إيفان الرهيب.. حين تصنع الطفولة القاسية رجلًا يخشاه الجميع

تمهيد
يعد كتاب «إيفان الرهيب: أول القياصرة» للكاتب والصحفي البريطاني ستيفن غراهام محاولة للاقتراب من واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ الروسي، ليس فقط باعتباره قيصرًا ارتبط اسمه بالقتل والعنف، وإنما باعتباره إنسانًا تشكلت ملامح شخصيته في طفولة قاسية، عاش خلالها الخوف والإهمال والصراع على السلطة قبل أن يصبح هو نفسه صاحب السلطة المطلقة.
ولد إيفان الرابع عام 1530، لكنه لم ينشأ في بيئة تشبه ما قد يتوقعه المرء لطفل سيصبح يومًا حاكمًا لروسيا. فقد فقد والده وهو صغير، ثم فقد والدته بعد سنوات قليلة، ليجد نفسه وشقيقه الأصغر بعيدين عن مركز الاهتمام، بينما انشغل النبلاء بالصراع على السلطة والثروة والنفوذ.

ماذا يريد الكاتب؟
يحاول ستيفن غراهام الإجابة عن سؤال إنساني قبل أن يكون سياسيًا:
كيف يتحول طفل خائف ومهمش إلى رجل قادر على بث الخوف في نفوس الآخرين؟
لا يقدم الكتاب إيفان بوصفه شريرًا وُلد شريرًا، وإنما يرصد المراحل التي ساهمت في تشكيله، فالطفل الذي عاش وسط المؤامرات، وشاهد القتل والإقصاء، وعرف مبكرًا أن الكبار يتصارعون من أجل السلطة، كبر وهو يحمل داخله خوفًا عميقًا من الآخرين.
ومع الوقت، تحول هذا الخوف إلى شك، وتحول الشك إلى رغبة في السيطرة، وتحولت السيطرة إلى عنف، ومن هنا تبدو حياة إيفان سلسلة متصلة من المشاعر: طفل خائف، ثم شاب يريد إثبات وجوده، ثم رجل لا يثق في أحد، ثم حاكم يرى في كل مخالِف تهديدًا محتملًا.

لماذا هذا الكتاب؟
لأن الكتاب لا يقدم مجرد سيرة لقيصر روسي، وإنما يفتح نافذة على الجانب الإنساني من شخصية شديدة القسوة.
إن قصة إيفان تطرح قضية تتجاوز عصره: هل يمكن لطفولة مليئة بالحرمان والخوف أن تترك ندوبًا تستمر مع الإنسان حتى مرحلة النضج؟
لا تعني الإجابة أن كل طفل يتعرض للقسوة سيصبح قاسيًا، ولا أن الظروف تعفي الإنسان من مسؤولية أفعاله، لكنها تشير إلى أن السنوات الأولى من حياة الإنسان يمكن أن تترك أثرًا عميقًا في نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين.
إيفان مثال صارخ على إنسان لم يتعلم الثقة، فكبر وهو يبحث عن الأمان في السيطرة.
يلخص هذا الكتاب عدة أمور:
طفولة إيفان في بيئة مليئة بالصراعات والمؤامرات.
فقدانه والده ثم والدته في سن مبكرة.
إهماله وشقيقه داخل القصر وانشغال النبلاء بالصراع على الحكم.
إحساس الطفل بالوحدة والعجز أمام عالم الكبار.
بداية اهتمام إيفان بالتاريخ وقراءته باعتبارهما وسيلة لفهم العالم من حوله.
تحوله من طفل مهمش إلى شاب يسعى لاستعادة السيطرة على حياته.
زواجه من أناستاسيا وتأثيرها الإيجابي في شخصيته.
ظهور الجانب الأكثر هدوءًا وتدينًا وإنسانية في شخصية إيفان خلال سنوات زواجه الأولى.
فقدان أناستاسيا باعتباره نقطة التحول الأهم في حياته.
عودة مشاعر الخوف والغضب والشك بعد وفاة المرأة التي منحته قدرًا من الاستقرار.

لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب المهتمين بالسير الإنسانية والتاريخ والشخصيات المركبة، خصوصًا القراء الذين لا ينظرون إلى الشخصيات التاريخية باعتبارها مجرد أسماء أو أبطالًا أو أشرارًا، وإنما يحاولون فهم العوامل التي صنعتها.
كما يناسب المهتمين بعلم النفس الإنساني من زاوية العلاقة بين الطفولة وتكوين الشخصية، وبالأخص أثر الإهمال والخوف وفقدان الأمان في طريقة تعامل الإنسان مع الآخرين.
ويمكن أن يكون الكتاب مفيدًا كذلك للآباء والمربين؛ لأنه يلفت الانتباه إلى حقيقة بسيطة وعميقة: الطفل الذي يعيش طويلًا في بيئة يسودها الخوف قد يحمل هذا الخوف معه إلى سنواته اللاحقة، وقد يعبر عنه بطرق مختلفة.

مميزات الكتاب
أهم ما يميز الكتاب أنه لا يكتفي بتسجيل الأحداث، وإنما يسمح للقارئ برؤية الإنسان الموجود خلف الشخصية التاريخية.
فإيفان لم يكن طوال حياته الرجل نفسه.
هناك إيفان الطفل الذي يخاف من النبلاء المحيطين به، وإيفان الشاب الذي يحاول استعادة مكانته، وإيفان الزوج الذي يجد في أناستاسيا قدرًا من السكينة، ثم إيفان الذي يفقد هذه السكينة بعد وفاتها، ويبدأ تدريجيًا في التحول إلى شخصية أكثر قسوة وشكًا.
كما يبرز الكتاب التناقضات الموجودة في الشخصية؛ فقد عرف إيفان لحظات من التدين والرحمة، كما عرف لحظات من العنف الشديد.
وهذا التناقض يجعل شخصيته أكثر إنسانية وتعقيدًا من الصورة التقليدية التي تختصره في لقب «الرهيب».

قراءة صحفية
لم يبدأ إيفان حياته رجلًا يملك القدرة على معاقبة الآخرين، وإنما بدأ طفلًا لا يستطيع حتى حماية نفسه، كان محاطًا بأشخاص أكبر منه سنًا وقوة، وكان يرى أمام عينيه عالمًا لا تحكمه الرحمة بقدر ما تحكمه المصالح والصراعات.
مات والده، ثم ماتت والدته، وبدلًا من أن يجد الطفل بعد ذلك حضنًا آمنًا يحتويه، وجد نفسه في قصر يتصارع فيه النبلاء على النفوذ، ولم يكن إيفان يملك في تلك المرحلة سوى الخوف.
وفي مثل هذه البيئة، بدأ الطفل في بناء عالم داخلي خاص به، قرأ التاريخ، وتأمل ما حدث للحكام قبله، وبدأ يفهم مبكرًا أن القوة هي الشيء الذي يستطيع حماية صاحبها، ربما كانت هذه واحدة من أهم الأفكار التي ترسخت داخله: إذا لم أكن قويًا فسيسيطر الآخرون عليّ.
ربما لا ينبغي النظر إلى إيفان باعتباره ضحية فقط، كما لا يكفي اختصاره في صورة الجلاد، كان ضحية لظروف قاسية في طفولته، لكنه أصبح مسؤولًا عن اختياراته عندما كبر، وهذه هي المنطقة الأكثر تعقيدًا في شخصيته، فيمكن للإنسان أن يكون ضحية في مرحلة من حياته، ثم يتحول إلى مصدر للأذى في مرحلة أخرى.
وختاما يمكن القول إن وراء لقب «إيفان الرهيب» تختبئ قصة طفل صغير عاش في عالم لم يمنحه الأمان، ثم كبر ليصبح رجلًا يمتلك كل أسباب القوة، لكنه ظل في داخله يحمل شيئًا من ذلك الطفل الخائف، لقد علمته طفولته أن العالم لا يرحم الضعفاء، فقرر ألا يكون ضعيفًا أبدًا.

حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف بالكتاب ومناقشة أفكاره ومضامينه، ولا تمثل إعادة نشر للنص الأصلي أو بديلًا عنه، مع احترام حقوق المؤلف والناشر وحقوق الملكية الفكرية.

بطاقة تعريفية بالكتاب
العنوان بالعربية: إيفان الرهيب: أول القياصرة
العنوان بالفرنسية: Ivan le Terrible: Le Premier Tsar
المؤلف: ستيفن غراهام – Stephen Graham
تاريخ النشر: 1933م
رقم الإيداع : 1996/6/699

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *