يحمل الخريج الجديد شهادته الجامعية بيمينه، ملتقطًا صورة التخرج باليد الأخرى، وعلى وجهه ابتسامة يمتزج فيها الفرح بالارتياح، لكن سرعان ما تتوارى هذه اللحظة الرمزية أمام واقع مأزوم يبدأ فور الخروج من بوابة الجامعة.
يتكرر هذا المشهد سنويًا مع آلاف الخريجين في مختلف التخصصات، حيث يصطدم طموح الحصول على وظيفة في مجال التخصص بجدار رفض أرباب العمل، لتبرز أزمة تتكرر عامًا بعد آخر وتثير تساؤلًا جوهريًا: لماذا يعجز خريجو اليوم عن إيجاد فرص عمل تناسب تخصصاتهم؟
ويرصد عدد من الخبراء أسبابًا متعددة لهذه الأزمة المتوارثة منذ عقود طويلة، يأتي في مقدمتها المناهج الأكاديمية خارج نطاق الخدمة، إذ تعتمد غالبية الجامعات على مقررات نظرية تم إعدادها منذ سنوات طويلة، وتكتفي بحشو الأذهان بالنظريات القابلة للحفظ والتسميع، في مقابل إهمال التطبيق العملي وربط المعرفة باحتياجات سوق العمل الفعلية.
كما يمثل الركود الأكاديمي أحد أبرز أسباب اتساع الفجوة، فسوق العمل يتغير بصورة مستمرة بفعل التطور التكنولوجي، بينما تستغرق عملية تعديل المناهج الجامعية سنوات طويلة، وهو ما يجعل بعض الخريجين يصلون إلى سوق العمل بمهارات لم تعد تتوافق بشكل كامل مع متطلباته.
ويضاف إلى ذلك التركيز على الكم بدلًا من الكيف، حيث أصبحت الأولوية في كثير من الأحيان لتحصيل الدرجات والنجاح في الاختبارات، بدلًا من تدريب الطالب على كيفية بناء نظام، أو إدارة مشروع، أو التعامل مع مشكلة واقعية، بما يضعف الجانب التطبيقي في شخصية الخريج.
فجوة المهارات.. ماذا يريد سوق العمل؟
يبحث أصحاب الشركات اليوم عن مهارات مرنة ومتنوعة تتجاوز الدرجات الأكاديمية المدونة في كشف الدرجات، وفي مقدمتها المهارات التقنية والقيادية واللغوية، إلى جانب القدرة على التواصل وحل المشكلات والتكيف مع المتغيرات.
وتتجلى فجوة المهارات في جانبين رئيسيين، أولهما المهارات التقنية، إذ يتخرج بعض الطلاب دون معرفة عملية بأحدث أدوات الذكاء الاصطناعي أو تحليل البيانات، بينما ينهي طلاب التخصصات الإدارية دراستهم دون إتقان الأدوات الرقمية الحديثة المرتبطة بإدارة المشروعات وتحليل الأعمال.
أما الجانب الثاني فيتمثل في المهارات الناعمة، حيث يفتقر كثير من الخريجين إلى مهارات التواصل الفعال، والتفكير النقدي، وحل المشكلات، والعمل الجماعي تحت الضغط، وهي مهارات أصبحت من العناصر الأساسية التي يبحث عنها أصحاب العمل إلى جانب المؤهل الأكاديمي.
وبطبيعة الحال، ينتج عن هذه الفجوة خريج قد يمتلك مؤهلًا جامعيًا وتقديرًا مرتفعًا، لكنه لا يمتلك بالضرورة المهارات التي تمكنه من أداء المهام المطلوبة داخل بيئة العمل.
الخبرة المطلوبة لحديثي التخرج
يواجه الخريج الجديد عقدة تبدو مستعصية: كيف يحصل على وظيفة دون خبرة، وكيف يكتسب الخبرة إذا كان أصحاب العمل يرفضون توظيفه لعدم امتلاكه خبرة؟
وتشترط بعض الوظائف المتاحة خبرة سابقة تمتد إلى عامين أو ثلاثة أعوام حتى في المستويات المبتدئة، وهو ما يغلق أبوابًا عديدة أمام الكفاءات الشابة ويجعل الانتقال من الجامعة إلى سوق العمل أكثر صعوبة.
ويرجع ذلك في جانب منه إلى عدم رغبة بعض الشركات في تحمل التكلفة والوقت اللازمين لتدريب الخريج من البداية، فتفضل الاستعانة بموظف يمتلك قدرًا من الجاهزية والخبرة العملية.
كما تسهم برامج التدريب الميداني الجامعية المحدودة في تفاقم الأزمة، إذ تتحول في بعض الحالات إلى مجرد إجراء شكلي أو مهام إدارية هامشية، دون أن تمنح الطالب احتكاكًا حقيقيًا ببيئة العمل أو فرصة لاكتساب مهارات يمكنه الاستناد إليها عند التقدم للوظائف.
حلول تبدأ من الجامعة ولا تنتهي عند الخريج
يقترح الخبراء مجموعة من الحلول لمعالجة هذه الفجوة، يأتي في مقدمتها تضافر جهود المؤسسات التعليمية وأصحاب العمل والخريجين أنفسهم، بحيث لا تتحمل جهة واحدة مسؤولية حل الأزمة بمفردها.
وتبرز أهمية إعادة هيكلة المناهج من خلال إشراك القطاع الخاص في إعداد البرامج الدراسية وتحديثها بصورة دورية، بما يضمن توافق ما يتعلمه الطالب مع المهارات التي يحتاجها سوق العمل.
كما يمثل التدريب التشاركي الواقعي أحد الحلول الأساسية، من خلال جعل التدريب الميداني الممتد جزءًا حقيقيًا من متطلبات التخرج، على أن يخضع لإشراف وتقييم متخصصين، بحيث يخرج الطالب من الجامعة وهو يمتلك تجربة مهنية فعلية، وليس مجرد شهادة حضور.
ولا يقل دور الخريج نفسه أهمية، إذ يستطيع الاستثمار في مهاراته الشخصية والمهنية من خلال التعلم الذاتي، والالتحاق بدورات صقل المهارات، والمشاركة في المشروعات والتطوع والتدريب قبل التخرج، بما يساعده على بناء سجل عملي يضاف إلى مؤهله الأكاديمي.
للمشاركة في مؤتمر النماء الخاص بتطوير التعليم اضغط هنا وللتواصل على الرقم 01040407474







