الإبداع لا يبدأ من الموهبة.. بل من الجرأة

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصارا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابا للتأمل أكثر مما تقدم أحكاما نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

يحاول كتاب”كيف أكون مبدعا” للكاتبه”هارييت جريفي”إعادة النظر في الفكرة الشائعة التي تجعل الإبداع موهبة خاصة يمتلكها بعض الأشخاص دون غيرهم، فالكاتبة تقدم الإبداع باعتباره قدرة يمكن اكتشافها وتطويرها من خلال التدريب والملاحظة والتجربة والانفتاح على الأفكار الجديدة.

وتوجه المؤلفة القارئ إلى التعامل مع الإبداع باعتباره جزءا من الحياة اليومية، وليس نشاطا مرتبطا بالفن فقط، فالإنسان يستطيع أن يكون مبدعا في عمله، وفي دراسته، وفي طريقة حل المشكلات، وفي علاقاته، وحتى في طريقة نظره إلى المواقف المعتادة.

وتكمن الرسالة الأساسية للكتاب في أن الخوف من الفشل أو الاعتقاد بعدم امتلاك الموهبة قد يكونان من أكبر العوائق أمام الإبداع، لذلك تدعو الكاتبة إلى منح النفس فرصة للتجربة، وعدم انتظار الفكرة المثالية قبل البدء.

الإبداع يبدأ من الفضول:

طرح الأسئلة والبحث عن إجابات مختلفة يساعدان الإنسان على رؤية الأشياء المعتادة من زوايا جديدة فالفضول يجعل العقل أكثر استعدادا لاكتشاف الاحتمالات، بدلا من الاكتفاء بما هو معروف.

الإبداع يحتاج إلى التجربة:

الفكرة مهما كانت جيدة تظل مجرد فكرة إذا لم تدخل مرحلة التطبيق، ولذلك فإن التجربة والمحاولة واكتشاف الأخطاء تمثل جزءا مهما من الطريق إلى الإبداع.

الخوف من الخطأ يقتل الأفكار:

عندما يخشى الإنسان أن تكون فكرته غير جيدة، فقد يتوقف عن طرحها من الأساس، ولهذا فإن تقبل الخطأ يساعد على منح العقل مساحة أكبر للتجربة والتعلم.

الإبداع موجود في الحياة اليومية:

لا يحتاج الإنسان إلى أن يكون فنانا حتى يكون مبدعا، فقد يظهر الإبداع في طريقة حل مشكلة، أو تنظيم الوقت، أو تطوير أسلوب العمل، أو ابتكار طريقة جديدة للتعامل مع موقف معين.

الاستلهام يوسع الخيال:

القراءة ومشاهدة أعمال الآخرين والتعرف على تجارب مختلفة يمكن أن تفتح أمام الإنسان أبوابا جديدة للتفكير، لكن الاستفادة الحقيقية لا تكون في التقليد، وإنما في إعادة تشكيل الأفكار بصورة شخصية.

الهدوء يساعد على ظهور الأفكار:

العقل يحتاج أحيانا إلى الابتعاد عن الضغط المستمر حتى يستطيع ترتيب المعلومات وربطها بصورة جديدة، ولذلك فإن الراحة ليست دائما عكس الإنتاجية، بل قد تكون جزءا من العملية الإبداعية.

بعد القراءة التحليلية للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استندا عليها الكاتب وهي أن:

الإبداع ليس حكرا على أصحاب المواهب الفنية.

الفضول يساعد على اكتشاف أفكار جديدة.

التجربة أهم من انتظار الفكرة المثالية.

الخوف من الفشل يمكن أن يمنع الإنسان من الإبداع.

الخطأ جزء طبيعي من التعلم والتطور.

الإبداع يمكن أن يظهر في تفاصيل الحياة اليومية.

الاستلهام من الآخرين يساعد على توسيع الخيال.

ممارسة الإبداع باستمرار تساعد على تطويره.

الهدوء والابتعاد عن الضغط قد يساعدان على التفكير بشكل أفضل.

تحويل الفكرة إلى تطبيق هو الاختبار الحقيقي لقيمتها.

وتكشف هذه الأفكار أن الكتاب لا يحاول تقديم الإبداع باعتباره حالة استثنائية، وإنما يسعى إلى جعله أقرب إلى السلوك اليومي، فبدلا من سؤال الإنسان عن امتلاكه الموهبة من عدمها، يصبح السؤال الأهم هو كيف يمكنه أن يمنح نفسه فرصة أكبر للتجربة.

الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:

يستهدف الكتاب كل شخص يشعر بأن الإبداع بعيد عنه، أو يعتقد أن الموهبة شرط أساسي لإنتاج الأفكار الجديدة، كما يمكن أن يكون مناسبا للطلاب والموظفين وأصحاب الأعمال، وكل من يريد التخلص من الروتين وتطوير طريقة تفكيره.

ويستفيد منه أيضا الأشخاص الذين يشعرون بالخوف من الفشل أو التردد في تجربة أفكار جديد؛ فالكتاب يحاول التأكيد على أن الإبداع لا يظهر دائما من المحاولة الأولى، وإنما يحتاج إلى ممارسة وصبر واستعداد لإعادة المحاولة.

كما يناسب الكتاب من يبحث عن مدخل بسيط إلى موضوع الإبداع، بعيدا عن النظريات المعقدة فهو يقدم الفكرة بصورة عملية وقريبة من الحياة اليومية.

أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي:

تتمثل أهم نقاط القوة في بساطة الفكرة ووضوحها، وفي محاولة الكاتبة جعل الإبداع مفهوما متاحا للجميع، وليس مرتبطا بفئة محددة، كما أن الجانب العملي في الكتاب يساعد القارئ على التفكير في كيفية استخدام الإبداع داخل حياته اليومية.

ومن نقاط القوة أيضا أن الكتاب لا يركز على النجاح والإنجاز فقط، وإنما يتعامل مع الإبداع باعتباره وسيلة لاكتشاف الذات والخروج من التفكير التقليدي.

أما من ناحية الضعف، فإن بعض الأفكار قد تبدو بسيطة بالنسبة إلى القارئ الذي سبق له قراءة الكثير من كتب التنمية الذاتية والإبداع، كما أن تطبيق بعض الأفكار يحتاج إلى ظروف مناسبة ووقت يسمح بالتجربة، وهو أمر يختلف من شخص إلى آخر.

ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:

أول هذه المفاهيم هو فكرة أن كل إنسان يستطيع أن يكون مبدعا، وهي فكرة إيجابية، لكنها تحتاج إلى فهم واقعي، لأن الناس يختلفون في قدراتهم وخبراتهم وظروفهم، لذلك فإن امتلاك القدرة على الإبداع لا يعني بالضرورة امتلاك المستوى نفسه من المهارة.

كما أن التغلب على الخوف من الفشل ليس أمرا سهلا دائما، فقد يكون الخوف نتيجة تجارب سابقة أو نقد مستمر أو بيئة لا تسمح بالخطأ، ولذلك فإن تشجيع الفرد على الإبداع يحتاج إلى بيئة تساعده على التجربة، وليس مجرد مطالبته بأن يكون أكثر جرأة.

وهناك أيضا مفهوم الراحة الذي يحتاج إلى إعادة النظر، فالإنسان قد يعتقد أن التوقف عن العمل يعني ضياع الوقت، بينما قد تكون بعض لحظات الهدوء ضرورية حتى يستطيع العقل إنتاج أفكار مختلفة.

وفي النهاية يترك الكتاب سؤالا مهما أمام القارئ، وهو: هل نحتاج فعلا إلى أن نكون موهوبين حتى نكون مبدعين، أم أن الإبداع يبدأ عندما نسمح لأنفسنا بالنظر إلى الأشياء بطريقة مختلفة؟ وهنا تبدو قيمة الكتاب في دفع القارئ إلى التجربة، بدلا من انتظار اللحظة المثالية.

عندما تطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة، أعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلا عنه وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، وينصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان:”كيف أكون مبدعا”

المؤلفه:”هارييت جريفي”

دار النشر: دار الساقي

بلد النشر: لبنان

الطبعة: الأولى

سنة النشر: 2019

عدد الصفحات: 121 صفحة

ISBN: 978614032082

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *