يمثل التعليم الفني الجسر الحقيقي بين النظرية والتطبيق، وهو المسار الذي يُعد كوادر مدربة وقادرة على بناء صناعة وطنية قوية، وعلى تقديم مستقبل أفضل لمصر.
ولعل في السنوات الماضية من اتجاهات متعددة وتبني العديد من المصانع والشركات الكبرى لتوقيع بروتوكولات مع الجامعات والمدارس الفنية، لتأهيل طلابهم لما بعد التخرج ما يبشر بمستقبل قوامه العلم وجوهره يد مدربة على أحدث ما أفرزته التكنولوجيا الحديثة.
ومن مزايا الاهتمام بالتعليم الفني والتدريب المزدوج الذي أصبح ركيزة أساسية لدعم الصناعة الوطنية وتلبية احتياجات سوق العمل الحديثة، أنها تعكس حجم الإيمان بأن رأس المال البشري في مصر يضع الإنسان في قلب المشروع الوطني للتنمية المستدامة.
كما أن الاستثمار في الإنسان ليس واجبًا اجتماعيًا فقط، وإنما استثمارًا اقتصاديًا يعزز التنافسية ويقود نحو اقتصاد معرفي متطور، خاصة وأن الزيادة الكبيرة في الاستثمارات الموجهة للتنمية البشرية خلال الأعوام الماضية أثمرت في بناء قاعدة صلبة من المهارات والمعرفة لدى القوى العاملة.
وما يشهده سوق العمل من انخفاض معدلات البطالة بشكل ملحوظ، بالإضافة إلى زيادة أعداد القوى العاملة المؤهلة علميًا وفنيًا، هو دليل واضح على نجاح استراتيجية التدريب والتعليم المهني، فالربط بين التعليم وسوق العمل من خلال المبادرات الحديثة وبرامج التدريب المتخصصة يُمثل خريطة طريق للتنمية المستدامة.
كما أن تطوير المدارس الفنية والتكنولوجية ومراكز التدريب المهني يُسهم في تأهيل الشباب لمهن المستقبل ويقلل فجوة المهارات، ويقدم للسوق المحلي والعالمي كادرًا مهنيًا مدربًا ومؤهلًا يتفادى به هادر التجربة والسنوات التي تقدم للعامل خلال فترته الأولى لتكوين الخبرة أو العمل على تأهيله لمواكبة الأحدث في مجال الصناعات.
ومما لا شك فيه فإن عصر التكنولوجيا والرقمنة الحديثة فتح مجالًا صناعية وتعليمية غير تقليدية تكيف معها الإنسان لسنوات عديدة، كما أنه جعل عوائد الاستثمار أكثر بكثير من سابقتها، وأصبحت القدرة على البناء وتحقيق طفرة إنتاجية وصناعية قائمة على موازين العلم أكثر أمانًا من نظيرتها القائمة على العشوائية وحسابات السوق.
لذا فلا يمكن ونحن في عصر الذكاء الاصطناعي والتطور الرقمي أن تظل النظرة المجتمعية ذاتها في التعامل مع التعليم الفني بصفته هامشيًا وثانويًا في معادلة التعليم، فكان التوجيه الرئاسي بتنمية المهارات وتوزيع الجهد والقدرات فيما يعود بالنفع والتطور واحتياج سوق العمل أمر غاية الأهمية.
فليس مقبولًا أن يظل الاعتقاد بالشهادات دون جدواها بعد التخرج سائدًا فيما أصبحت الحاجة التكامل بين الدراسة والتطبيق كوسيلة للربح السريع والتطور على حد سواء.
كما أنه علينا أن نؤمن إيمانًا راسخًا بأن التكامل بين الصناعة والتعليم هو الطريق الأمثل لبناء كوادر بشرية قادرة على مواكبة تطورات سوق العمل ودعم مسيرة التنمية الصناعية في مصر.
وتكمن التحديات الخاصة بالتعليم الفني وفق ما ذكرته إحدى الدراسات الحديثة المتعلقة به محليًا، هو أن الطلاب بحاجة لاكتساب مهارات جديدة تتوافق مع متطلبات العصر، وهذا يتطلب إتاحة فرص تعلم مختلفة، ومناهج دراسية واستراتيجيات تعليم وتعلم وسبل تقويم جديدة تتناسب مع تحديات الثورة الصناعية الخامسة.
كما ينبغي الاستفادة من تطبيقات وتقنيات هذه الثورة لتحسين مستوى جودة مخرجات العملية التعليمية، وإعداد طلاب قادرين على العمل والحياة في ظل تحديات هذه الثورة. ويقتضي ذلك بناء رؤية لتعليم تتوافق مع متطلبات الثورة الصناعية الخامسة، ليتمكن الخريجون من العمل في ظروف سريعة التغير والتكيف ومع متطلبات سوق العمل المتغيرة، والتواصل بفاعلية مع الآخرين واقعيًا وافتراضيًا.
ومنذ عام 2014، بدأت الدولة تنفيذ استراتيجية لإصلاح التعليم الفني، تضمنت تحويل المناهج إلى مناهج قائمة على الجدارة (Competency-Based Curricula) بنسبة 80%، مع استهداف الانتهاء الكامل بحلول 2025 إنشاء هيئة مستقلة لضمان الجودة والاعتماد (إتقان)، وافتتاح مدارس التكنولوجيا التطبيقية بالشراكة مع القطاع الخاص، بلغ عددها 52 مدرسة حتى الآن، مع خطة للوصول إلى 420 مدرسة بحلول 2030، وإنشاء الجامعات التكنولوجية التي تمنح درجات مهنية (دبلوم، بكالوريوس، ماجستير، دكتوراه)، وتتيح مسارات تعليمية لخريجي التعليم الفني.
وكذلك برنامج TVET الممول من الحكومة والاتحاد الأوروبي، يهدف إلى تحسين الحوكمة، تطوير المناهج، وتسهيل انتقال الطلاب إلى سوق العمل من خلال التدريب والإرشاد المهني .
وأسفرت تلك الجهود بأن تقدمت مصر 32 مركزاً في مؤشر التعليم الفني والتدريب المهني الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وارتفعت نسبة المدارس الفنية بنسبة 84.6% خلال العقد الأخير، وتم تطوير 131 برنامجاً وتخصصاً جديداً، وعقد 77 شراكة مع القطاع الخاص، تستهدف الدولة توفير فرص عمل لـ 80% من خريجي التعليم الفني بحلول 2030.
وفي سوق العمل وهو المجال الذي يتم فيه تبادل العمل والخدمات بين العاملين وأصحاب العمل ويعد سوقًا اقتصاديًا يتمثل جانب لعرض على العمالة سواء من قبل الشركات وغيرها، ويعد العنصر البشرى من أهم عناصر الإنتاج، قفزت مصر فـي مؤشـر مرونـة العمـل العالمـي في عام 2020 متقدمة 15 مركز حيـث حصلـت علـى المرتبة 67 من بين 145 دولة مقارنة بالمرتبة 82 من 122 دولة عام 2019 حيـث حققـت مصـر تقدمًا ملحوظًا في المؤشـرات الخاصـة بالتنويـع الاقتصـادي، والتعليـم والمهارات والابتكار وريادة الأعمال.
أخيرًا لا تزال النظرة المجتمعية السلبية تجاه التعليم الفني تمثل عائقًا أمام جذب الطلاب المتفوقين، لذا نحن بحاجة إلى حملات توعية لتحسين صورة التعليم الفني في المجتمع.







