ازمه البوصله التعليميه

أزمة البوصلة التعليمية

المشكلة التي تسبق فجوة التعليم وسوق العمل

بقلم عمرو فكري

حين نتحدث عن مشكلات التعليم في مصر غالبًا ما نذهب إلى الأماكن المعروفة
نتحدث عن المناهج وكثافة الفصول والامتحانات والدروس الخصوصية وضعف التدريب وربط التعليم بسوق العمل

لكن هناك مشكلة أهدأ من كل هذه المشكلات وأخطر منها في بعض الأحيان

الطالب نفسه لا يعرف إلى أين يذهب

قد يقضي الطالب سنوات طويلة في التعليم وهو ينجح في الامتحانات واحدة تلو الأخرى لكنه لا يحصل على إجابة واضحة عن سؤال بسيط جدًا

أنا مناسب لإيه؟

السؤال يبدو بسيطًا لكنه في الحقيقة يمكن أن يحدد عشرات السنوات من حياة الإنسان

الطالب يختار أحيانًا تخصصه بناء على مجموعه
وأحيانًا بناء على رغبة الأسرة
وأحيانًا لأن أحد أصدقائه اختار المجال نفسه
وأحيانًا لأن المجتمع يعتبر كلية معينة أفضل من غيرها
وأحيانًا لأن المعلومات المتاحة أمامه عن سوق العمل قديمة أو ناقصة

وهنا تظهر أزمة يمكن تسميتها أزمة البوصلة التعليمية

المشكلة ليست أن الطالب لا يملك طريقًا
المشكلة أنه يُطلب منه أن يسير في الطريق قبل أن يعرف إن كان هذا الطريق مناسبًا له أصلًا

نحن نعامل اختيار التخصص وكأنه قرار إداري بسيط

درجة الطالب تحدد الخيارات
والتنسيق يحدد الكلية
والكلية تحدد التخصص
والسنوات تمر
ثم يأتي سوق العمل في النهاية ليكتشف الطالب معه أن الشهادة التي حصل عليها لا تعني بالضرورة أنه يمتلك المهارات المطلوبة

وهنا تبدأ المفارقة

نقضي سنوات طويلة في تعليم الطالب كيف يجيب عن الأسئلة التي نضعها أمامه
لكننا لا نقضي وقتًا كافيًا في تعليمه كيف يكتشف الأسئلة التي يجب أن يطرحها على نفسه

ماذا أحب
ماذا أجيد
ما نوع العمل الذي يناسب شخصيتي
هل أفضل العمل الفردي أم الجماعي
هل أمتلك قدرة على التحليل أم التواصل أم التصميم أم الإدارة أم العمل التقني
ما المهارات التي أستطيع تطويرها
وما المجالات التي ستحتاج هذه المهارات خلال السنوات القادمة

هذه الأسئلة ليست رفاهية

هذه الأسئلة أصبحت جزءًا من التعليم نفسه

العالم تغير بسرعة شديدة وسوق العمل أصبح يتحرك أسرع من قدرة كثير من الأنظمة التعليمية على التكيف معه

وظائف تختفي أو تتقلص
وظائف جديدة تظهر
مهارات تتغير
وتخصصات كانت مطلوبة بشدة منذ سنوات قد لا تكون بنفس القوة مستقبلًا

ومع ذلك ما زال الطالب في لحظة الاختيار يعتمد بدرجة كبيرة على معلومات اجتماعية تقليدية

فلان دخل كلية كذا
ابن فلان أصبح مهندسًا
قريبنا قال إن المجال ده كويس
الكلية دي مجموعها عالي
التخصص ده له مستقبل

وهكذا يتحول القرار الذي يفترض أن يكون فرديًا إلى قرار جماعي

والنتيجة أن بعض الطلاب يصلون إلى الجامعة وهم يحملون شهادة الثانوية لكنهم لم يحملوا معها خريطة واضحة لمستقبلهم

ثم تبدأ مشكلة أخرى

الطالب الذي اكتشف بعد سنتين أن التخصص لا يناسبه يجد نفسه أمام تكلفة كبيرة جدًا للعودة

سنوات ضاعت
مصاريف دُفعت
مجهود بُذل
وضغط أسري واجتماعي يجعل تغيير المسار يبدو وكأنه فشل

مع أن تغيير المسار في الحقيقة قد يكون نجاحًا إذا حدث في الوقت المناسب

وهنا يمكن أن يبدأ إصلاح مختلف للتعليم

نحن بحاجة إلى الانتقال من فكرة التوجيه الجامعي إلى فكرة التوجيه المهني المبكر

الطالب لا يحتاج فقط إلى شخص يخبره أي كلية يمكن أن يدخلها

يحتاج إلى نظام يساعده على اكتشاف نفسه

يمكن أن يبدأ هذا النظام من المرحلة الإعدادية بصورة مبسطة ثم يتطور مع تقدم الطالب في العمر

اختبارات عملية للقدرات
مشروعات قصيرة
تجارب في مجالات مختلفة
أنشطة تكشف الميول
لقاءات مع متخصصين من سوق العمل
زيارات لأماكن العمل
ومعلومات حقيقية ومحدثة عن التخصصات والوظائف والمهارات المطلوبة

بدل أن نقول للطالب إن الهندسة لها مستقبل مثلًا يمكن أن نريه شكل المستقبل نفسه

ما الوظائف الموجودة داخل المجال
ما المهارات المطلوبة
ما متوسط سنوات التعلم والتدريب
ما المجالات التي يمكن أن ينتقل إليها بعد التخرج
وما التغيرات التي يشهدها القطاع

وهنا تظهر فكرة يمكن أن تغير شكل العلاقة بين الطالب والتعليم

جواز السفر المهني للطالب

ملف رقمي يبدأ منذ سنوات التعليم الأولى ويتطور مع الطالب

لا يكون مجرد درجات

بل يحتوي على المهارات التي أظهرها
المشروعات التي شارك فيها
الأنشطة التي تميز فيها
المجالات التي أبدى اهتمامًا بها
القدرات التي تحتاج إلى تطوير
والتخصصات المهنية التي تتوافق بدرجة أكبر مع ملفه

بهذا الشكل لا يصبح الطالب مجرد رقم في مكتب التنسيق

يصبح شخصًا لديه قصة تعليمية ومهنية تتكون تدريجيًا

ويمكن أن تلعب المدارس والجامعات والشركات دورًا حقيقيًا في هذه العملية

الشركات لا تنتظر حتى يتخرج الطالب ثم تقول إن الخريجين لا يمتلكون المهارات المطلوبة

يمكن أن تشارك منذ مرحلة التعليم في تعريف الطلاب بطبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة

والمدرسة لا يكون دورها فقط أن ترفع درجات الطالب

بل أن تساعده على اكتشاف نفسه

والجامعة لا تبدأ علاقتها بالطالب يوم إعلان نتيجة التنسيق

بل تكون امتدادًا طبيعيًا لرحلة بدأت قبل ذلك بسنوات

أما الأسرة فلها دور بالغ الأهمية

لأن كثيرًا من القرارات التعليمية لا يصنعها الطالب وحده

الأب والأم يريدان الأفضل لأبنائهما وهذا أمر طبيعي
لكن الأفضل لا يعني دائمًا اختيار التخصص صاحب الاسم الأكبر أو المجموع الأعلى

الأفضل هو المجال الذي يستطيع الطالب أن يبني داخله قيمة حقيقية

وهنا يجب أن نعيد تعريف النجاح

ليس كل طالب يجب أن يصبح طبيبًا أو مهندسًا أو موظفًا في وظيفة حكومية مرموقة حتى نقول إنه نجح

المجتمع الحديث يحتاج إلى مهارات كثيرة

فني محترف
مصمم
مبرمج
فني صيانة
متخصص تسويق
صانع محتوى
محاسب
ممرض
فني صناعي
مدير مشروعات
حرفي محترف
رائد أعمال
ومتخصصين في مجالات جديدة قد لا تكون لها أسماء واضحة حتى الآن

المشكلة إذن ليست فقط في عدد الخريجين

المشكلة في الطريقة التي نصل بها إلى الخريج

هل وصل إلى المجال الذي يناسبه
هل اكتشف قدراته مبكرًا
هل عرف احتياجات السوق
هل حصل على فرصة حقيقية للتجربة
هل تعلم كيف يتعلم من جديد عندما يتغير السوق

هذه الأسئلة قد تكون أهم من السؤال التقليدي عن عدد سنوات الدراسة

لأن التعليم الذي يعطي الطالب شهادة دون بوصلة يشبه شخصًا أعطيناه سيارة حديثة جدًا ثم طلبنا منه أن يقودها دون أن نخبره إلى أين يذهب

قد يتحرك بسرعة

وقد يقطع مسافة طويلة

وقد يصل فعلًا إلى مكان ما

لكن الوصول لا يعني أنه وصل إلى المكان الصحيح

إصلاح التعليم في مصر يحتاج بالتأكيد إلى تطوير المناهج وتحسين البيئة التعليمية وربط الدراسة بالمهارات المطلوبة

لكن كل ذلك سيظل ناقصًا إذا لم نصلح نقطة البداية نفسها

اختيار الطالب لطريقه

ربما لا تكون أكبر مشكلة في التعليم أن الطالب لا يعرف الكثير

ربما المشكلة الأكثر تكلفة هي أن الطالب يعرف الكثير عن كل شيء تقريبًا لكنه لا يعرف شيئًا كافيًا عن نفسه

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية

قبل أن نسأل الطالب ماذا ستدرس
يجب أن نسأله أولًا

من أنت وماذا تستطيع أن تصبح؟

لأن الطالب الذي يعرف نفسه يستطيع أن يتعلم

والطالب الذي يعرف هدفه يستطيع أن يتحمل صعوبة الطريق

لكن الطالب الذي يمشي بلا بوصلة قد يقضي سنوات طويلة في الحركة ثم يكتشف أن المشكلة لم تكن في الطريق

كانت المشكلة أنه لم يختر الطريق أصلًا

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *