تمهيد
أحيانًا لا يبدأ الألم في العلاقات بصوت مرتفع، ولا يأتي في صورة اعتداء واضح يمكن للإنسان أن يراه ويهرب منه، بل يبدأ بكلمة صغيرة، وانتقاد يبدو عابرًا، واعتذار لا يأتي، وشك يتسلل ببطء إلى النفس حتى يصبح الإنسان غير قادر على معرفة أين تنتهي الحقيقة وأين تبدأ الصورة التي رسمها له الطرف الآخر، من هذه المنطقة النفسية المعقدة تنطلق عالمة النفس المجرية أورفوش توث نويمي في كتابها «Egy nárcisztikus hálójában»، الذي يعني “في شبكة شخص نرجسي”، لتروي رحلة إنسانية داخل علاقة عاطفية مؤذية، وتبحث في السؤال الأصعب: كيف يمكن لشخص أن يحب إنسانًا يؤذيه، ثم يجد نفسه عاجزًا عن الخروج منه رغم إدراكه أن العلاقة تستنزفه؟
ما يتناوله الكتاب
يتناول الكتاب تجربة «كريستا»، وهي امرأة تبلغ من العمر 37 عامًا تلجأ إلى العلاج النفسي بعدما وصلت علاقتها الزوجية إلى طريق مسدود، تعيش كريستا زواجًا استمر عشر سنوات ولديها طفلان، لكنها تجد نفسها أمام زوج يهينها ويحمّلها مسؤولية المشكلات وينتقدها باستمرار ويعرقل محاولاتها للاستقلال، ومن خلال المسار العلاجي الذي يمتد لثلاث سنوات، تتابع المؤلفة التحولات النفسية التي تمر بها كريستا، من الحيرة والإنكار والخوف والشعور بالذنب، إلى اكتشاف طبيعة العلاقة، ثم محاولة استعادة ذاتها والخروج من آثارها النفسية، والكتاب جزء من سلسلة “حالات المعالج”، ويقدم التجربة بأسلوب يجمع بين السرد ذي الطابع الأدبي والتناول النفسي التثقيفي.
لا تقدم المؤلفة النرجسية باعتبارها مجرد غرور أو حب زائد للذات، وإنما تركز على ما يحدث داخل العلاقة عندما تتحول الحاجة إلى السيطرة إلى وسيلة لإضعاف الطرف الآخر. ففي بعض العلاقات المؤذية لا يبدأ الشخص في فقدان ثقته بنفسه بسبب حدث واحد، وإنما نتيجة عملية بطيئة تتكرر فيها الانتقادات والتقليل من القيمة وتحميل المسؤولية والتشكيك في المشاعر والاحتياجات، ومع الوقت يبدأ الضحية في مراجعة نفسه بدلًا من مراجعة العلاقة، فيسأل: هل أنا حساس أكثر من اللازم؟ هل أخطأت؟ هل أنا السبب؟ وهنا تبدأ الشبكة في التضيق.
والأكثر قسوة أن الإنسان قد يدخل هذه العلاقة وهو يبحث عن الحب والأمان، ثم يجد نفسه تدريجيًا يحاول فقط تجنب الغضب أو العقاب أو الرفض. في البداية يريد أن يكون محبوبًا، ثم يصبح همه أن يمر اليوم دون مشكلة، ثم تتحول حياته كلها إلى محاولة للتنبؤ بمزاج الطرف الآخر. عند هذه النقطة لا يعود الحب مساحة للحرية، بل يصبح نظامًا من المراقبة والخوف، ويبدأ الإنسان في التخلي عن أجزاء من شخصيته حتى يحافظ على العلاقة.
ومن خلال رحلة كريستا، تطرح أورفوش توث نويمي سؤالًا بالغ الأهمية: لماذا لا يخرج الإنسان ببساطة من العلاقة التي تؤذيه؟ الإجابة ليست في ضعف الشخصية كما قد يتصور البعض، لأن العلاقات المؤذية تستطيع أن تصنع حالة معقدة من التعلق والخوف والأمل، فالطرف المتأذي قد يتشبث باللحظات الجيدة، ويتذكر الشخص الذي كان عليه شريكه في بداية العلاقة، ويعتقد أن بإمكانه إعادة ذلك الشخص مرة أخرى، وبين الألم والأمل يعيش الإنسان في دائرة متعبة، كلما قرر الرحيل، أعادته الذكريات والوعود والخوف إلى المكان نفسه.
وهنا يصبح العلاج النفسي في الكتاب أكثر من مجرد حديث عن الماضي، فهو مساحة لاستعادة القدرة على رؤية الواقع، عندما يعيش الإنسان فترة طويلة تحت تأثير الانتقاد والتقليل من شأنه، قد يفقد تدريجيًا الثقة في حكمه على الأمور، لذلك لا يكون التعافي مجرد قرار بالانفصال، وإنما عملية طويلة يتعلم فيها الشخص من جديد أن يثق في مشاعره، وأن يضع حدودًا، وأن يفرق بين الحب والخوف، وبين التضحية والتنازل عن الذات.
وتربط المؤلفة هذه التجربة كذلك بالأنماط التي يمكن أن يحملها الإنسان من طفولته، فاختياراتنا العاطفية ليست دائمًا عشوائية، وقد ننجذب أحيانًا إلى علاقات تعيد إنتاج شيء مألوف في تاريخنا النفسي، حتى لو كان هذا المألوف مؤلمًا، الإنسان لا يختار دائمًا ما هو صحي، بل قد يختار ما يعرفه، وما اعتاد عليه، وما تعلم منذ وقت مبكر أنه يشبه الحب.
وهنا تظهر واحدة من أهم أفكار الكتاب: التعافي لا يعني فقط الخروج من العلاقة، بل فهم الأسباب التي جعلت الإنسان يقبل أن يعيش فيها طويلًا. فإذا خرج الشخص من علاقة مؤذية دون أن يفهم نقاط ضعفه واحتياجاته وحدوده، فقد يحمل معه الجرح إلى علاقة جديدة، وقد يعيد السيناريو نفسه مع شخص آخر بوجه مختلف.
ومن الناحية التحليلية، تكمن قوة “في شبكة شخص نرجسي” في أنه لا يقدم الضحية بصورة سطحية، ولا يحولها إلى شخصية ضعيفة تنتظر من ينقذها، بل يرسم رحلة استعادة تدريجية للقدرة على الاختيار، فالمشكلة ليست فقط أن هناك شخصًا مؤذيًا في الخارج، وإنما أن آثار العلاقة قد تستقر داخل الضحية نفسها، فتجعلها تشك في قيمتها وقدرتها على اتخاذ القرار.
وهنا يصبح التحرر الحقيقي أكثر عمقًا من مجرد مغادرة المنزل أو إنهاء العلاقة. التحرر هو أن يستطيع الإنسان أن يقول «لا» دون أن يشعر بأنه شخص سيئ، وأن يضع حدًا دون أن يعتذر عن وجوده، وأن يكتشف أن الحفاظ على كرامته ليس أنانية، وأن الحب الذي يطلب منه أن يمحو نفسه ليس حبًا قادرًا على بناء حياة سليمة.
كما أن الكتاب يلفت الانتباه إلى حقيقة مهمة في العلاقات الإنسانية، وهي أن السيطرة لا تحتاج دائمًا إلى قوة جسدية. قد تكون السيطرة في الكلمات، وفي الصمت، وفي إشعار الطرف الآخر بأنه دائمًا مخطئ، وفي جعله يشك في ذاكرته ومشاعره، وفي دفعه إلى الاعتقاد بأنه لا يستطيع الحياة من دون الشخص الذي يؤذيه، ولهذا فإن أخطر العلاقات ليست دائمًا تلك التي يمكن للناس من الخارج اكتشاف أذاها بسهولة، وإنما تلك التي تجعل الضحية نفسها عاجزة عن تسمية ما يحدث لها.
لكن الكتاب يحتاج أيضًا إلى قراءة نقدية، خصوصًا عند استخدام مصطلح «النرجسية». فليس كل شخص أناني أو متسلط أو صعب التعامل معه مصابًا باضطراب الشخصية النرجسية، ولا ينبغي استخدام الكتاب أو مفهوم النرجسية لتشخيص الآخرين بصورة عشوائية. العلاقات الإنسانية أكثر تعقيدًا من أن تختزل في ملصق نفسي واحد، والتشخيص المهني يختلف عن وصف سلوك مؤذٍ.
كما أن التركيز على الطرف النرجسي قد يدفع بعض القراء إلى البحث عن “المذنب” بدلًا من فهم الديناميكية الكاملة للعلاقة، القيمة الحقيقية للكتاب تظهر عندما يستخدم القارئ أفكاره لفهم الحدود والاعتماد العاطفي والأنماط النفسية، لا لتحويل كل خلاف عاطفي إلى اتهام بالنرجسية. فوجود خلاف أو أنانية أو اختلاف في الاحتياجات لا يعني بالضرورة وجود علاقة إساءة.
ومع ذلك، يبقى الكتاب مهمًا لأنه يضع الضوء على الجانب الذي لا يراه كثيرون في العلاقات المؤذية: المعركة التي تحدث داخل الإنسان نفسه بعد سنوات من التقليل من شأنه، فحتى عندما يفتح الباب ويغادر، قد يظل جزء منه واقفًا في الداخل، يسمع الكلمات القديمة، ويشك في قراره، ويتساءل إن كان يستحق حياة مختلفة.
ولهذا فإن رحلة كريستا ليست مجرد قصة امرأة تحاول الخروج من زواج مؤلم، وإنما صورة لرحلة أعمق: رحلة الإنسان من الشك في نفسه إلى الثقة بها، ومن الخوف من الوحدة إلى القدرة على احتمالها، ومن البحث عن رضا الآخر إلى استعادة رضاه عن ذاته، وفي هذه الرحلة يصبح العلاج النفسي أشبه بمصباح صغير لا يغير الطريق، لكنه يجعل الإنسان قادرًا على رؤيته للمرة الأولى.
وفي النهاية، يقول الكتاب بصورة غير مباشرة إن بعض العلاقات لا تنتهي عندما يغادر الإنسان المكان، وإنما عندما يغادر الخوف الذي زرعته العلاقة داخله، قد يكون الخروج من الباب أسهل خطوة، بينما الأصعب هو أن تعود إلى نفسك بعد سنوات قضيتها وأنت تحاول أن تكون الشخص الذي يرضي غيرك.
ربما لا تكون النجاة أن تجد شخصًا ينقذك من الشبكة، وإنما أن تكتشف أنك كنت تملك طوال الوقت القدرة على قطع خيوطها، لكنك كنت تحتاج أولًا إلى أن تصدق أنك تستحق حياة لا تضطر فيها إلى الاعتذار عن وجودك.
فالحب الذي يجعلك تخاف من نفسك ليس أمانًا، والعلاقة التي تطلب منك أن تتخلى عن كرامتك حتى تستمر ليست بيتًا، والإنسان الذي يستعيد صوته بعد سنوات من الصمت لا يبدأ حياة جديدة فقط، بل يستعيد الحياة التي كاد أن يفقدها، وأحيانًا تكون أقوى كلمة يمكن أن يقولها الإنسان ليست “أحبك”، وإنما “لن أسمح لك أن تجعلني أكره نفسي”.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
بيانات الكتاب
العنوان الأصلي: Egy nárcisztikus hálójában
العنوان الكامل: Egy nárcisztikus hálójában – Felépülés egy érzelmileg bántalmazó kapcsolatból
العنوان بالعربية: في شبكة شخص نرجسي – التعافي من علاقة عاطفية مؤذية
المؤلفة: Orvos-Tóth Noémi – أورفوش توث نويمي
الجنسية: مجرية
دار النشر: HVG Könyvek
سنة النشر: 2018
عدد الصفحات: 177 صفحة في الطبعة الورقية
السلسلة: A Terapeuta Esetei – حالات المعالج
التصنيف: علم النفس – العلاقات العاطفية – الإساءة العاطفية – الوعي بالذات
ISBN: 9789633047200







