مكسيكو
سيرة القوة
إنريكي كراوتسه
تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرًا في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب
ما يتناوله الكتاب
حين نحاول فهم تاريخ المكسيك الحديث فنحن لا نواجه مجرد سلسلة من الحروب والثورات والانتخابات والانقلابات بل نواجه قصة طويلة عن الإنسان حين يمتلك السلطة ثم يكتشف أن السلطة نفسها تستطيع أن تعيد تشكيله وتعيد تشكيل المجتمع من حوله وهذه هي الزاوية التي تجعل تجربة إنريكي كراوتسه مختلفة فهو لا يتعامل مع التاريخ باعتباره مجموعة تواريخ محفوظة وإنما يحاول الدخول إلى قلب الشخصيات التي صنعت المكسيك الحديثة ليرى كيف تحولت الأحلام السياسية إلى أنظمة وكيف تحولت الثورة من وعد بالخلاص إلى وسيلة جديدة لإعادة توزيع القوة
تبدأ الحكاية من المكسيك التي خرجت من الاستقلال وهي تحمل رغبة كبيرة في بناء دولة حديثة لكنها كانت في الوقت نفسه مثقلة بالفقر والانقسامات والصراعات بين القوى السياسية والعسكرية والدينية والاجتماعية وتظهر الشخصيات الكبرى باعتبارها أبناء لهذا الاضطراب أكثر من كونها شخصيات منفصلة عنه فالقائد لا يظهر فجأة وإنما تصنعه لحظة تاريخية تحتاج إلى شخص قادر على ملء الفراغ الذي تتركه الدولة الضعيفة
هذا المنظور يصبح أكثر وضوحًا مع صعود شخصيات الثورة المكسيكية فالثورة التي بدأت باعتبارها تمردًا على نظام سياسي طويل سرعان ما تحولت إلى صراع معقد بين رؤى مختلفة لمستقبل البلاد فهناك من يريد العدالة الاجتماعية وهناك من يريد الإصلاح السياسي وهناك من يريد الأرض وهناك من يريد الدولة القوية وهناك من يرى أن الحفاظ على النظام أهم من تحقيق أحلام الثورة وكل طرف يمتلك حجته وكل قائد يملك تصورًا مختلفًا عن المكسيك التي يريد بناءها
شخصيات مثل فرانسيسكو ماديرو وفينستيانو كارانثا وألفارو أوبريغون وبانشو فيا وإميليانو زاباتا لا تظهر هنا كأبطال أسطوريين ولا كأشرار كاملين بل كأشخاص يحملون تناقضات بشرية وسياسية تجعل فهمهم أكثر تعقيدًا وأكثر واقعية فالقائد الذي يبدأ مؤمنًا بمبدأ معين قد يجد نفسه مضطرًا إلى التنازل عنه حين يصل إلى السلطة والسياسي الذي يحارب الاستبداد قد يكتشف أن الحفاظ على الدولة يحتاج إلى أدوات تشبه الأدوات التي حاربها من قبل وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس من كان على حق فقط وإنما ماذا تفعل السلطة بالذين يصلون إليها
تتضح كذلك فكرة شديدة الأهمية وهي أن الثورة لا تنتهي بمجرد سقوط الحاكم فالأنظمة القديمة يمكن أن تسقط بينما تبقى طريقة التفكير التي صنعتها موجودة داخل مؤسسات الدولة وداخل الثقافة السياسية ولذلك يصبح بناء الدولة أصعب من إسقاط النظام لأن إسقاط شخص يمكن أن يحدث في أيام بينما بناء مؤسسات قادرة على مقاومة الاستبداد يحتاج إلى سنوات طويلة
المكسيك التي يرسمها كراوتسه تبدو كأنها تتحرك باستمرار بين الرغبة في الديمقراطية والحاجة إلى الاستقرار وبين قوة المؤسسات وقوة الأشخاص وبين الحلم الشعبي والسيطرة السياسية وتصبح الرئاسة مع الوقت مركزًا هائلًا للنفوذ وتتشكل حولها شبكة من المصالح والتحالفات التي تجعل انتقال السلطة عملية أكثر تعقيدًا من مجرد تغيير اسم الرئيس
ومع صعود النظام الذي قاد المكسيك لعقود تظهر المفارقة الكبرى فالنظام الذي خرج من رحم الثورة استطاع أن يقدم نفسه باعتباره حامي إنجازاتها وفي الوقت نفسه بنى آلية سياسية شديدة القوة تسمح له بإدارة المجتمع والحفاظ على نفوذه وهنا تتحول الثورة من حدث تاريخي إلى مؤسسة سياسية ويصبح السؤال عن الديمقراطية مرتبطًا بالسؤال عن قدرة الدولة على إنتاج تداول حقيقي للسلطة
القيمة الأساسية في هذه السيرة أنها لا تجعل التاريخ حكاية مريحة فكل انتصار يحمل ثمنًا وكل هزيمة تترك أثرًا وكل شخصية تحمل شيئًا من البطولة وشيئًا من الضعف وكل مرحلة سياسية تفتح بابًا ثم تكتشف أن خلفه أبوابًا أخرى ولذلك تبدو المكسيك هنا كأنها مرآة لتجارب كثيرة عرفتها دول أخرى حين حاولت بناء الدولة بعد الاستقلال أو الثورة
المثير أن فهم المكسيك لا يتوقف عند المكسيك نفسها فالقصة تكشف شيئًا أوسع عن العلاقة بين الفرد والمؤسسة وعن خطورة تركيز السلطة وعن قدرة الثورات على صناعة أنظمة جديدة قد تحمل بعضًا من أمراض الأنظمة التي سبقتها كما تكشف أن التاريخ لا يتحرك دائمًا نحو الأفضل بصورة مستقيمة بل يتقدم أحيانًا خطوة ويتراجع خطوتين ثم يعيد اكتشاف الطريق
القوة الحقيقية لأي تجربة سياسية لا تقاس بعدد الشعارات التي رفعتها ولا بعدد القادة الذين صنعتهم وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات تستطيع أن تستمر حين يغادر القائد المشهد وهذه الفكرة تجعل رحلة المكسيك طويلة ومؤلمة ومثيرة في الوقت نفسه لأنها تضع الإنسان أمام حقيقة بسيطة لكنها ثقيلة وهي أن مشكلة السلطة لا تنتهي عندما يصل الشخص الذي نحبه إلى الحكم بل تبدأ لحظة وصوله لأن الاختبار الحقيقي ليس من يملك القوة وإنما ماذا سيفعل بها عندما تصبح القوة بين يديه
وهكذا تتحول سيرة المكسيك إلى سؤال أكبر من تاريخ دولة بعينها سؤال عن الإنسان حين يدخل عالم السلطة وعن الثورة حين تتحول إلى دولة وعن الدولة حين تصبح أقوى من الأشخاص الذين يفترض أنها تخدمهم وتبقى التجربة المكسيكية مفتوحة على درس لا يخص المكسيك وحدها فكل مجتمع يظن أن تغيير الحاكم يعني تغيير النظام قد يكتشف بعد سنوات أن تغيير الوجوه أسهل بكثير من تغيير القواعد التي صنعتهم
بطاقة تعريفية
العنوان مكسيكو سيرة القوة
المؤلف إنريكي كراوتسه
دار النشر توسكيست
بلد النشر المكسيك
الطبعة الإصدار النهائي المنقح والمحدث بواسطة المؤلف
سنة النشر 2017
عدد الصفحات 1144
ISBN 9786070745232







