بين المناهج القديمة وتسليع المعرفة.. كيف تحول التعليم إلى مأساة؟

لم تعد قضية تطوير التعليم في مصر مجرد خطط وزارية تُطرح على الورق، بل تحولت إلى أزمة هيكلية متكاملة الأركان تتجدد فصولها مع بداية كل عام دراسي.

وفي قراءة نقدية لواقع المنظومة التعليمية، يتكشف جلياً أن محاولات الإصلاح المتكررة غالباً ما تقف عند قشور الأمور، متجاهلة الجذور الحقيقية للمرض المؤسسي الذي ينحر في جسد التعليم.

تبدأ الأزمة الحقيقية من اختلال معايير اختيار وتأهيل المعلم، حيث دخلت المهنة فئات بعيدة كل البعد عن رسالتها السامية، مما أدى لانتشار ممارسات سلبية تبدأ بالعنف اللفظي والجسدي وتفريغ العقد النفسية على الطلاب.

ويمتد هذا الخلل إلى انعدام الضمير المهني لدى البعض، وتعمد تقديم شرح هزيل داخل الفصول لدفع الطلاب قسراً نحو الدروس الخصوصية.

إن إصلاح هذا الركن يتطلب غربلة حقيقية عبر اختبارات نفسية وتربوية دقيقة قبل التعيين، بجانب توفير عائد مادي عادل يضمن كرامة المعلم ويجعله حريصاً على عودة المدرسة لدورها الأصيل.

لا تزال المناهج التعليمية أسيرة لثقافة الحفظ صم لجمع الدرجات، بدلاً من تحفيز التفكير النقدي والإبداعي.

وعلى الرغم من بعض المحاولات الوزارية للتحول نحو الفهم، إلا أن ثقافة المجتمع المعتادة على ربط التفوق بدرجات الحفظ تشكل عائقاً أمام أي تغير حقيقي، مما يجعل الانتقال التدريجي نحو الفهم حاجة ملحة وليست ترفاً.

وتعاني المنظومة من آفة تغيير السياسات مع تولي كل وزير جديد منصبه، حيث يُلغى جهد السابق ويبدأ مسار جديد يربك الطلاب والمعلمين على حد سواء، ويجعل قطاع التعليم حقل تجارب لا ينتهي، في ظل غياب استراتيجية قومية مستقرة لا تتبدل بتغير الأشخاص.

تحولت الدروس الخصوصية والكتب الخارجية إلى قطاع موازٍ يستنزف طاقات الأسر وأوقاتها، ويهمش دور المدرسة تماماً.

والأسئلة التي تفرض نفسها بقوة هي: من المستفيد الحقيقي من تراجع الكتاب المدرسي لصالح الكتب التجارية؟ ولماذا يُترك الطالب رهينة لشبكة من الدروس التي تستهلك وقته ولا تبني عقله؟.

إن إنقاذ التعليم في مصر ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب شجاعة في تشخيص الوعاء المؤسسي ككل، وتحرير المعلم، وإعادة هيبة المدرسة، لتكون بيئة حاضنة للعقول وصانعة حقيقية للمستقبل لا مجرد ساحة لتجارب عابرة.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *