غارق في النعم.. هل نعرف قيمة ما نملك؟

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصارا للكتاب ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابا للتأمل أكثر مما تقدم أحكاما نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

ينطلق الكاتب”بشار معرفي” في كتاب”غارق في النعم”من فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل مساحة واسعة للتأمل، وهي أن الإنسان يعيش وسط عدد كبير من النعم التي قد لا ينتبه إليها بسبب اعتياده عليها.

فالإنسان غالبا ما يلتفت إلى ما ينقصه أكثر مما يلتفت إلى ما يمتلكه، ومع مرور الوقت تتحول أشياء كثيرة كانت تستحق الفرح إلى تفاصيل عادية، لا يشعر بقيمتها إلا عندما يفقدها أو يبتعد عنها.

يحاول الكاتب إعادة النظر في مفهوم النعمة، بحيث لا تقتصر على المال أو الممتلكات، وإنما تشمل الصحة والأهل والأمان والقدرة على الحركة والوقت والعلاقات والفرص، وكل التفاصيل الصغيرة التي تمنح الحياة معناها.

وتتمثل رسالة الكتاب في دعوة القارئ إلى التوقف قليلا وسط انشغالات الحياة، ومحاولة رؤية ما يحيط به من نعم، قبل أن يتحول الاعتياد عليها إلى نوع من الغفلة.

الاعتياد قد يجعل النعمة غير مرئية:

من الأفكار الأساسية في الكتاب أن الإنسان قد يفقد إحساسه بقيمة الأشياء بسبب وجودها المستمر في حياته، فالشيء الذي كان يسعده في البداية قد يصبح مع الوقت جزءا عاديا من يومه، ولذلك يحتاج الإنسان أحيانا إلى التوقف وإعادة النظر فيما يملكه.

النعم ليست دائما أشياء مادية:

يركز الكتاب على أن مفهوم النعمة أوسع من المال والممتلكات، فوجود الأسرة والصحة والأصدقاء والقدرة على التعلم والعمل والشعور بالأمان، كلها صور من النعم التي قد لا ينتبه إليها الإنسان إلا عندما تتغير ظروفه.

المقارنة قد تسرق الشعور بالرضا:

عندما ينظر الإنسان باستمرار إلى ما يمتلكه الآخرون، فإنه قد يشعر بأن ما لديه قليل، حتى لو كان يعيش حياة مليئة بالأشياء الجيدة، ولذلك تصبح المقارنة المستمرة سببا في عدم رؤية النعم الموجودة بالفعل.

الامتنان يعيد ترتيب نظرة الإنسان للحياة:

لا يرتبط الامتنان بامتلاك حياة مثالية، وإنما بطريقة النظر إلى الموجود، فحتى مع وجود المشكلات يمكن للإنسان أن يلاحظ الجوانب الإيجابية التي ما زالت موجودة في حياته.

التأمل في التفاصيل اليومية:

يلفت الكتاب الانتباه إلى أن بعض النعم موجودة في تفاصيل صغيرة نعيشها بشكل متكرر دون أن نفكر فيها، مثل القدرة على الاستيقاظ وممارسة الحياة والجلوس مع من نحب والعودة إلى المنزل والشعور بالأمان.

بعد القراءة التحليلية للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استندا عليها الكاتب وهي أن:

الاعتياد قد يجعل الإنسان يتوقف عن ملاحظة النعم الموجودة في حياته.

النعمة لا ترتبط بالمال وحده، وإنما تشمل تفاصيل كثيرة في الحياة.

المقارنة المستمرة تجعل الإنسان أكثر انشغالا بما ينقصه.

الامتنان يساعد على رؤية الجانب الإيجابي من الحياة.

التفاصيل الصغيرة قد تحمل قيمة كبيرة لا تظهر إلا عند فقدانها.

الإنسان يحتاج إلى التوقف أحيانا حتى يعيد اكتشاف ما يحيط به.

الرضا لا يعني غياب المشكلات، وإنما القدرة على رؤية ما هو جيد رغم وجودها.

تقدير النعم يحتاج إلى وعي، وليس إلى انتظار فقدانها.

طريقة النظر إلى الحياة تؤثر في شعور الإنسان تجاهها.

إدراك النعم يمكن أن يجعل الإنسان أكثر قدرة على التعامل مع صعوبات الحياة.

الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:

يستهدف الكتاب كل من يشعر بأن ضغوط الحياة جعلته منشغلا بما ينقصه أكثر مما يمتلكه، كما يناسب الشباب وكل من يعيش حالة من المقارنة المستمرة أو عدم الرضا عن تفاصيل حياته.

ويمكن أن يكون الكتاب مناسبا لمن يبحث عن قراءة هادئة تساعده على إعادة النظر في الأشياء التي اعتاد وجودها، ولم يعد يشعر بقيمتها.

كما يخاطب الكتاب من يهتم بموضوعات الامتنان والرضا والتأمل في الحياة، ويرغب في النظر إلى التفاصيل اليومية من زاوية مختلفة.

أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي:

تتمثل أهم نقاط قوة الكتاب في بساطة فكرته وقرب موضوعه من الحياة اليومية، فالكتاب يتناول شيئا يعيشه الإنسان باستمرار، وهو اعتياده على النعم وعدم الانتباه إلى قيمتها، كما أن الفكرة لا ترتبط بفئة عمرية محددة، ويمكن للقارئ إسقاطها على حياته وتجربته الخاصة.

ومن نقاط القوة أيضا أن الكتاب يلفت الانتباه إلى النعم الصغيرة التي قد لا تحظى بالاهتمام، رغم تأثيرها الكبير في حياة الإنسان.

أما نقاط الضعف، فقد يرى بعض القراء أن فكرة الامتنان وتقدير النعم من الأفكار المتداولة في كتب التنمية الذاتية والكتب التي تتناول تطوير نظرة الإنسان إلى الحياة.

كما أن التركيز على الامتنان يحتاج إلى توازن، حتى لا يتحول إلى مطالبة الإنسان بتجاهل مشكلاته أو التقليل من مشاعره الصعبة، فوجود النعم لا يعني أن الإنسان لا يحق له الشعور بالحزن أو التعب.

ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:

أهم هذه المفاهيم هو الفرق بين الرضا والاستسلام، فالرضا عن النعم الموجودة لا يعني التوقف عن السعي لتحسين الحياة، كما أن الاعتراف بالمشكلات لا يتعارض مع الشعور بالامتنان.

كما أن الامتنان الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجرد كلمات تتكرر، وإنما طريقة في رؤية الحياة تجعل الإنسان أكثر وعيا بما يمتلكه وأكثر قدرة على تقديره.

ويفتح الكتاب أيضا نقاشا حول المقارنة بالآخرين، فالمشكلة ليست في ملاحظة اختلاف حياة الناس، وإنما في تحويل هذه المقارنة إلى مقياس دائم لقيمة الإنسان وسعادته.

وفي النهاية تبدو الفكرة الأهم في الكتاب هي أن الإنسان قد يكون غارقا في النعم، لكنه لا يراها لأنها أصبحت جزءا من المشهد اليومي، ولذلك فإن بعض النعم لا تحتاج إلى أن تزيد حتى نشعر بقيمتها، وإنما تحتاج إلى أن ننتبه إليها.

في النهاية عندما تطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة، إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية، وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة، أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، وينصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان:”غارق في النعم”

المؤلف:”بشار معرفي”

دار النشر: حروف الكويت للنشر والتوزيع

بلد النشر: الكويت

سنة النشر: 2024

عدد الصفحات: 124 صفحة

ISBN: 9789921796315

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *