تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
وهذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
ما يتناوله الكتاب:
في هذا السياق يأتي كتاب «بين كفتين» للكاتبة أسماء الفولي، الصادر عن مختلف للنشر والتوزيع، ليطرح واحدة من أكثر القضايا التصاقاً بالتجربة الإنسانية وهي كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على توازنه الداخلي وهو يعيش وسط سلسلة متواصلة من التناقضات والاختيارات والضغوط؟
والإنسان لا يعيش في عالم واضح الحدود، ولا يجد أمامه دائمًا إجابات قاطعة أو اختيارات مثالية، وفي كثير من اللحظات، يجد نفسه واقفًا بين كفتين؛ بين ما يريده وما يستطيع تحقيقه، بين ما يشعر به وما يدركه بعقله، بين الخوف والرغبة في المغامرة، وبين التمسك بما اعتاد عليه والرغبة في التغيير.
ومن هذه المساحة تحديدًا تنطلق فكرة الكتاب، الذي لا يتعامل مع التناقضات الإنسانية باعتبارها مشكلة يجب التخلص منها، بقدر ما ينظر إليها باعتبارها جزءًا طبيعيًا من تكوين الإنسان، وأن الوصول إلى السلام الداخلي لا يعني إسقاط إحدى الكفتين، وإنما تعلم كيفية إدارة العلاقة بينهما.
واحدة من أبرز المساحات التي يتحرك فيها الكتاب هي العلاقة بين العقل والعاطفة، فكثيرًا ما يطرح السؤال بصورة مباشرة وهو هل نختار ما يقوله العقل أم نتبع ما يمليه القلب؟، لكن «بين كفتين» يبدو أكثر ميلًا إلى رفض هذه الثنائية الحادة، فالعقل ليس خصمًا للعاطفة، كما أن المشاعر ليست بالضرورة عائقًا أمام التفكير السليم. ولكل منهما وظيفته وتأثيره في القرارات التي يتخذها الإنسان.
الاعتماد الكامل على العقل قد يقود أحيانًا إلى قرارات صحيحة من الناحية المنطقية لكنها فقيرة من الناحية الإنسانية، بينما الاستسلام الكامل للمشاعر قد يدفع الإنسان إلى اختيارات لحظية لا يدرك نتائجها إلا بعد فوات الأوان، ومن هنا يصبح التوازن هو المساحة الثالثة؛ أن يسمع الإنسان صوته الداخلي، لكنه لا يتخلى عن قدرته على التفكير والتقييم، وأن يمنح المشاعر حقها دون أن يسمح لها بالسيطرة الكاملة على قراراته.
يقترب الكتاب كذلك من واحدة من أكثر التجارب إرهاقًا للإنسان، وهي لحظة اتخاذ القرار، خاصة عندما يتعلق الأمر بالاختيارات المصيرية، فالقرارات الكبرى نادرًا ما تأتي في صورة واضحة تمامًا، وغالبًا ما يجد الإنسان نفسه أمام بدائل تحمل كل منها قدرًا من المكاسب والخسائر. وفي هذه المنطقة الرمادية تبدأ الحيرة، ويزداد التفكير، وقد يتحول القرار نفسه إلى مصدر للقلق.
وتقدم الفكرة الأساسية للكتاب قراءة مختلفة لهذه الحالة؛ فالوعي لا يعني انتظار القرار المثالي الذي يخلو من الخسائر، لأن مثل هذا القرار قد لا يكون موجودًا من الأساس، وإنما يعني إدراك طبيعة الواقع واختيار البديل الأكثر اتزانًا في ضوء المعطيات المتاحة، وهنا تصبح القدرة على تقبل عدم اليقين جزءًا من النضج، بدلًا من اعتبار الحيرة دليلًا على الضعف أو عدم القدرة على الاختيار.
لا يتعامل الكتاب مع الخوف باعتباره شعورًا سلبيًا بصورة مطلقة، بل يضعه ضمن منظومة المشاعر التي يمكن أن يكون لها دور في حماية الإنسان، فالخوف قد يمنع التهور، والحذر قد يجعل الإنسان أكثر قدرة على حساب النتائج، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الخوف إلى سبب للجمود، ويمنع صاحبه من اتخاذ أي خطوة جديدة.
وفي المقابل، فإن الشجاعة لا تعني غياب الخوف، وإنما القدرة على التحرك رغم وجوده، ومن هنا تصبح العلاقة بين الخوف والطموح أقرب إلى التكامل منها إلى الصراع؛ فالأول قد يحمي الإنسان من الاندفاع، والثاني يدفعه إلى تجاوز منطقة الراحة وعدم الاستسلام للجمود.
يطرح الكتاب كذلك قضية الحدود في العلاقات الإنسانية، وهي من أكثر القضايا التي يمكن أن يجد القارئ نفسه أمامها بصورة مباشرة، فالعطاء قيمة إنسانية مهمة، لكن العطاء غير المتوازن قد يتحول إلى استنزاف، والتضحية المستمرة قد تدفع الإنسان إلى فقدان ذاته من أجل إرضاء الآخرين.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحقيق توازن بين الحب والعطاء من جهة، والحفاظ على الكرامة والمساحة الشخصية من جهة أخرى، فالحدود الصحية لا تعني القسوة أو الأنانية، وإنما تعني إدراك الإنسان لقيمته واحتياجاته، ومعرفة متى يعطي ومتى يتوقف، ومتى يحافظ على العلاقة ومتى يحافظ على نفسه.
من المساحات المهمة التي يقترب منها الكتاب أيضًا علاقة الإنسان بالوقت. فكثير من البشر يعيشون بين ندم على ما حدث وقلق مما سيحدث، بينما يمر الحاضر دون أن يحصل على الاهتمام الكافي، والماضي لا يمكن تغييره، والمستقبل لا يمكن ضمان تفاصيله، لكن اللحظة الحالية هي المساحة الوحيدة التي يمتلك الإنسان قدرة فعلية على التأثير فيها.
ومن هنا تأتي أهمية توجيه الطاقة نحو ما يمكن تغييره الآن، بدلًا من استنزافها في إعادة محاكمة الماضي أو محاولة السيطرة الكاملة على المستقبل.
لا يمكن الحديث عن التوازن دون التوقف أمام قدرة الإنسان على التعامل مع الأزمات والصدمات. فالواقع لا يسير دائمًا وفق الخطط التي نضعها، وقد تأتي الأحداث بما لم يكن في الحسبان، وفي هذه اللحظات تظهر أهمية المرونة النفسية والفكرية، أي القدرة على إعادة النظر في الأفكار والتوقعات وإعادة صياغة الموقف بدلًا من الانكسار أمامه، فالمرونة لا تعني تجاهل الألم أو إنكار المشكلات، وإنما تعني القدرة على استيعاب ما حدث، ثم البحث عن طريقة جديدة للتعامل معه.
من بين الأفكار التي يطرحها الكتاب كذلك أهمية الامتنان والرضا، خصوصًا في مواجهة نزعة المقارنة المستمرة مع الآخرين، فتركيز الإنسان الدائم على ما ينقصه قد يجعله غير قادر على رؤية ما يمتلكه بالفعل، بينما يساعد الامتنان على إعادة اكتشاف قيمة الأشياء الموجودة في حياته.
ولا يعني الرضا التخلي عن الطموح أو عدم السعي إلى الأفضل، وإنما يعني ألا يتحول السعي إلى حياة مؤجلة، بحيث يظل الإنسان مقتنعًا بأن السعادة ستبدأ فقط عندما يحصل على شيء لم يمتلكه بعد.
تبدو فكرة السلام الداخلي هي النقطة التي تلتقي عندها معظم أفكار «بين كفتين». فالكتاب لا يقدم التوازن باعتباره حالة ثابتة يصل إليها الإنسان ثم لا يغادرها، وإنما كعملية مستمرة تحتاج إلى مراجعة وفهم وإعادة ترتيب، وتميل إحدى الكفتين في مرحلة من الحياة، ثم تتغير الظروف فتحتاج إلى إعادة ضبطها. وقد يكون ما يناسب الإنسان في مرحلة عمرية غير مناسب له في مرحلة أخرى.
ويقدم الكتاب في جوهره دعوة إلى النظر إلى الحياة باعتبارها مساحة واسعة بين النقيضين، لا مجرد اختيارات حادة بين الأبيض والأسود. فالعقل والمشاعر، والخوف والشجاعة، والفشل والنجاح، والعطاء والحدود، والرضا والطموح، ليست بالضرورة أضدادًا ينبغي أن ينتصر أحدها على الآخر.
وربما تكمن القيمة الأهم في «بين كفتين» في أنه يضع القارئ أمام سؤال يتجاوز صفحات الكتاب: هل التوازن يعني أن تتساوى الكفتان دائمًا، أم أن الحكمة الحقيقية تكمن في معرفة أي كفة تحتاج إلى أن تثقل في كل لحظة؟
وفي عالم سريع الإيقاع، تزداد فيه الضغوط وتتعدد الاختيارات وتتسع مساحة المقارنة والقلق، تبدو الإجابة عن هذا السؤال رحلة شخصية لا يمكن لأحد أن يخوضها نيابة عن الآخر.
حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان: بين كفتين
المؤلف: أسماء الفولي
دار النشر: مختلف للنشر والتوزيع
بلد النشر: جمهورية مصر العربية
الطبعة: الأولى
سنة النشر: 2025
عدد الصفحات: 314 صفحة
ISBN: 9786338273897







