قوة التحكم في الذات.. كيف يصنع الإنسان قراراته ويعيد توجيه حياته؟

 

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

ما يتنبأ به الكاتب

هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

يناقش كتاب «قوة التحكم بالذات» للدكتور إبراهيم الفقي واحدة من أكثر القضايا حضورًا في حياة الإنسان، وهي قدرته على التحكم في أفكاره ومشاعره وتصرفاته، وعدم ترك الظروف أو الانفعالات أو التجارب السابقة تقوده بصورة كاملة.

فالإنسان قد يعرف ما يريد، لكنه لا يملك دائمًا القدرة على الوصول إليه. وقد يعرف أن عادة معينة تضر به، لكنه يستمر في ممارستها. وقد يدرك أن الغضب يسبب له مشكلات، لكنه ينفعل في اللحظة نفسها التي يحتاج فيها إلى الهدوء. وقد يعرف أن الخوف يعطله، لكنه يسمح له بأن يحدد قراراته.

ومن هنا تبدأ القضية الأساسية التي يحاول الكتاب الاقتراب منها: كيف يستطيع الإنسان أن يصبح أكثر وعيًا بنفسه، وأكثر قدرة على إدارة أفكاره ومشاعره وسلوكه، بحيث لا يكون مجرد رد فعل لما يحدث حوله؟

فالتحكم في الذات لا يعني أن يصبح الإنسان بلا مشاعر، ولا يعني أن يتوقف عن الغضب أو الخوف أو الحزن، وإنما يعني أن يفهم هذه المشاعر، وأن يعرف كيف يتعامل معها، وألا يسمح لها بأن تتولى وحدها مهمة اتخاذ القرارات.

والإنسان لا يعيش الأحداث فقط، وإنما يعيش تفسيره لهذه الأحداث.

قد يمر شخصان بالموقف نفسه، فيراه أحدهما كارثة، بينما يراه الآخر تجربة يمكن التعلم منها. وقد يتعرض شخصان للانتقاد نفسه، فيعتبر أحدهما الكلام إهانة شخصية، بينما يراه الآخر ملاحظة يمكن الاستفادة منها.

وهنا تظهر أهمية الأفكار التي يحملها الإنسان داخله.

فالفكرة قد تولد شعورًا، والشعور قد يدفع إلى سلوك، والسلوك المتكرر قد يتحول إلى عادة، والعادة قد تصبح جزءًا من شخصية الإنسان وطريقة تعامله مع الحياة.

ومن هنا فإن السيطرة على السلوك تبدأ في كثير من الأحيان من الانتباه إلى الفكرة التي تسبقه.

قد يقول الإنسان لنفسه «أنا لا أستطيع»، فيشعر بالعجز، ثم يتراجع عن المحاولة، وبعد فترة يرى عدم المحاولة دليلًا جديدًا على أنه غير قادر.

لكن إذا تغيرت الفكرة إلى «ربما لا أعرف الطريقة بعد»، فإن مساحة الاحتمال تصبح أكبر.

الفارق بين الجملتين ليس مجرد تغيير في الكلمات، وإنما تغيير في الصورة التي يصنعها الإنسان عن نفسه.

فالإنسان الذي يكرر على نفسه أنه ضعيف قد يتصرف باعتباره ضعيفًا، والذي يعتقد أنه لا يستطيع التعلم قد يتوقف عن المحاولة، والذي يرى كل مشكلة باعتبارها نهاية قد لا يبحث عن حل.

ولهذا فإن الحوار الداخلي يمثل جانبًا مهمًا في التحكم بالذات.

فالإنسان يقضي وقتًا طويلًا مع نفسه، وقد تكون الكلمات التي يقولها لنفسه أقوى تأثيرًا من الكلمات التي يسمعها من الآخرين.

وقد يكون الإنسان أحيانًا أكثر قسوة على نفسه من أي شخص آخر، فيتذكر أخطاءه باستمرار، ويقلل من إنجازاته، ويقارن نفسه بالآخرين، ويضع لنفسه أحكامًا نهائية بسبب تجربة واحدة.

وهنا يحتاج الإنسان إلى أن يتعلم الفرق بين نقد السلوك والحكم على الذات.

هناك فرق بين أن يقول «لقد أخطأت في هذا التصرف» وأن يقول «أنا شخص فاشل».

الجملة الأولى تضع المشكلة في مكان محدد يمكن إصلاحه، أما الثانية فتحول الخطأ إلى هوية.

وهذا الفارق قد يكون مهمًا جدًا في رحلة الإنسان مع نفسه.

فالإنسان ليس مجموع أخطائه، كما أنه ليس مجموع نجاحاته فقط.

هو مجموعة من الخبرات والتجارب والقرارات والعادات، وهذه الأشياء يمكن مراجعتها وتطويرها.

ومن الأفكار المهمة التي ترتبط بالتحكم في الذات أن الإنسان يحتاج إلى فهم مصادر سلوكه.

لماذا أغضب بهذه السرعة؟

لماذا أشعر بالخوف من بعض المواقف؟

لماذا أؤجل الأشياء المهمة؟

لماذا أبحث دائمًا عن رضا الآخرين؟

لماذا أتجنب المواجهة؟

لماذا أفقد حماسي بسرعة؟

هذه الأسئلة لا تقدم الحل في لحظتها، لكنها تجعل الإنسان أكثر وعيًا بما يحدث داخله.

والمشكلة في كثير من السلوكيات أنها تصبح تلقائية.

قد يتصرف الإنسان بطريقة معينة لسنوات دون أن يسأل نفسه لماذا يفعل ذلك.

وقد يعتاد الشكوى، أو التأجيل، أو العصبية، أو التفكير في أسوأ الاحتمالات، حتى تصبح هذه الأنماط جزءًا من حياته اليومية.

ومن هنا فإن أول خطوة في التغيير ليست دائمًا أن تفعل شيئًا جديدًا، وإنما أن تلاحظ ما تفعله بالفعل.

الملاحظة تسبق التغيير.

والوعي يسبق السيطرة.

والإنسان الذي لا يعرف ما الذي يحركه قد يجد نفسه يتحرك في اتجاهات لم يخترها أصلًا.

كما أن التحكم في الذات يرتبط بصورة الإنسان عن نفسه.

فالإنسان الذي يرى نفسه عاجزًا عن التغيير قد لا يحاول أصلًا، بينما الإنسان الذي يرى نفسه قادرًا على التعلم يمكن أن يمنح نفسه فرصة جديدة.

وهنا تظهر أهمية المعتقدات.

فبعض المعتقدات التي يحملها الإنسان عن نفسه قد تكون تشكلت منذ سنوات طويلة.

قد يسمع الطفل أنه غير ذكي، أو ضعيف، أو لا يستطيع النجاح، أو أن الآخرين أفضل منه، ثم يكبر وهو يتعامل مع هذه الكلمات باعتبارها حقائق ثابتة.

لكن السؤال المهم هو: هل كل ما قيل لنا عن أنفسنا صحيح؟

وهل تجربة واحدة يمكن أن تحدد مستقبل الإنسان؟

وهل فشل قديم يعني أن الفشل سيستمر إلى الأبد؟

الإجابة ليست بالضرورة.

فالإنسان يستطيع أن يعيد النظر في كثير من الأفكار التي ورثها أو اكتسبها، وأن يختبرها أمام الواقع بدلًا من التعامل معها كحقائق نهائية.

وهنا يصبح التحكم في الذات نوعًا من إعادة اكتشاف الإنسان لنفسه.

كما أن الماضي يمكن أن يكون أحد أقوى المؤثرات في الحاضر.

تجربة مؤلمة، علاقة فاشلة، موقف محرج، خسارة مالية، رفض من شخص مهم، أو فشل في عمل قد يترك أثرًا طويلًا.

وقد يبدأ الإنسان في اتخاذ قراراته الجديدة بناءً على الخوف من تكرار التجربة القديمة.

لكن المشكلة هنا أن الماضي يبدأ في إدارة الحاضر.

والاستفادة من الماضي لا تعني أن يعيش الإنسان داخله.

فالدرس الذي نتعلمه من التجربة يمكن أن يساعدنا، لكن الخوف المستمر من تكرارها قد يمنعنا من خوض تجارب جديدة.

ومن هنا فإن التحكم في الذات يحتاج إلى أن يتعلم الإنسان كيف يفصل بين ما حدث وما سيحدث.

ما حدث أصبح خبرة، لكنه ليس بالضرورة حكمًا على المستقبل.

كما أن التحكم في الذات يرتبط ارتباطًا واضحًا بطريقة التعامل مع الغضب.

الغضب شعور طبيعي، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الشعور إلى تصرف غير محسوب.

قد يقول الإنسان في لحظة غضب كلمة يندم عليها سنوات، أو يتخذ قرارًا لا يستطيع التراجع عنه، أو يهدم علاقة بسبب موقف كان يمكن التعامل معه بهدوء.

ولهذا فإن المسافة القصيرة بين الشعور ورد الفعل يمكن أن تكون شديدة الأهمية.

أن يتوقف الإنسان لحظة قبل أن يرد، وأن يسأل نفسه ماذا سيحدث إذا قلت هذه الجملة؟ وهل المشكلة تستحق هذا الانفعال؟ وهل هناك طريقة أخرى للتعامل معها؟

هذه اللحظة الصغيرة قد تمنع مشكلة كبيرة.

والتحكم لا يعني كبت الغضب دائمًا، وإنما يعني التعبير عنه بطريقة لا تدمر الإنسان أو من حوله.

الأمر نفسه ينطبق على الخوف.

فالخوف يمكن أن يكون وسيلة لحماية الإنسان عندما ينبهه إلى خطر حقيقي، لكنه قد يتحول إلى عائق عندما يصبح توقعًا دائمًا لأسوأ الاحتمالات.

قد يخاف الإنسان من الفشل فلا يبدأ، ويخاف من الرفض فلا يتقدم، ويخاف من النقد فلا يعبر عن رأيه، ويخاف من التغيير فيتمسك بوضع يعرف أنه لا يناسبه.

وهنا يصبح السؤال المهم: هل أنا أتعامل مع خطر حقيقي أم مع احتمال صنعه عقلي؟

فالخوف لا ينبغي أن يكون دائمًا إشارة إلى التراجع، وإنما يمكن أن يكون إشارة إلى ضرورة الاستعداد.

ومن الأفكار المهمة كذلك أن الإنسان يحتاج إلى أن يفرق بين ما يستطيع التحكم فيه وما لا يستطيع.

هناك أشياء لا يملك الإنسان تغييرها.

لا يستطيع تغيير الماضي، ولا يستطيع التحكم في أفكار الآخرين، ولا يستطيع منع كل الظروف الصعبة، ولا يستطيع ضمان أن تسير الحياة وفق خطته.

لكن يستطيع في كثير من المواقف أن يتحكم في رد فعله، وفي قراره، وفي طريقة استعداده، وفي الخطوة التالية التي سيقوم بها.

وهذه المساحة هي التي يمكن أن يبدأ منها التغيير.

فالإنسان الذي يقضي كل وقته في محاولة السيطرة على ما لا يملكه قد يشعر بالعجز، أما الذي يبحث عما يستطيع التأثير فيه فإنه يبدأ في استعادة قدرته على الحركة.

ومن هنا ترتبط قوة التحكم في الذات بتحمل المسؤولية.

المسؤولية لا تعني أن الإنسان مسؤول عن كل ما يحدث له، فهذا غير واقعي، لكنها تعني ألا يتخلى عن المساحة التي يستطيع التأثير فيها.

قد تكون الظروف صعبة، وقد يكون الطريق غير عادل، وقد يتعرض الإنسان لأشياء لم يخترها، لكن السؤال يظل قائمًا: ماذا أستطيع أن أفعل الآن؟

وهذا السؤال أكثر فائدة من البقاء في دائرة «من السبب؟» طوال الوقت.

كما أن التحكم في الذات يحتاج إلى وضوح في الأهداف.

فالإنسان الذي لا يعرف ماذا يريد قد يجد نفسه يتأثر بكل اتجاه جديد.

مرة يريد شيئًا، ثم يتراجع، ثم يقلد شخصًا آخر، ثم يكتشف أنه يسير في طريق لا يناسبه.

أما الهدف الواضح فيساعد الإنسان على اختيار قراراته.

لكن الهدف لا ينبغي أن يبقى مجرد أمنية.

أن تقول «أريد النجاح» لا يكفي.

ما النجاح الذي تريده؟

وفي أي مجال؟

وما الذي تحتاج إلى تعلمه؟

وما الخطوة التي تستطيع القيام بها الآن؟

وما الذي يجب أن تتوقف عن فعله؟

وهنا تتحول الرغبة إلى خطة، والخطة إلى ممارسة، والممارسة إلى عادة.

كما أن قوة التحكم في الذات ترتبط بإدارة الوقت.

فالإنسان الذي لا يستطيع إدارة وقته قد يجد نفسه طوال اليوم مشغولًا دون أن يكون قد أنجز شيئًا مهمًا.

وقد يستهلك ساعات طويلة في الهاتف، أو في متابعة الآخرين، أو في أمور يمكن تأجيلها، ثم يكتشف في نهاية اليوم أن الشيء الذي كان يريد إنجازه لم يجد له وقتًا.

ولهذا فإن إدارة الوقت ليست فقط أن تملأ جدولًا بالمواعيد، وإنما أن تعرف ما الذي يستحق وقتك أصلًا.

فالوقت الذي يذهب لا يعود، ولذلك فإن طريقة استخدامه تكشف الكثير عن أولويات الإنسان.

كما أن التحكم في الذات يحتاج إلى التعامل مع العادات.

فالعادة لا تتكون في يوم واحد، ولذلك لا تختفي عادة قديمة بمجرد اتخاذ قرار.

إذا اعتاد الإنسان التأجيل لسنوات، فلن يتحول في ليلة واحدة إلى شخص شديد التنظيم.

وإذا اعتاد الانفعال، فلن يصبح هادئًا بمجرد أن يقرر ذلك مرة واحدة.

التغيير يحتاج إلى تكرار.

والتكرار يحتاج إلى صبر.

والصبر يحتاج إلى أن يتقبل الإنسان فكرة أن التقدم قد يكون بطيئًا في البداية.

وقد يكون النجاح في بعض الأيام هو أن يكرر الإنسان السلوك الصحيح مرة أخرى، حتى لو لم ير نتيجة كبيرة.

ومن هنا فإن الاستمرارية قد تكون أهم من الحماس.

الحماس يجعل الإنسان يبدأ، لكن العادة والاستمرارية هما ما يساعدانه على الاستمرار.

كما أن الإنسان يحتاج إلى أن يتعامل مع الفشل بطريقة مختلفة.

الفشل ليس بالضرورة دليلًا على أن الإنسان غير قادر، وإنما قد يكون نتيجة لطريقة لم تنجح.

هناك فرق بين «أنا فاشل» و«هذه المحاولة فشلت».

الجملة الأولى تغلق الباب، والثانية تفتحه.

عندما ينظر الإنسان إلى الفشل باعتباره معلومة، يبدأ في البحث عن السبب.

هل كانت الخطة غير مناسبة؟

هل لم أستعد جيدًا؟

هل كان الهدف غير واقعي؟

هل احتجت إلى مهارة لم أمتلكها؟

هل كان التوقيت خاطئًا؟

هل كان ينبغي أن أطلب مساعدة؟

هذه الأسئلة تحول الفشل من حكم نهائي إلى فرصة للتعلم.

كما أن التحكم في الذات يحتاج إلى أن يتعلم الإنسان التعامل مع الانتقاد.

ليس كل نقد هجومًا، وليس كل مدح حقيقة.

قد يكون هناك نقد ظالم لا يستحق الاهتمام، وقد يكون هناك نقد صادق يحتاج الإنسان إلى الاستفادة منه.

والإنسان الناضج لا يرفض كل نقد لمجرد أنه مؤلم، ولا يقبل كل كلام لمجرد أنه قيل بطريقة لطيفة.

وإنما يحاول أن يسأل: هل هناك شيء صحيح في هذا الكلام يمكنني الاستفادة منه؟

وهذا النوع من التفكير يمنح الإنسان قدرة أكبر على التطور.

كما أن العلاقات الإنسانية تمثل اختبارًا حقيقيًا للتحكم في الذات.

فالإنسان قد يكون هادئًا وحده، لكنه يفقد السيطرة عندما يتعامل مع شخص يختلف معه.

وقد يعرف كيف يدير عمله، لكنه لا يعرف كيف يدير خلافاته.

وقد يكون قادرًا على التعبير عن رأيه، لكنه لا يعرف كيف يستمع إلى رأي مختلف.

ومن هنا فإن التحكم في الذات يظهر في طريقة الحديث والاستماع، وفي القدرة على تأجيل الرد، وفي احترام الاختلاف، وفي وضع الحدود دون إساءة.

فليس كل خلاف يحتاج إلى معركة.

وليس كل كلمة تحتاج إلى رد.

وليس كل موقف يستحق أن نخسر من أجله علاقة.

وهنا تصبح الحكمة في معرفة متى نتكلم ومتى نصمت، ومتى نواجه ومتى ننسحب، ومتى نصر على موقفنا ومتى نعيد التفكير فيه.

كما أن الإنسان يحتاج إلى أن يعرف أن التحكم في الذات لا يعني محاولة التحكم في الآخرين.

وهذه نقطة مهمة.

قد يحاول شخص أن يغير شريكه أو زميله أو صديقه باستمرار، ثم يشعر بالإحباط لأن الآخرين لا يتصرفون بالطريقة التي يريدها.

لكن الإنسان يستطيع أن يتحكم في نفسه أكثر مما يستطيع التحكم في غيره.

يمكنه أن يحدد ما يقبله وما يرفضه، وأن يعبر عن احتياجاته، وأن يضع حدوده، وأن يختار طريقة تعامله، لكنه لا يستطيع أن يفرض على الآخرين مشاعر أو أفكارًا بعينها.

وهذا الفهم يخفف كثيرًا من الصدام.

كما أن البيئة المحيطة تؤثر في الإنسان.

الأشخاص الذين يعيش معهم، والمحتوى الذي يتابعه، والكلمات التي يسمعها بصورة مستمرة، كلها قد تؤثر في طريقة تفكيره.

ولهذا فإن الإنسان يحتاج إلى أن يسأل نفسه من وقت إلى آخر: ماذا أدخل إلى عقلي كل يوم؟

هل أستهلك محتوى يجعلني أكثر وعيًا أم أكثر توترًا؟

هل أحيط نفسي بأشخاص يساعدونني على النمو أم يجعلونني أرى الحياة بصورة أكثر سلبية؟

ولا يعني ذلك أن الإنسان يجب أن يعيش في عالم مثالي، وإنما أن يكون أكثر وعيًا بتأثير البيئة عليه.

كما أن التحكم في الذات يرتبط بالصورة التي يحملها الإنسان عن المستقبل.

فالإنسان الذي يتوقع الفشل دائمًا قد يتصرف بطريقة تقربه من الفشل دون أن يشعر.

والذي يتوقع أن كل شيء سهل قد يصاب بالإحباط عند أول عقبة.

أما النظرة الأكثر توازنًا فهي أن يدرك الإنسان أن النجاح ممكن، لكنه يحتاج إلى عمل، وأن الفشل ممكن، لكنه ليس نهاية العالم.

وهنا يصبح التفكير الواقعي أكثر فائدة من التفاؤل المبالغ فيه أو التشاؤم المستمر.

ومن الأفكار المهمة كذلك أن الإنسان يحتاج إلى أن يراقب الكلمات التي يستخدمها.

كلمات مثل «دائمًا» و«أبدًا» و«مستحيل» و«أنا لا أستطيع» قد تجعل المشكلة تبدو أكبر من حقيقتها.

فعندما يقول شخص «أنا دائمًا أفشل»، فإن تجربة واحدة قد تختفي أمام هذا التعميم.

وعندما يقول «أنا لا أستطيع التغيير»، فإنه يغلق الباب قبل أن يبدأ.

لكن عندما يقول «لم أنجح في هذه المحاولة» يصبح هناك مجال لمحاولة أخرى.

وهكذا يمكن للغة أن تكون أداة تساعد الإنسان على التفكير بصورة أكثر مرونة.

كما أن التحكم في الذات يحتاج إلى معرفة نقاط القوة والضعف.

معرفة نقاط القوة تساعد الإنسان على استثمارها، ومعرفة نقاط الضعف تساعده على تطويرها.

لكن المشكلة تحدث عندما تتحول نقطة الضعف إلى حكم نهائي.

أن تقول «أحتاج إلى تحسين مهاراتي في التواصل» أفضل من أن تقول «أنا لا أعرف كيف أتعامل مع الناس».

الجملة الأولى تفتح باب التدريب، أما الثانية فتغلقه.

والإنسان الذي يعرف أنه قادر على التعلم لا ينظر إلى نفسه باعتبارها شخصية مكتملة لا يمكن تعديلها.

بل يرى نفسه في حالة نمو مستمر.

ومن هنا فإن التعلم يمثل أحد أهم أدوات التحكم في الذات.

كل مهارة يتعلمها الإنسان تمنحه مساحة جديدة من الخيارات.

وكل معرفة جديدة تساعده على اتخاذ قرارات أفضل.

وكل تجربة يراجعها بصدق تضيف إلى خبرته.

ولهذا فإن الإنسان لا يحتاج إلى أن يعرف كل شيء حتى يبدأ، وإنما يحتاج إلى أن يكون مستعدًا للتعلم أثناء الطريق.

كما أن الإنسان يحتاج إلى أن يراجع نفسه بصورة مستمرة.

ما الذي تغير في حياتي؟

ما العادات التي أصبحت أفضل؟

ما السلوك الذي ما زال يعطلني؟

ما الشيء الذي أضيّع فيه وقتي؟

هل أهدافي ما زالت مناسبة؟

هل أتعامل مع الناس بالطريقة التي أريدها؟

هل ردود أفعالي تتناسب مع المواقف؟

هل أسمح للخوف بأن يقرر بدلًا مني؟

هذه المراجعة تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف الأخطاء قبل أن تتحول إلى نمط دائم.

ومن هنا فإن التحكم في الذات ليس مشروعًا له يوم انتهاء، وإنما ممارسة مستمرة.

وقد ينجح الإنسان في موقف ويفشل في آخر، وقد يكون هادئًا يومًا وينفعل في يوم آخر، لكن المهم ألا يتوقف عن التعلم.

فالتقدم لا يعني ألا نخطئ، وإنما يعني أن نصبح أفضل في التعامل مع أخطائنا.

كما أن تطوير الذات لا ينبغي أن يتحول إلى جلد مستمر للنفس.

فالإنسان الذي يراقب نفسه طوال الوقت بحثًا عن العيوب قد يتحول التطوير بالنسبة إليه إلى مصدر ضغط.

والهدف من التحكم في الذات ليس الوصول إلى إنسان مثالي لا يغضب ولا يخاف ولا يخطئ.

هذا الإنسان غير موجود.

الهدف أن يصبح الإنسان أكثر وعيًا بما يحدث داخله، وأكثر قدرة على اختيار رد فعله، وأكثر استعدادًا لتحمل نتائج قراراته والتعلم منها.

ومن نقاط القوة في الأفكار التي يقدمها الكتاب أنها تجعل الإنسان يقترب من نفسه بدلًا من أن يبحث دائمًا عن أسباب مشكلاته في الخارج.

فالإنسان قد لا يستطيع تغيير كل الظروف، لكنه يستطيع أن يبدأ من نفسه.

وقد لا يستطيع تغيير الآخرين، لكنه يستطيع تغيير طريقته في التعامل معهم.

وقد لا يستطيع منع المشكلات، لكنه يستطيع تطوير أدواته في مواجهتها.

وهذا يمنح فكرة التحكم في الذات قيمة عملية، لأنها لا تقدم الإنسان باعتباره مسيطرًا على العالم، وإنما باعتباره مسؤولًا عن المساحة التي يستطيع التأثير فيها.

لكن من المهم في الوقت نفسه التعامل مع أفكار التنمية البشرية بقدر من الواقعية والنقد.

فالإنسان لا يستطيع أن يحقق كل ما يريد بمجرد التفكير الإيجابي أو قوة الإرادة وحدهما.

هناك ظروف اقتصادية واجتماعية ومهنية وصحية، وهناك فرص قد تتاح لشخص ولا تتاح لآخر، وهناك مشكلات تحتاج إلى مساعدة متخصصة أو دعم من الآخرين.

ولذلك فإن التحكم في الذات لا يعني تحميل الإنسان مسؤولية كل شيء يحدث له.

وإنما يعني مساعدته على اكتشاف ما يستطيع فعله في حدود ظروفه وإمكاناته.

كما أن التحكم في الذات لا يعني تجاهل المشاعر أو إنكارها.

الحزن له مكانه، والخوف له وظيفته، والغضب قد يشير إلى وجود مشكلة، والقلق قد يدفع الإنسان إلى الاستعداد.

المطلوب ليس قتل المشاعر، وإنما فهمها.

فالإنسان الذي يكبت مشاعره باستمرار ليس بالضرورة شخصًا قويًا، كما أن الإنسان الذي يترك مشاعره تقوده في كل قرار ليس بالضرورة صادقًا مع نفسه.

القوة الحقيقية في إيجاد التوازن بين الشعور والعقل.

وعندما يستطيع الإنسان أن يتوقف قليلًا قبل أن يتصرف، وأن يسأل نفسه ماذا أشعر؟ ولماذا أشعر بذلك؟ وما التصرف الذي يخدم مصلحتي فعلًا؟ فإنه يكون قد بدأ في امتلاك مساحة أكبر من التحكم في نفسه.

ومن هنا يمكن النظر إلى «قوة التحكم بالذات» باعتباره كتابًا يدفع القارئ إلى طرح سؤال بسيط لكنه عميق: هل أنا أعيش حياتي وفق اختياراتي، أم أن عاداتي ومخاوفي وانفعالاتي وتجارب الماضي تختار عني؟

فالإنسان قد يظن أنه يتخذ قراراته بحرية، بينما يكون القرار في الحقيقة نتيجة عادة قديمة أو خوف متكرر أو اعتقاد لم يراجعه منذ سنوات.

والوعي بهذه الدائرة هو بداية الخروج منها.

فالتحكم في الذات لا يبدأ من السيطرة على الآخرين، وإنما من القدرة على إدارة النفس.

ولا يبدأ من محاولة تغيير العالم، وإنما من سؤال الإنسان لنفسه عما يستطيع تغييره في سلوكه وتفكيره.

ولا يعني أن الإنسان لن يغضب أو يخاف أو يفشل، وإنما يعني أنه لن يسمح لهذه الأشياء بأن تحدد حياته بالكامل.

وعندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

يقدم كتاب «قوة التحكم بالذات» رؤية تدعو الإنسان إلى الاقتراب من نفسه، وفهم أفكاره ومشاعره وعاداته، ومراجعة الطريقة التي يتعامل بها مع الأحداث والأشخاص والظروف.

فالإنسان ليس أسيرًا بالضرورة لما اعتاده، ولا لما حدث له في الماضي، ولا للأفكار التي حملها عن نفسه لسنوات طويلة.

وإذا كان الإنسان لا يستطيع التحكم في كل ما يحدث حوله، فإنه يستطيع في كثير من المواقف أن يختار طريقة استجابته، وأن يراجع قراراته، وأن يتعلم من أخطائه، وأن يغير بعض عاداته، وأن يبدأ من جديد.

وهنا تكمن الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من الكتاب: قوة الإنسان لا تظهر فقط عندما ينجح في السيطرة على الظروف، وإنما تظهر عندما يستطيع أن يسيطر على رد فعله تجاه الظروف، وأن يحافظ على قدرته على التفكير والاختيار حتى في الأوقات الصعبة.

فالتحكم في الذات ليس أن تمنع نفسك من الحياة، وإنما أن تعيشها بوعي أكبر.

وليس أن تتحول إلى شخص لا يتأثر، وإنما أن تتعلم كيف تتأثر دون أن تفقد قدرتك على الاختيار.

وليس أن تتخلص من كل نقاط ضعفك، وإنما أن تعرفها وتتعامل معها وتعمل على تطويرها.

وربما يكون السؤال الذي يتركه الكتاب خلفه ليس «كيف أتحكم في كل شيء؟»، فهذا غير ممكن، وإنما السؤال الأكثر واقعية: ما الشيء الذي أستطيع أن أتحكم فيه اليوم وأبدأ بتغييره؟

فقد تكون البداية فكرة، أو عادة، أو كلمة، أو رد فعل، أو قرارًا صغيرًا، لكن التغيير الحقيقي كثيرًا ما يبدأ من هذه التفاصيل التي تبدو بسيطة قبل أن تتحول مع الوقت إلى أسلوب حياة.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: قوة التحكم بالذات

المؤلف: د. إبراهيم الفقي

التصنيف: التنمية البشرية وتطوير الذات والتحكم في الأفكار والسلوك

الناشر: المركز الكندي للتنمية البشرية

مكان النشر: كندا

تاريخ النشر الوارد في النسخة: يناير ٢٠٠٠

الإخراج والطباعة: دار التوبة – الرياض – المملكة العربية السعودية

التجهيز الفني: آمال الفقي وكوستا هوفرز

الترجمة: سلوى كمال وفخري كمال

المراجعة: فخري كمال والدكتور إبراهيم الفقي

الطباعة: إيدا صادق

التصوير: توني لورينياديس

الترقيم الدولي: ISBN 0-9682559

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.

وتظل جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف والناشر وفق البيانات الواردة في النسخة المشار إليها، ويُنصح بالرجوع إلى الكتاب الأصلي للاطلاع على العمل كاملًا.قوة التحكم في الذات.. كيف يصنع الإنسان قراراته ويعيد توجيه حياته؟
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
يناقش كتاب «قوة التحكم بالذات» للدكتور إبراهيم الفقي واحدة من أكثر القضايا حضورًا في حياة الإنسان، وهي قدرته على التحكم في أفكاره ومشاعره وتصرفاته، وعدم ترك الظروف أو الانفعالات أو التجارب السابقة تقوده بصورة كاملة.
فالإنسان قد يعرف ما يريد، لكنه لا يملك دائمًا القدرة على الوصول إليه. وقد يعرف أن عادة معينة تضر به، لكنه يستمر في ممارستها. وقد يدرك أن الغضب يسبب له مشكلات، لكنه ينفعل في اللحظة نفسها التي يحتاج فيها إلى الهدوء. وقد يعرف أن الخوف يعطله، لكنه يسمح له بأن يحدد قراراته.
ومن هنا تبدأ القضية الأساسية التي يحاول الكتاب الاقتراب منها: كيف يستطيع الإنسان أن يصبح أكثر وعيًا بنفسه، وأكثر قدرة على إدارة أفكاره ومشاعره وسلوكه، بحيث لا يكون مجرد رد فعل لما يحدث حوله؟
فالتحكم في الذات لا يعني أن يصبح الإنسان بلا مشاعر، ولا يعني أن يتوقف عن الغضب أو الخوف أو الحزن، وإنما يعني أن يفهم هذه المشاعر، وأن يعرف كيف يتعامل معها، وألا يسمح لها بأن تتولى وحدها مهمة اتخاذ القرارات.
والإنسان لا يعيش الأحداث فقط، وإنما يعيش تفسيره لهذه الأحداث.
قد يمر شخصان بالموقف نفسه، فيراه أحدهما كارثة، بينما يراه الآخر تجربة يمكن التعلم منها. وقد يتعرض شخصان للانتقاد نفسه، فيعتبر أحدهما الكلام إهانة شخصية، بينما يراه الآخر ملاحظة يمكن الاستفادة منها.
وهنا تظهر أهمية الأفكار التي يحملها الإنسان داخله.
فالفكرة قد تولد شعورًا، والشعور قد يدفع إلى سلوك، والسلوك المتكرر قد يتحول إلى عادة، والعادة قد تصبح جزءًا من شخصية الإنسان وطريقة تعامله مع الحياة.
ومن هنا فإن السيطرة على السلوك تبدأ في كثير من الأحيان من الانتباه إلى الفكرة التي تسبقه.
قد يقول الإنسان لنفسه «أنا لا أستطيع»، فيشعر بالعجز، ثم يتراجع عن المحاولة، وبعد فترة يرى عدم المحاولة دليلًا جديدًا على أنه غير قادر.
لكن إذا تغيرت الفكرة إلى «ربما لا أعرف الطريقة بعد»، فإن مساحة الاحتمال تصبح أكبر.
الفارق بين الجملتين ليس مجرد تغيير في الكلمات، وإنما تغيير في الصورة التي يصنعها الإنسان عن نفسه.
فالإنسان الذي يكرر على نفسه أنه ضعيف قد يتصرف باعتباره ضعيفًا، والذي يعتقد أنه لا يستطيع التعلم قد يتوقف عن المحاولة، والذي يرى كل مشكلة باعتبارها نهاية قد لا يبحث عن حل.
ولهذا فإن الحوار الداخلي يمثل جانبًا مهمًا في التحكم بالذات.
فالإنسان يقضي وقتًا طويلًا مع نفسه، وقد تكون الكلمات التي يقولها لنفسه أقوى تأثيرًا من الكلمات التي يسمعها من الآخرين.
وقد يكون الإنسان أحيانًا أكثر قسوة على نفسه من أي شخص آخر، فيتذكر أخطاءه باستمرار، ويقلل من إنجازاته، ويقارن نفسه بالآخرين، ويضع لنفسه أحكامًا نهائية بسبب تجربة واحدة.
وهنا يحتاج الإنسان إلى أن يتعلم الفرق بين نقد السلوك والحكم على الذات.
هناك فرق بين أن يقول «لقد أخطأت في هذا التصرف» وأن يقول «أنا شخص فاشل».
الجملة الأولى تضع المشكلة في مكان محدد يمكن إصلاحه، أما الثانية فتحول الخطأ إلى هوية.
وهذا الفارق قد يكون مهمًا جدًا في رحلة الإنسان مع نفسه.
فالإنسان ليس مجموع أخطائه، كما أنه ليس مجموع نجاحاته فقط.
هو مجموعة من الخبرات والتجارب والقرارات والعادات، وهذه الأشياء يمكن مراجعتها وتطويرها.
ومن الأفكار المهمة التي ترتبط بالتحكم في الذات أن الإنسان يحتاج إلى فهم مصادر سلوكه.
لماذا أغضب بهذه السرعة؟
لماذا أشعر بالخوف من بعض المواقف؟
لماذا أؤجل الأشياء المهمة؟
لماذا أبحث دائمًا عن رضا الآخرين؟
لماذا أتجنب المواجهة؟
لماذا أفقد حماسي بسرعة؟
هذه الأسئلة لا تقدم الحل في لحظتها، لكنها تجعل الإنسان أكثر وعيًا بما يحدث داخله.
والمشكلة في كثير من السلوكيات أنها تصبح تلقائية.
قد يتصرف الإنسان بطريقة معينة لسنوات دون أن يسأل نفسه لماذا يفعل ذلك.
وقد يعتاد الشكوى، أو التأجيل، أو العصبية، أو التفكير في أسوأ الاحتمالات، حتى تصبح هذه الأنماط جزءًا من حياته اليومية.
ومن هنا فإن أول خطوة في التغيير ليست دائمًا أن تفعل شيئًا جديدًا، وإنما أن تلاحظ ما تفعله بالفعل.
الملاحظة تسبق التغيير.
والوعي يسبق السيطرة.
والإنسان الذي لا يعرف ما الذي يحركه قد يجد نفسه يتحرك في اتجاهات لم يخترها أصلًا.
كما أن التحكم في الذات يرتبط بصورة الإنسان عن نفسه.
فالإنسان الذي يرى نفسه عاجزًا عن التغيير قد لا يحاول أصلًا، بينما الإنسان الذي يرى نفسه قادرًا على التعلم يمكن أن يمنح نفسه فرصة جديدة.
وهنا تظهر أهمية المعتقدات.
فبعض المعتقدات التي يحملها الإنسان عن نفسه قد تكون تشكلت منذ سنوات طويلة.
قد يسمع الطفل أنه غير ذكي، أو ضعيف، أو لا يستطيع النجاح، أو أن الآخرين أفضل منه، ثم يكبر وهو يتعامل مع هذه الكلمات باعتبارها حقائق ثابتة.
لكن السؤال المهم هو: هل كل ما قيل لنا عن أنفسنا صحيح؟
وهل تجربة واحدة يمكن أن تحدد مستقبل الإنسان؟
وهل فشل قديم يعني أن الفشل سيستمر إلى الأبد؟
الإجابة ليست بالضرورة.
فالإنسان يستطيع أن يعيد النظر في كثير من الأفكار التي ورثها أو اكتسبها، وأن يختبرها أمام الواقع بدلًا من التعامل معها كحقائق نهائية.
وهنا يصبح التحكم في الذات نوعًا من إعادة اكتشاف الإنسان لنفسه.
كما أن الماضي يمكن أن يكون أحد أقوى المؤثرات في الحاضر.
تجربة مؤلمة، علاقة فاشلة، موقف محرج، خسارة مالية، رفض من شخص مهم، أو فشل في عمل قد يترك أثرًا طويلًا.
وقد يبدأ الإنسان في اتخاذ قراراته الجديدة بناءً على الخوف من تكرار التجربة القديمة.
لكن المشكلة هنا أن الماضي يبدأ في إدارة الحاضر.
والاستفادة من الماضي لا تعني أن يعيش الإنسان داخله.
فالدرس الذي نتعلمه من التجربة يمكن أن يساعدنا، لكن الخوف المستمر من تكرارها قد يمنعنا من خوض تجارب جديدة.
ومن هنا فإن التحكم في الذات يحتاج إلى أن يتعلم الإنسان كيف يفصل بين ما حدث وما سيحدث.
ما حدث أصبح خبرة، لكنه ليس بالضرورة حكمًا على المستقبل.
كما أن التحكم في الذات يرتبط ارتباطًا واضحًا بطريقة التعامل مع الغضب.
الغضب شعور طبيعي، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الشعور إلى تصرف غير محسوب.
قد يقول الإنسان في لحظة غضب كلمة يندم عليها سنوات، أو يتخذ قرارًا لا يستطيع التراجع عنه، أو يهدم علاقة بسبب موقف كان يمكن التعامل معه بهدوء.
ولهذا فإن المسافة القصيرة بين الشعور ورد الفعل يمكن أن تكون شديدة الأهمية.
أن يتوقف الإنسان لحظة قبل أن يرد، وأن يسأل نفسه ماذا سيحدث إذا قلت هذه الجملة؟ وهل المشكلة تستحق هذا الانفعال؟ وهل هناك طريقة أخرى للتعامل معها؟
هذه اللحظة الصغيرة قد تمنع مشكلة كبيرة.
والتحكم لا يعني كبت الغضب دائمًا، وإنما يعني التعبير عنه بطريقة لا تدمر الإنسان أو من حوله.
الأمر نفسه ينطبق على الخوف.
فالخوف يمكن أن يكون وسيلة لحماية الإنسان عندما ينبهه إلى خطر حقيقي، لكنه قد يتحول إلى عائق عندما يصبح توقعًا دائمًا لأسوأ الاحتمالات.
قد يخاف الإنسان من الفشل فلا يبدأ، ويخاف من الرفض فلا يتقدم، ويخاف من النقد فلا يعبر عن رأيه، ويخاف من التغيير فيتمسك بوضع يعرف أنه لا يناسبه.
وهنا يصبح السؤال المهم: هل أنا أتعامل مع خطر حقيقي أم مع احتمال صنعه عقلي؟
فالخوف لا ينبغي أن يكون دائمًا إشارة إلى التراجع، وإنما يمكن أن يكون إشارة إلى ضرورة الاستعداد.
ومن الأفكار المهمة كذلك أن الإنسان يحتاج إلى أن يفرق بين ما يستطيع التحكم فيه وما لا يستطيع.
هناك أشياء لا يملك الإنسان تغييرها.
لا يستطيع تغيير الماضي، ولا يستطيع التحكم في أفكار الآخرين، ولا يستطيع منع كل الظروف الصعبة، ولا يستطيع ضمان أن تسير الحياة وفق خطته.
لكن يستطيع في كثير من المواقف أن يتحكم في رد فعله، وفي قراره، وفي طريقة استعداده، وفي الخطوة التالية التي سيقوم بها.
وهذه المساحة هي التي يمكن أن يبدأ منها التغيير.
فالإنسان الذي يقضي كل وقته في محاولة السيطرة على ما لا يملكه قد يشعر بالعجز، أما الذي يبحث عما يستطيع التأثير فيه فإنه يبدأ في استعادة قدرته على الحركة.
ومن هنا ترتبط قوة التحكم في الذات بتحمل المسؤولية.
المسؤولية لا تعني أن الإنسان مسؤول عن كل ما يحدث له، فهذا غير واقعي، لكنها تعني ألا يتخلى عن المساحة التي يستطيع التأثير فيها.
قد تكون الظروف صعبة، وقد يكون الطريق غير عادل، وقد يتعرض الإنسان لأشياء لم يخترها، لكن السؤال يظل قائمًا: ماذا أستطيع أن أفعل الآن؟
وهذا السؤال أكثر فائدة من البقاء في دائرة «من السبب؟» طوال الوقت.
كما أن التحكم في الذات يحتاج إلى وضوح في الأهداف.
فالإنسان الذي لا يعرف ماذا يريد قد يجد نفسه يتأثر بكل اتجاه جديد.
مرة يريد شيئًا، ثم يتراجع، ثم يقلد شخصًا آخر، ثم يكتشف أنه يسير في طريق لا يناسبه.
أما الهدف الواضح فيساعد الإنسان على اختيار قراراته.
لكن الهدف لا ينبغي أن يبقى مجرد أمنية.
أن تقول «أريد النجاح» لا يكفي.
ما النجاح الذي تريده؟
وفي أي مجال؟
وما الذي تحتاج إلى تعلمه؟
وما الخطوة التي تستطيع القيام بها الآن؟
وما الذي يجب أن تتوقف عن فعله؟
وهنا تتحول الرغبة إلى خطة، والخطة إلى ممارسة، والممارسة إلى عادة.
كما أن قوة التحكم في الذات ترتبط بإدارة الوقت.
فالإنسان الذي لا يستطيع إدارة وقته قد يجد نفسه طوال اليوم مشغولًا دون أن يكون قد أنجز شيئًا مهمًا.
وقد يستهلك ساعات طويلة في الهاتف، أو في متابعة الآخرين، أو في أمور يمكن تأجيلها، ثم يكتشف في نهاية اليوم أن الشيء الذي كان يريد إنجازه لم يجد له وقتًا.
ولهذا فإن إدارة الوقت ليست فقط أن تملأ جدولًا بالمواعيد، وإنما أن تعرف ما الذي يستحق وقتك أصلًا.
فالوقت الذي يذهب لا يعود، ولذلك فإن طريقة استخدامه تكشف الكثير عن أولويات الإنسان.
كما أن التحكم في الذات يحتاج إلى التعامل مع العادات.
فالعادة لا تتكون في يوم واحد، ولذلك لا تختفي عادة قديمة بمجرد اتخاذ قرار.
إذا اعتاد الإنسان التأجيل لسنوات، فلن يتحول في ليلة واحدة إلى شخص شديد التنظيم.
وإذا اعتاد الانفعال، فلن يصبح هادئًا بمجرد أن يقرر ذلك مرة واحدة.
التغيير يحتاج إلى تكرار.
والتكرار يحتاج إلى صبر.
والصبر يحتاج إلى أن يتقبل الإنسان فكرة أن التقدم قد يكون بطيئًا في البداية.
وقد يكون النجاح في بعض الأيام هو أن يكرر الإنسان السلوك الصحيح مرة أخرى، حتى لو لم ير نتيجة كبيرة.
ومن هنا فإن الاستمرارية قد تكون أهم من الحماس.
الحماس يجعل الإنسان يبدأ، لكن العادة والاستمرارية هما ما يساعدانه على الاستمرار.
كما أن الإنسان يحتاج إلى أن يتعامل مع الفشل بطريقة مختلفة.
الفشل ليس بالضرورة دليلًا على أن الإنسان غير قادر، وإنما قد يكون نتيجة لطريقة لم تنجح.
هناك فرق بين «أنا فاشل» و«هذه المحاولة فشلت».
الجملة الأولى تغلق الباب، والثانية تفتحه.
عندما ينظر الإنسان إلى الفشل باعتباره معلومة، يبدأ في البحث عن السبب.
هل كانت الخطة غير مناسبة؟
هل لم أستعد جيدًا؟
هل كان الهدف غير واقعي؟
هل احتجت إلى مهارة لم أمتلكها؟
هل كان التوقيت خاطئًا؟
هل كان ينبغي أن أطلب مساعدة؟
هذه الأسئلة تحول الفشل من حكم نهائي إلى فرصة للتعلم.
كما أن التحكم في الذات يحتاج إلى أن يتعلم الإنسان التعامل مع الانتقاد.
ليس كل نقد هجومًا، وليس كل مدح حقيقة.
قد يكون هناك نقد ظالم لا يستحق الاهتمام، وقد يكون هناك نقد صادق يحتاج الإنسان إلى الاستفادة منه.
والإنسان الناضج لا يرفض كل نقد لمجرد أنه مؤلم، ولا يقبل كل كلام لمجرد أنه قيل بطريقة لطيفة.
وإنما يحاول أن يسأل: هل هناك شيء صحيح في هذا الكلام يمكنني الاستفادة منه؟
وهذا النوع من التفكير يمنح الإنسان قدرة أكبر على التطور.
كما أن العلاقات الإنسانية تمثل اختبارًا حقيقيًا للتحكم في الذات.
فالإنسان قد يكون هادئًا وحده، لكنه يفقد السيطرة عندما يتعامل مع شخص يختلف معه.
وقد يعرف كيف يدير عمله، لكنه لا يعرف كيف يدير خلافاته.
وقد يكون قادرًا على التعبير عن رأيه، لكنه لا يعرف كيف يستمع إلى رأي مختلف.
ومن هنا فإن التحكم في الذات يظهر في طريقة الحديث والاستماع، وفي القدرة على تأجيل الرد، وفي احترام الاختلاف، وفي وضع الحدود دون إساءة.
فليس كل خلاف يحتاج إلى معركة.
وليس كل كلمة تحتاج إلى رد.
وليس كل موقف يستحق أن نخسر من أجله علاقة.
وهنا تصبح الحكمة في معرفة متى نتكلم ومتى نصمت، ومتى نواجه ومتى ننسحب، ومتى نصر على موقفنا ومتى نعيد التفكير فيه.
كما أن الإنسان يحتاج إلى أن يعرف أن التحكم في الذات لا يعني محاولة التحكم في الآخرين.
وهذه نقطة مهمة.
قد يحاول شخص أن يغير شريكه أو زميله أو صديقه باستمرار، ثم يشعر بالإحباط لأن الآخرين لا يتصرفون بالطريقة التي يريدها.
لكن الإنسان يستطيع أن يتحكم في نفسه أكثر مما يستطيع التحكم في غيره.
يمكنه أن يحدد ما يقبله وما يرفضه، وأن يعبر عن احتياجاته، وأن يضع حدوده، وأن يختار طريقة تعامله، لكنه لا يستطيع أن يفرض على الآخرين مشاعر أو أفكارًا بعينها.
وهذا الفهم يخفف كثيرًا من الصدام.
كما أن البيئة المحيطة تؤثر في الإنسان.
الأشخاص الذين يعيش معهم، والمحتوى الذي يتابعه، والكلمات التي يسمعها بصورة مستمرة، كلها قد تؤثر في طريقة تفكيره.
ولهذا فإن الإنسان يحتاج إلى أن يسأل نفسه من وقت إلى آخر: ماذا أدخل إلى عقلي كل يوم؟
هل أستهلك محتوى يجعلني أكثر وعيًا أم أكثر توترًا؟
هل أحيط نفسي بأشخاص يساعدونني على النمو أم يجعلونني أرى الحياة بصورة أكثر سلبية؟
ولا يعني ذلك أن الإنسان يجب أن يعيش في عالم مثالي، وإنما أن يكون أكثر وعيًا بتأثير البيئة عليه.
كما أن التحكم في الذات يرتبط بالصورة التي يحملها الإنسان عن المستقبل.
فالإنسان الذي يتوقع الفشل دائمًا قد يتصرف بطريقة تقربه من الفشل دون أن يشعر.
والذي يتوقع أن كل شيء سهل قد يصاب بالإحباط عند أول عقبة.
أما النظرة الأكثر توازنًا فهي أن يدرك الإنسان أن النجاح ممكن، لكنه يحتاج إلى عمل، وأن الفشل ممكن، لكنه ليس نهاية العالم.
وهنا يصبح التفكير الواقعي أكثر فائدة من التفاؤل المبالغ فيه أو التشاؤم المستمر.
ومن الأفكار المهمة كذلك أن الإنسان يحتاج إلى أن يراقب الكلمات التي يستخدمها.
كلمات مثل «دائمًا» و«أبدًا» و«مستحيل» و«أنا لا أستطيع» قد تجعل المشكلة تبدو أكبر من حقيقتها.
فعندما يقول شخص «أنا دائمًا أفشل»، فإن تجربة واحدة قد تختفي أمام هذا التعميم.
وعندما يقول «أنا لا أستطيع التغيير»، فإنه يغلق الباب قبل أن يبدأ.
لكن عندما يقول «لم أنجح في هذه المحاولة» يصبح هناك مجال لمحاولة أخرى.
وهكذا يمكن للغة أن تكون أداة تساعد الإنسان على التفكير بصورة أكثر مرونة.
كما أن التحكم في الذات يحتاج إلى معرفة نقاط القوة والضعف.
معرفة نقاط القوة تساعد الإنسان على استثمارها، ومعرفة نقاط الضعف تساعده على تطويرها.
لكن المشكلة تحدث عندما تتحول نقطة الضعف إلى حكم نهائي.
أن تقول «أحتاج إلى تحسين مهاراتي في التواصل» أفضل من أن تقول «أنا لا أعرف كيف أتعامل مع الناس».
الجملة الأولى تفتح باب التدريب، أما الثانية فتغلقه.
والإنسان الذي يعرف أنه قادر على التعلم لا ينظر إلى نفسه باعتبارها شخصية مكتملة لا يمكن تعديلها.
بل يرى نفسه في حالة نمو مستمر.
ومن هنا فإن التعلم يمثل أحد أهم أدوات التحكم في الذات.
كل مهارة يتعلمها الإنسان تمنحه مساحة جديدة من الخيارات.
وكل معرفة جديدة تساعده على اتخاذ قرارات أفضل.
وكل تجربة يراجعها بصدق تضيف إلى خبرته.
ولهذا فإن الإنسان لا يحتاج إلى أن يعرف كل شيء حتى يبدأ، وإنما يحتاج إلى أن يكون مستعدًا للتعلم أثناء الطريق.
كما أن الإنسان يحتاج إلى أن يراجع نفسه بصورة مستمرة.
ما الذي تغير في حياتي؟
ما العادات التي أصبحت أفضل؟
ما السلوك الذي ما زال يعطلني؟
ما الشيء الذي أضيّع فيه وقتي؟
هل أهدافي ما زالت مناسبة؟
هل أتعامل مع الناس بالطريقة التي أريدها؟
هل ردود أفعالي تتناسب مع المواقف؟
هل أسمح للخوف بأن يقرر بدلًا مني؟
هذه المراجعة تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف الأخطاء قبل أن تتحول إلى نمط دائم.
ومن هنا فإن التحكم في الذات ليس مشروعًا له يوم انتهاء، وإنما ممارسة مستمرة.
وقد ينجح الإنسان في موقف ويفشل في آخر، وقد يكون هادئًا يومًا وينفعل في يوم آخر، لكن المهم ألا يتوقف عن التعلم.
فالتقدم لا يعني ألا نخطئ، وإنما يعني أن نصبح أفضل في التعامل مع أخطائنا.
كما أن تطوير الذات لا ينبغي أن يتحول إلى جلد مستمر للنفس.
