بين أروقة المدارس الحكومية التي شيدت وجدان أجيال مضت، وبين صخب العصر وحديث الأرقام عن بطالة الشباب وتسربهم إلى طرقات تقف فيها “التكاتك” شاهداً على انهيار الوعي، تبرز قضية التعليم بوصفها معضلة مصر الكبرى.
فهي ليست مجرد قضية خدمات، بل هي أمن قومي بامتياز، هكذا يبدأ المشهد حين تضع يدك على أصل الداء والدواء.
في هذا السياق، يطرح الأكاديمي والمسؤول السابق الدكتور رضا عبد السلام رؤية مغايرة ومباشرة لإصلاح منظومة التعليم المترهلة.
ويرى أن البداية الحقيقية تكمن في استعادة هيبة المدرسة الحكومية؛ فهي الحصن التاريخي والأمين على غرس منظومة القيم والأخلاق التي تآكلت بفعل زحف التعليم التجاري وغياب الرقابة الفاعلة.
فالقضية هنا لا تحتاج إلى رفاهية التفكير، بل إلى إرادة سياسية ومجتمعية تجعل من التعليم “المشروع القومي الأول”، تماماً كما فعلت النمور الآسيوية كماليزيا وكوريا الجنوبية.
معادلة الأجر والإنتاجية
لكن الرؤية لا تتوقف عند حدود التنظير، بل تلامس تفاصيل حياة المعلم والطالب. فعلى مائدة الإصلاح، يقترح الدكتور رضا معادلة جريئة لرفع أجور المعلمين لتتراوح حتى 25 ألف جنيه، ولكن بشرط صارم:
1. الارتباط الوثيق بين الأجر والإنتاجية: لا مكان للجمود الوظيفي؛ فالتقييم يجب أن يستند إلى معايير دقيقة تقيس تفاعل الطالب واستفادته داخل الفصل، تماماً مثلما تخضع البرامج التدريبية لقياس الأثر.
2. إغلاق الأبواب الخلفية: في المقابل، لا تهاون مع “الأبواب الخلفية” والدروس الخصوصية التي تستنزف جيوب الأسر وتفرغ المدرسة من مضمونها.
التعليم الفني.. طوق النجاة للاقتصاد
وعلى صعيد موازٍ، يمثل التعليم الفني والمدارس التكنولوجية المستحدثة -كنماذج السويدي وعربي وغبور- طوق نجاة حقيقي للاقتصاد.
إن ربط المناهج باحتياجات المصانع وتأهيل الشباب لأسواق واعدة في الداخل والخارج، كالسوق الألماني الذي يتوق لمليون ونصف المليون فني، هو الحل العملي لإنقاذ ملايين الشباب من البطالة والهامشية، وتحويل الطاقة العاطلة إلى روافد تنموية تسهم بالدولار في بناء الاقتصاد.
اختبار الوعي الحقيقي
نهاية المطاف، إن الفارق الجوهري بيننا وبين الأمم التي سبقتنا ليس في عدد السكان ولا في وفرة الموارد، بل في:
1. سيادة القانون والشفافية.
2. إدارة الكفاءات.
إن حصر ورعاية المبدعين وأوائل الطلاب، بدلاً من تركهم فرائسة للهجرة أو الإهمال، هو اختبار الوعي الحقيقي الذي تفتقده الساحة اليوم، فالتعليم الصحيح ليس رفاهية، بل هو الضامن الوحيد لبقاء الدولة المصرية قوية قادرة على صناعة مستقبل يليق بتاريخها.







