غضب عابرة بالنسبة لمن قالها لكنها قد تصبح رسالة يكررها الطفل داخليًا لسنوات
ومن هنا تظهر خطورة الإيحاء السلبي لأنه لا يحتاج دائمًا إلى حدث كبير حتى يترك أثرًا وإنما يمكن أن يبدأ من كلمة أو موقف أو تجربة تتكرر حتى تصبح جزءًا من الصورة التي يكونها الإنسان عن نفسه
وفي المقابل يمكن للإيحاء الإيجابي أن يساعد الإنسان على بناء صورة أكثر توازنًا عن ذاته عندما يستخدم بصورة واعية ومرتبطة بالسلوك والعمل
فالإنسان الذي يكرر لنفسه أنه قادر على التعلم والتطور قد يصبح أكثر استعدادًا للمحاولة من الإنسان الذي يكرر باستمرار أنه عاجز عن النجاح
لكن التفكير الإيجابي لا يعني خداع النفس أو تجاهل الواقع وإنما يعني إعادة بناء الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى قدراته وإمكاناته
ومن الأفكار المهمة التي يفتحها الكتاب أن العقل الباطن يتأثر بالتكرار
فالفكرة التي تتكرر مرة بعد أخرى تصبح مألوفة للعقل ومع استمرار التكرار قد تتحول إلى قناعة ثم تؤثر القناعة في السلوك
وهنا يمكن أن تتحول بعض الأفكار إلى ما يشبه البرامج الداخلية التي توجه الإنسان دون أن ينتبه
الشخص الذي يكرر أنه يخاف من الفشل قد يبدأ في الابتعاد عن التجارب الجديدة والشخص الذي يعتقد أن الناس لا يحبونه قد يفسر أي موقف بسيط باعتباره دليلًا على ذلك والشخص الذي يرى نفسه غير قادر على النجاح قد يتوقف عن المحاولة قبل أن يحصل على فرصة حقيقية
وهكذا تصبح الفكرة سببًا في السلوك ثم يصبح السلوك دليلًا ظاهريًا يؤكد الفكرة
ومن هنا تبدأ أهمية الوعي
فالإنسان يحتاج إلى أن يسأل نفسه من أين جاءت بعض الأفكار التي يحملها وهل هي حقيقة فعلًا أم أنها مجرد أفكار ترسخت بسبب تجربة قديمة أو كلمة مؤثرة أو موقف مؤلم
وقد يحمل الإنسان اعتقادًا عن نفسه لسنوات طويلة دون أن يسأل لماذا أعتقد ذلك أصلًا
قد يقول أنا لا أستطيع التحدث أمام الناس أو أنا ضعيف في التعامل مع الآخرين أو أنا دائمًا سيئ الحظ أو لا يمكنني تغيير حياتي
لكن مجرد طرح السؤال يمكن أن يفتح بابًا جديدًا هل هذه حقيقة ثابتة أم تجربة قابلة للتغيير
وهنا يصبح التنويم بالإيحاء مرتبطًا بفكرة أوسع وهي إعادة التعامل مع العقل بصورة أكثر وعيًا
فالإنسان قد يكون أكثر تأثرًا بالكلمات التي يقولها لنفسه مما يتصور
والحوار الداخلي يمثل جزءًا مهمًا من حياة الإنسان لأنه الصوت الذي يصاحبه طوال الوقت
وقد يكون هذا الصوت مصدر دعم وتشجيع وقد يتحول في أوقات أخرى إلى مصدر دائم للنقد واللوم
والإنسان الذي يقضي ساعات طويلة في لوم نفسه على أخطاء الماضي قد يعيش داخل دائرة من الأفكار السلبية حتى لو تغيرت الظروف المحيطة به
ومن هنا تأتي أهمية استخدام الإيحاء بصورة إيجابية
فالرسائل التي يوجهها الإنسان إلى نفسه يمكن أن تساعده على بناء حالة ذهنية أكثر استعدادًا للتغيير
لكن الرسالة الإيجابية تحتاج إلى أن تكون واقعية وقابلة للتصديق
فليس المطلوب أن يقنع الإنسان نفسه بأنه قادر على فعل أي شيء بلا حدود وإنما أن يركز على قدرته على التعلم والتحسن والتقدم
والفرق هنا مهم جدًا
أن تقول لنفسك سأصبح أفضل مع الوقت والعمل والتدريب يختلف عن أن تقول لنفسك أنا أفضل إنسان في العالم دون أي أساس
الأول يفتح الطريق أمام العمل والثاني قد يتحول إلى مجرد وهم
كما يرتبط الإيحاء بالاسترخاء والهدوء
فالإنسان الذي يعيش في حالة مستمرة من التوتر والقلق قد يجد صعوبة في التركيز على أفكاره ومشاعره
بينما يساعد الهدوء على زيادة التركيز والانتباه إلى ما يحدث داخل الإنسان
ومن هنا تظهر أهمية التنفس والاسترخاء والتركيز في بعض أساليب التنويم بالإيحاء
فالهدف ليس أن يفقد الإنسان السيطرة على نفسه وإنما أن يصل إلى حالة من الهدوء والتركيز تجعله أكثر قدرة على التعامل مع الأفكار والرسائل التي يوجهها إلى نفسه
وهذه نقطة مهمة لأن الصورة الشعبية عن التنويم قد تكون مختلفة عن المفهوم الذي يناقشه الكتاب
فالتنويم بالإيحاء لا يعني بالضرورة أن الإنسان يصبح فاقدًا للإرادة أو يتحول إلى شخص يتحكم فيه الآخرون كما تظهر أحيانًا في الأفلام والحكايات الشعبية
بل يمكن النظر إليه باعتباره حالة من التركيز والاسترخاء يكون فيها الإنسان أكثر قابلية للتفاعل مع الإيحاءات التي تتفق مع أهدافه وقناعاته
ومن هنا تبرز مسألة الإرادة
فالإنسان لا ينبغي أن يتعامل مع التنويم باعتباره قوة خارقة تستطيع أن تلغي إرادته أو تجعله يفعل أي شيء دون رغبته
وإنما ترتبط فاعلية الإيحاء بدرجة كبيرة باستعداد الشخص وقبوله وتركيزه
كما أن الإيحاء موجود في الحياة اليومية بصورة أكبر مما نعتقد
الإعلانات تستخدم الإيحاء
والأصدقاء يستخدمونه
والأسرة تستخدمه
والمجتمع يستخدمه
وحتى الإنسان مع نفسه يستخدمه
فالكلمات المتكررة والصور التي يراها الإنسان والقصص التي يسمعها يمكن أن تؤثر في طريقة تفكيره
ولهذا فإن السؤال ليس هل نتأثر بالإيحاء أم لا وإنما كيف نتأثر به وكيف يمكن أن نستخدمه بصورة أفضل
ومن هنا تصبح البيئة المحيطة بالإنسان عنصرًا مهمًا
فالشخص الذي يعيش وسط أشخاص يكررون باستمرار عبارات الإحباط والفشل قد يجد نفسه مع الوقت أكثر ميلًا إلى التشاؤم حتى لو لم يكن كذلك في البداية
بينما يمكن للبيئة الداعمة أن تساعد الإنسان على اكتشاف قدراته وتشجعه على التجربة
لكن هذا لا يعني أن الإنسان يجب أن يعيش بعيدًا عن كل رأي سلبي وإنما أن يكون أكثر وعيًا بما يسمح له بالدخول إلى عقله
كما أن الإيحاء لا يأتي فقط من الكلمات
فالصورة أيضًا يمكن أن تكون رسالة
والتجربة يمكن أن تكون رسالة
والتكرار يمكن أن يكون رسالة
ولهذا فإن الإنسان يحتاج إلى مراقبة ما يتعرض له يوميًا لأن العقل لا يعمل في فراغ
ومن الأفكار المهمة كذلك العلاقة بين الإيحاء والعادات
فالعادة تبدأ في كثير من الأحيان بسلوك يتكرر ومع التكرار يصبح السلوك أكثر سهولة وأقل احتياجًا للتفكير الواعي
ولهذا فإن تغيير بعض العادات يحتاج إلى تغيير الرسائل والأفكار المرتبطة بها
الشخص الذي يريد التخلص من عادة معينة لا يحتاج فقط إلى أن يقول لن أفعلها مرة أخرى وإنما يحتاج إلى أن يفهم الظروف التي تدفعه إليها وأن يضع بدائل عملية ويكرر السلوك الجديد حتى يصبح أكثر ثباتًا
وهنا تظهر نقطة مهمة وهي أن الإيحاء وحده لا يصنع المعجزات
فالكلمات لا يمكن أن تحل محل العمل
والتخيل لا يمكن أن يحل محل التدريب
والرغبة في التغيير لا تكفي دون خطوات حقيقية
يمكن للإيحاء أن يساعد الإنسان على تهيئة ذهنه لكنه يحتاج بعد ذلك إلى تحويل الفكرة إلى سلوك
ومن هنا يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره دعوة إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الإنسان وعقله وليس مجرد مجموعة من التقنيات
فالهدف الأكبر هو أن يصبح الإنسان أكثر وعيًا بالأفكار التي يحملها وبالرسائل التي يستقبلها وبالطريقة التي يتحدث بها مع نفسه
كما يناقش مفهوم الإيحاء فكرة الثقة بالنفس
فالإنسان الذي يحمل صورة سلبية عن نفسه قد يتصرف على أساس هذه الصورة حتى لو كانت قدراته الحقيقية أفضل بكثير
وقد يرفض فرصة لأنه يعتقد أنه لن ينجح فيها
وقد يتجنب الحديث أمام الآخرين لأنه مقتنع بأنه سيخطئ
وقد لا يبدأ مشروعًا لأنه يرى نفسه غير قادر على النجاح
وهنا يمكن للإيحاء الإيجابي أن يلعب دورًا في تغيير الصورة الداخلية عندما يكون مصحوبًا بالتدريب والممارسة
فالثقة لا تأتي من الكلمات وحدها وإنما تنمو عندما يرى الإنسان نفسه يتقدم ولو بخطوات صغيرة
ومن هنا يصبح النجاح نفسه مصدرًا للإيحاء الإيجابي
كل تجربة ينجح فيها الإنسان تمنحه رسالة جديدة عن قدرته
وكل مهارة يتعلمها تكسر جزءًا من الاعتقاد القديم بأنه لا يستطيع
كما أن الفشل يمكن أن يتحول إلى مصدر إيحاء سلبي إذا أساء الإنسان تفسيره
فقد يفشل شخص في تجربة واحدة ثم يقول لنفسه أنا لا أنجح أبدًا
وهنا تتحول تجربة محدودة إلى حكم شامل
بينما يستطيع شخص آخر أن يقول لم أنجح هذه المرة وسأحاول معرفة السبب
الفرق بين الجملتين بسيط في الشكل لكنه كبير في التأثير
الأولى تغلق الباب والثانية تتركه مفتوحًا
ومن هنا يمكن القول إن الإنسان لا يتأثر فقط بما يحدث له وإنما بالمعنى الذي يمنحه لما حدث
كما أن الكتاب يلفت الانتباه إلى أهمية الاستعداد النفسي قبل القيام بأي تغيير
فالإنسان الذي يريد تغيير عادة أو التخلص من خوف أو بناء ثقة جديدة يحتاج إلى أن يؤمن بإمكانية التغيير وأن يكرر الرسائل التي تدعم هذا الهدف
لكن الإيمان وحده لا يكفي
لابد من ممارسة
ولابد من صبر
ولابد من تكرار
ولابد من مراجعة النتائج
وهنا يصبح التنويم بالإيحاء جزءًا من منظومة أوسع للتغيير الشخصي
ومن القضايا التي تحتاج إلى التأمل أيضًا أن العقل قد يركز على ما يؤكده اعتقاده السابق
فإذا كان الإنسان يعتقد أن الآخرين لا يحبونه فقد يلاحظ المواقف التي تؤكد هذا الاعتقاد ويتجاهل المواقف التي تثبت العكس
ولهذا فإن تغيير الاعتقاد يحتاج أحيانًا إلى البحث عن أدلة جديدة وليس مجرد ترديد عبارات مختلفة
والوعي هنا يمثل الخطوة الأولى
أن تتوقف أمام الفكرة وتسأل هل هي حقيقة أم تفسير
هل هي قاعدة أم تجربة
هل تنطبق على كل المواقف أم على موقف واحد
هل هناك دليل على عكسها
وهذه الأسئلة يمكن أن تمنح الإنسان مساحة أكبر بين الفكرة ورد الفعل
ومن هنا تظهر أهمية التفكير الواعي حتى في موضوع التنويم بالإيحاء
فليس الهدف أن يصدق الإنسان كل رسالة إيجابية لمجرد أنها إيجابية
بل أن يتعلم كيف يختار الرسائل التي تساعده فعلًا
كما أن الإنسان يحتاج إلى أن ينتبه إلى الرسائل التي يقدمها للآخرين
فالكلمة التي نقولها لطفل أو لشخص يمر بمرحلة ضعف قد تترك أثرًا طويلًا
ولهذا فإن الإيحاء مسؤولية أيضًا
فالمدرس والأب والأم والصديق والمدير والصحفي والإعلامي وكل شخص يتعامل مع الآخرين يستطيع أن يترك رسالة داخل شخص آخر
قد تكون هذه الرسالة دافعة إلى الأمام أو سببًا في إضعاف الثقة بالنفس
ومن هنا لا يصبح علم الإيحاء مجرد موضوع شخصي وإنما موضوعًا له علاقة بالتربية والعلاقات والعمل والإعلام والمجتمع
كما أن الإعلام نفسه يستطيع أن يصنع إيحاءات جماعية
تكرار صورة معينة عن النجاح أو الفشل أو الخوف أو الأمل يمكن أن يؤثر في طريقة نظر الناس إلى الواقع
ولهذا فإن الوعي بما نستهلكه من محتوى لا يقل أهمية عن الوعي بما نقوله لأنفسنا
ومن ناحية أخرى يحتاج الإنسان إلى ألا يبالغ في قوة التفكير أو الإيحاء إلى درجة تحميل نفسه مسؤولية كل ما يحدث له
فالحياة تحتوي على ظروف خارج إرادة الإنسان وهناك أحداث لا يمكن السيطرة عليها
ولا يمكن اختزال كل مشكلة في أن الإنسان فكر بطريقة خاطئة
هناك عوامل اجتماعية واقتصادية وصحية ونفسية وبيئية يمكن أن تؤثر في حياة الإنسان
ولهذا فإن التفكير الإيجابي يكون أكثر فائدة عندما يساعد الإنسان على التعامل مع الواقع بدلًا من إنكار الواقع
ومن هنا يمكن فهم الإيحاء باعتباره أداة مساعدة وليس حلًا سحريًا
فالإنسان قد يحتاج إلى طبيب أو متخصص أو تدريب أو تعليم أو دعم اجتماعي إلى جانب أي أسلوب ذهني يستخدمه
وهذا مهم خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمشكلات النفسية أو الصحية التي تحتاج إلى تقييم متخصص
كما أن التنويم بالإيحاء لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لاستغلال الناس أو السيطرة عليهم
فأي استخدام مسؤول لهذا المجال يجب أن يقوم على احترام الإنسان وإرادته ووعيه وحقه في الاختيار
والفكرة الأهم التي يمكن استخلاصها من الكتاب أن الإنسان يحمل بداخله قدرة كبيرة على التأثر والتأثير
قد لا يستطيع أن يمنع كل الرسائل التي تصل إليه لكنه يستطيع أن يصبح أكثر انتباهًا إليها
وقد لا يستطيع تغيير الماضي لكنه يستطيع أن يغير الرسائل التي يحملها من الماضي إلى الحاضر
وقد لا يستطيع التحكم في الآخرين لكنه يستطيع أن يختار الطريقة التي يتعامل بها معهم
ومن هنا يمكن أن يصبح العقل شريكًا في صناعة التغيير بدلًا من أن يكون مصدرًا دائمًا للصراع
وعندما تُطوى الصفحة الأخيرة لا تنتهي الرحلة بل تبدأ مرحلة جديدة إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ وهناك تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية
يقدم كتاب «علم التنويم بالإيحاء» رؤية تركز على تأثير العقل الباطن والإيحاء والتكرار والاسترخاء والصورة الذهنية في حياة الإنسان
والرسالة الأهم التي يمكن الخروج بها من الكتاب هي أن الإنسان يحتاج إلى أن يكون أكثر وعيًا بالرسائل التي يستقبلها والرسائل التي يكررها على نفسه
فالكلمة قد تصبح فكرة والفكرة قد تتحول إلى اعتقاد والاعتقاد يمكن أن يؤثر في السلوك والسلوك المتكرر قد يصبح عادة والعادات تساهم في تشكيل طريقة الحياة
لكن قوة الإيحاء لا تعني إلغاء دور العمل أو الواقع
فالإنسان يستطيع أن يغير طريقة تفكيره لكنه يحتاج أيضًا إلى أن يغير سلوكه ويتعلم ويجرب ويخطئ ويصحح ويستمر
ومن هنا فإن أفضل استخدام لفكرة الإيحاء هو أن تساعد الإنسان على فتح الباب أمام التغيير ثم يدخل هو هذا الباب بقراراته وأفعاله
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لموضوع الكتاب عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة دون إعادة إنتاج النص الأصلي أو الاكتفاء بسرده ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: علم التنويم بالإيحاء
المؤلف: د. إبراهيم الفقي
الطبعة: الأولى سبتمبر 2010م / 1431هـ
التصنيف: تطوير الذات والتفكير والإيحاء
مقاس الكتاب: 14.5 × 21 سم
رقم الإيداع: 2010 / 16281
إشراف ورؤية فنية: محمود خليل
تجهيز فني: أحمد علي
تصميم الغلاف: خالد هيكل
صورة فوتوغرافية: عنتر معوض
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه
وتظل جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف والناشر وفق البيانات الواردة في النسخة المشار إليها ويُنصح بالرجوع إلى الكتاب الأصلي للاطلاع على العمل كاملًا