فالإنسان الذي يراقب نفسه طوال الوقت بحثًا عن العيوب قد يتحول التطوير بالنسبة إليه إلى مصدر ضغط.
والهدف من التحكم في الذات ليس الوصول إلى إنسان مثالي لا يغضب ولا يخاف ولا يخطئ.
هذا الإنسان غير موجود.
الهدف أن يصبح الإنسان أكثر وعيًا بما يحدث داخله، وأكثر قدرة على اختيار رد فعله، وأكثر استعدادًا لتحمل نتائج قراراته والتعلم منها.
ومن نقاط القوة في الأفكار التي يقدمها الكتاب أنها تجعل الإنسان يقترب من نفسه بدلًا من أن يبحث دائمًا عن أسباب مشكلاته في الخارج.
فالإنسان قد لا يستطيع تغيير كل الظروف، لكنه يستطيع أن يبدأ من نفسه.
وقد لا يستطيع تغيير الآخرين، لكنه يستطيع تغيير طريقته في التعامل معهم.
وقد لا يستطيع منع المشكلات، لكنه يستطيع تطوير أدواته في مواجهتها.
وهذا يمنح فكرة التحكم في الذات قيمة عملية، لأنها لا تقدم الإنسان باعتباره مسيطرًا على العالم، وإنما باعتباره مسؤولًا عن المساحة التي يستطيع التأثير فيها.
لكن من المهم في الوقت نفسه التعامل مع أفكار التنمية البشرية بقدر من الواقعية والنقد.
فالإنسان لا يستطيع أن يحقق كل ما يريد بمجرد التفكير الإيجابي أو قوة الإرادة وحدهما.
هناك ظروف اقتصادية واجتماعية ومهنية وصحية، وهناك فرص قد تتاح لشخص ولا تتاح لآخر، وهناك مشكلات تحتاج إلى مساعدة متخصصة أو دعم من الآخرين.
ولذلك فإن التحكم في الذات لا يعني تحميل الإنسان مسؤولية كل شيء يحدث له.
وإنما يعني مساعدته على اكتشاف ما يستطيع فعله في حدود ظروفه وإمكاناته.
كما أن التحكم في الذات لا يعني تجاهل المشاعر أو إنكارها.
الحزن له مكانه، والخوف له وظيفته، والغضب قد يشير إلى وجود مشكلة، والقلق قد يدفع الإنسان إلى الاستعداد.
المطلوب ليس قتل المشاعر، وإنما فهمها.
فالإنسان الذي يكبت مشاعره باستمرار ليس بالضرورة شخصًا قويًا، كما أن الإنسان الذي يترك مشاعره تقوده في كل قرار ليس بالضرورة صادقًا مع نفسه.
القوة الحقيقية في إيجاد التوازن بين الشعور والعقل.
وعندما يستطيع الإنسان أن يتوقف قليلًا قبل أن يتصرف، وأن يسأل نفسه ماذا أشعر؟ ولماذا أشعر بذلك؟ وما التصرف الذي يخدم مصلحتي فعلًا؟ فإنه يكون قد بدأ في امتلاك مساحة أكبر من التحكم في نفسه.
ومن هنا يمكن النظر إلى «قوة التحكم بالذات» باعتباره كتابًا يدفع القارئ إلى طرح سؤال بسيط لكنه عميق: هل أنا أعيش حياتي وفق اختياراتي، أم أن عاداتي ومخاوفي وانفعالاتي وتجارب الماضي تختار عني؟
فالإنسان قد يظن أنه يتخذ قراراته بحرية، بينما يكون القرار في الحقيقة نتيجة عادة قديمة أو خوف متكرر أو اعتقاد لم يراجعه منذ سنوات.
والوعي بهذه الدائرة هو بداية الخروج منها.
فالتحكم في الذات لا يبدأ من السيطرة على الآخرين، وإنما من القدرة على إدارة النفس.
ولا يبدأ من محاولة تغيير العالم، وإنما من سؤال الإنسان لنفسه عما يستطيع تغييره في سلوكه وتفكيره.
ولا يعني أن الإنسان لن يغضب أو يخاف أو يفشل، وإنما يعني أنه لن يسمح لهذه الأشياء بأن تحدد حياته بالكامل.
وعندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
يقدم كتاب «قوة التحكم بالذات» رؤية تدعو الإنسان إلى الاقتراب من نفسه، وفهم أفكاره ومشاعره وعاداته، ومراجعة الطريقة التي يتعامل بها مع الأحداث والأشخاص والظروف.
فالإنسان ليس أسيرًا بالضرورة لما اعتاده، ولا لما حدث له في الماضي، ولا للأفكار التي حملها عن نفسه لسنوات طويلة.
وإذا كان الإنسان لا يستطيع التحكم في كل ما يحدث حوله، فإنه يستطيع في كثير من المواقف أن يختار طريقة استجابته، وأن يراجع قراراته، وأن يتعلم من أخطائه، وأن يغير بعض عاداته، وأن يبدأ من جديد.
وهنا تكمن الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من الكتاب: قوة الإنسان لا تظهر فقط عندما ينجح في السيطرة على الظروف، وإنما تظهر عندما يستطيع أن يسيطر على رد فعله تجاه الظروف، وأن يحافظ على قدرته على التفكير والاختيار حتى في الأوقات الصعبة.
فالتحكم في الذات ليس أن تمنع نفسك من الحياة، وإنما أن تعيشها بوعي أكبر.
وليس أن تتحول إلى شخص لا يتأثر، وإنما أن تتعلم كيف تتأثر دون أن تفقد قدرتك على الاختيار.
وليس أن تتخلص من كل نقاط ضعفك، وإنما أن تعرفها وتتعامل معها وتعمل على تطويرها.
وربما يكون السؤال الذي يتركه الكتاب خلفه ليس «كيف أتحكم في كل شيء؟»، فهذا غير ممكن، وإنما السؤال الأكثر واقعية: ما الشيء الذي أستطيع أن أتحكم فيه اليوم وأبدأ بتغييره؟
فقد تكون البداية فكرة، أو عادة، أو كلمة، أو رد فعل، أو قرارًا صغيرًا، لكن التغيير الحقيقي كثيرًا ما يبدأ من هذه التفاصيل التي تبدو بسيطة قبل أن تتحول مع الوقت إلى أسلوب حياة.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: قوة التحكم بالذات
المؤلف: د. إبراهيم الفقي
التصنيف: التنمية البشرية وتطوير الذات والتحكم في الأفكار والسلوك
الناشر: المركز الكندي للتنمية البشرية
مكان النشر: كندا
تاريخ النشر الوارد في النسخة: يناير ٢٠٠٠
الإخراج والطباعة: دار التوبة – الرياض – المملكة العربية السعودية
التجهيز الفني: آمال الفقي وكوستا هوفرز
الترجمة: سلوى كمال وفخري كمال
المراجعة: فخري كمال والدكتور إبراهيم الفقي
الطباعة: إيدا صادق
التصوير: توني لورينياديس
الترقيم الدولي: ISBN 0-9682559
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.
وتظل جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف والناشر وفق البيانات الواردة في النسخة المشار إليها، ويُنصح بالرجوع إلى الكتاب الأصلي للاطلاع على العمل كاملًا.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *