كيف يخدعنا العقل في قراراتنا؟ قراءة في كتاب «التفكير، السريع والبطيء»

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

من هو المؤلف؟

دانيال كانيمان (Daniel Kahneman) عالم نفس أمريكي، وأبيب، وقدم إسهامات بارزة في علم النفس المعرفي والاقتصاد السلوكي، اشتهر بأبحاثه حول الحكم واتخاذ القرار في ظل عدم اليقين، وبشراكته العلمية مع عالم النفس عاموس تفيرسكي، حيث أسهما في تطوير نظرية الاحتمالات ودراسة الانحيازات المعرفية التي تؤثر في الأحكام البشرية.

وفي عام 2002 حصل كانيمان على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية تقديرًا لإسهاماته في فهم عملية اتخاذ القرار في ظل المخاطر وعدم اليقين.

ويعد كتاب «التفكير، السريع والبطيء» من أشهر أعماله، إذ جمع فيه خلاصة أفكاره وأبحاثه حول التفكير والحدس والاحتمالات والسلوك البشري.

ماذا يريد الكاتب؟

يريد دانيال كانيمان أن يكشف للقارئ الطريقة التي يعمل بها العقل، وأن يوضح أن الإنسان ليس دائمًا ذلك الكائن العقلاني الذي يدرس جميع المعلومات والاحتمالات قبل اتخاذ القرار.

ويشرح أن العقل يعتمد على نظامين رئيسيين في التفكير؛ النظام الأول سريع وتلقائي وحدسي، بينما النظام الثاني بطيء وتحليلي ويتطلب تركيزًا وجهدًا ذهنيًا.

ويرى كانيمان أن النظام الأول ضروري للحياة اليومية لأنه يساعدنا على اتخاذ قرارات سريعة، لكنه قد يقودنا أحيانًا إلى أخطاء وانحيازات متكررة.

أما النظام الثاني، فعلى الرغم من أنه أكثر قدرة على التحليل والمراجعة، فإنه يحتاج إلى طاقة ذهنية أكبر، ولذلك لا يستخدمه الإنسان في كل موقف.

لماذا كُتب هذا الكتاب؟

كُتب الكتاب بهدف تفسير الأخطاء التي يقع فيها الإنسان أثناء التفكير واتخاذ القرار، والكشف عن مجموعة من الانحيازات الذهنية التي تؤثر في أحكامنا دون أن نشعر.

ويحاول الكاتب، أن يوضح أن الأخطاء العقلية ليست دائمًا عشوائية، وإنما تتكرر وفق أنماط يمكن دراستها وفهمها.

كما يهدف الكتاب إلى مساعدة القارئ على إدراك اللحظات التي ينبغي فيها عدم الاعتماد على الانطباع الأول أو الحدس، والانتقال بدلًا من ذلك إلى التفكير البطيء والتحليل القائم على الأدلة.

يلخص هذا الكتاب عدة أمور:

  • يشرح الفرق بين النظام الأول والنظام الثاني في التفكير.
  • يوضح كيف يعتمد الإنسان على الحدس والانطباعات السريعة.
  • يناقش ميل العقل إلى توفير الجهد والطاقة الذهنية.
  • يشرح دور الاختصارات الذهنية في اتخاذ القرارات.
  • يكشف مجموعة من الانحيازات المعرفية التي تؤثر في الأحكام.
  • يناقش تأثير الارتساء في تقدير الأسعار والأرقام والاحتمالات.
  • يوضح تأثير سهولة استدعاء المعلومات من الذاكرة.
  • يناقش الثقة المفرطة في الأحكام والتنبؤات.
  • يشرح نظرية الاحتمالات والنفور من الخسارة.
  • يوضح كيف تؤثر طريقة عرض المعلومات في القرارات.
  • يناقش تحيز الإدراك المتأخر ووهم فهم الماضي.
  • يشرح مغالطة التخطيط والتفاؤل المفرط بشأن المستقبل.
  • يميز بين الذات التي تعيش التجربة والذات التي تتذكرها.
  • يناقش مفهوم السعادة وجودة الحياة.
  • يدعو إلى استخدام التفكير التحليلي عند اتخاذ القرارات المهمة.

لمن يناسب هذا الكتاب؟

يناسب الكتاب المهتمين بعلم النفس والاقتصاد السلوكي واتخاذ القرار، كما يناسب الباحثين والطلاب والمديرين ورجال الأعمال وكل من يهتم بفهم السلوك البشري.

ويمكن أن يكون مفيدًا كذلك للأشخاص الذين يرغبون في تحسين طريقة اتخاذهم للقرارات، خصوصًا في المجالات التي تتطلب التعامل مع المخاطر والمال والعمل والتخطيط للمستقبل.

كما يناسب القارئ العام الذي يريد فهم الأسباب التي تجعل الإنسان يقع في أخطاء متكررة رغم اعتقاده بأنه يتصرف بطريقة منطقية.

مميزات الكتاب

  • يقدم تفسيرًا عميقًا لطريقة عمل العقل البشري.
  • يجمع بين علم النفس والاقتصاد السلوكي.
  • يشرح الانحيازات المعرفية بصورة واضحة.
  • يقدم أمثلة مرتبطة بالحياة اليومية والقرارات الاقتصادية.
  • يوضح أسباب النفور من الخسارة وتأثيره في السلوك.
  • يناقش حدود الحدس والثقة المفرطة.
  • يشرح تأثير طريقة عرض المعلومات في الحكم على الأشياء.
  • يقدم رؤية مختلفة لطريقة تعامل الإنسان مع المستقبل.
  • يربط بين التفكير والذاكرة والسعادة.
  • يساعد القارئ على اكتشاف بعض الأخطاء التي قد يقع فيها أثناء اتخاذ القرار.

قراءة صحفية

تكمن أهمية كتاب «التفكير، السريع والبطيء» في أنه يعيد النظر في الفكرة التقليدية التي ترى الإنسان ككائن عقلاني يتخذ قراراته بعد تحليل المعلومات بصورة كاملة.

يوضح الكاتب أن معظم قراراتنا اليومية لا تمر عبر عملية تحليل طويلة، وإنما تبدأ بانطباعات سريعة وحدسية، وهو ما يسمح لنا بالتعامل مع الحياة بكفاءة، لكنه يجعلنا في الوقت نفسه عرضة للأخطاء والانحيازات.

ومن منظور صحفي، يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره محاولة لفهم الجانب غير المرئي من عملية اتخاذ القرار. فالإنسان قد يعتقد أنه اختار منتجًا أو استثمارًا أو موقفًا معينًا بناءً على معلومات موضوعية، بينما يكون قراره متأثرًا بطريقة عرض المعلومات أو بالانطباع الأول أو بما يسهل عليه تذكره.

ويبرز هنا مفهوم الارتساء، حيث يمكن لمعلومة أولى أن تؤثر في تقديراتنا اللاحقة، كما يبرز مفهوم التأطير الذي يوضح أن تغيير طريقة تقديم المعلومة قد يؤدي إلى تغيير القرار، حتى عندما تظل المعلومة نفسها من الناحية الحسابية.

ومن أكثر أفكار الكتاب تأثيرًا نظرية الاحتمالات، التي تكشف أن الإنسان لا يتعامل مع المكاسب والخسائر بصورة متساوية، فالخسارة غالبًا ما يكون تأثيرها النفسي أكبر من تأثير مكسب بالقيمة نفسها، وهو ما يفسر كثيرًا من القرارات التي تبدو غير منطقية في الاستثمار والاستهلاك والحياة اليومية.

كما ينتقد كانيمان الثقة المفرطة في قدرة الإنسان على التنبؤ بالمستقبل، موضحًا أن الخبراء والأفراد قد يقدمون توقعات شديدة الثقة رغم أن الظروف المستقبلية تظل مليئة بالاحتمالات.

ويتناول الكتاب أيضًا مغالطة التخطيط، حيث يميل الإنسان إلى تقدير المشروعات على أساس أفضل السيناريوهات، متجاهلًا في كثير من الأحيان التجارب السابقة التي تكشف أن المشروعات قد تحتاج إلى وقت وتكلفة أكبر مما نتوقع.

ومن الجوانب المهمة كذلك تمييز كانيمان بين «الذات التي تعيش» و«الذات التي تتذكر»، فالإنسان لا يتذكر التجارب بالضرورة كما عاشها لحظة بلحظة، وإنما قد تتأثر ذاكرته بالنهاية أو بأكثر اللحظات شدة، وهو ما ينعكس على الطريقة التي يقيم بها حياته وتجارب الماضي.

وتكمن قوة الكتاب في أنه لا يطلب من الإنسان التخلي عن الحدس أو التفكير السريع، وإنما يدعوه إلى معرفة حدود كل منهما. فهناك مواقف يكون فيها الحدس مفيدًا، ومواقف أخرى تحتاج إلى التمهل وجمع الأدلة ومراجعة الافتراضات.

وبذلك يصبح الوعي بطريقة عمل العقل وسيلة لتقليل الأخطاء، وليس محاولة للوصول إلى عقل بشري لا يخطئ، لأن الخطأ جزء أساسي من طبيعة التفكير الإنساني.

وأخيرًا.. ترجع قيمة «التفكير، السريع والبطيء» في أنه يكشف الأخطاء التي يرتكبها العقل فحسب، وإنما في أنه يدفع القارئ إلى التشكيك في بعض أحكامه وثقته بنفسه، ربما قد يكون واثقًا جدًا من رأيه، لكن الثقة لا تعني بالضرورة صحة الحكم، وقد يبدو المستقبل واضحًا بعد وقوع الأحداث، رغم أنه كان مليئًا بالاحتمالات قبل وقوعها.

ومن هنا يوجه كانيمان رسالته، أن فهم طريقة عمل العقل هو الخطوة الأولى نحو تحسين القرارات، فالتفكير السريع يمنحنا القدرة على التعامل مع الحياة اليومية بسرعة، بينما يمنحنا التفكير البطيء فرصة للتحليل والمراجعة واكتشاف الأخطاء.

وربما يكون الدرس الأهم في الكتاب، هو أن الإنسان لا يحتاج إلى التخلص من حدسه، وإنما يحتاج إلى معرفة متى يثق به ومتى يتوقف قليلًا ليفكر بصورة أبطأ.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.

وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب ودار النشر، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: التفكير، السريع والبطيء
بالإنجليزية: Thinking, Fast and Slow

المؤلف: دانيال كانيمان (Daniel Kahneman)

الجنسية: أمريكي

الناشر: Farrar, Straus and Giroux، وتختلف دار النشر بحسب الطبعة والإصدار

التصنيف: علم النفس – الاقتصاد السلوكي – علم الإدراك – اتخاذ القرار

الموضوعات الرئيسة: التفكير السريع والبطيء – الانحيازات المعرفية – نظرية الاحتمالات – النفور من الخسارة – الارتساء – التأطير – الثقة المفرطة – التنبؤ – السعادة

اللغة: الإنجليزية

سنة النشر الأصلية: 2011

الجوائز: جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية عام 2002

طبيعة الكتاب: كتاب علمي وتثقيفي يبحث في آليات التفكير البشري والانحيازات التي تؤثر في الأحكام والقرارات

ISBN: 9780374533557

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *