Made in Germany
النموذج الألماني وراء الأساطير
غيوم دوفال
تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرًا في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب
ما يتناوله الكتاب
حين تتحدث أوروبا عن ألمانيا تظهر أمامك صورة تكاد تكون مثالية دولة تعرف كيف تدير اقتصادها وتضبط موازنتها وتحافظ على صناعتها وتبيع للعالم منتجاتها عالية الجودة وتبدو وكأنها وجدت الوصفة السرية التي فشلت بقية الدول في اكتشافها لكن غيوم دوفال يبدأ من الشك في هذه الصورة ويسأل سؤالًا أكثر إزعاجًا ماذا لو كانت الأسباب التي نكررها لشرح النجاح الألماني ليست هي الأسباب الحقيقية أصلًا
المفارقة أن ألمانيا لم تصبح قوة صناعية كبرى بسبب قرار واحد اتخذته حكومة حديثة ولم يكن النجاح نتيجة وصفة سحرية ظهرت مع إصلاحات غيرهارد شرودر كما جرى تصوير الأمر كثيرًا بل كان وراءه تاريخ طويل من المؤسسات والعلاقات الاجتماعية والتعليم المهني واللامركزية وطريقة مختلفة في إدارة الشركات والاقتصاد
الصناعة الألمانية تقف في قلب الحكاية لأنها لم تعتمد فقط على الشركات العملاقة التي يعرفها العالم وإنما استفادت من شبكة واسعة من الشركات المتوسطة المتخصصة التي تستطيع أن تركز على منتجات دقيقة وأسواق محددة وتبني خبرة يصعب تقليدها بسهولة وهذه الشركات لا تعمل في فراغ وإنما داخل منظومة محلية تضم البنوك ومراكز التدريب والجامعات والسلطات الإقليمية والعمال وأصحاب الأعمال
اللامركزية تظهر هنا كأحد الأسرار التي لا تحصل على الاهتمام الكافي فالقوة الاقتصادية الألمانية لا تتركز بالكامل في العاصمة وإنما تنتشر بين مدن وأقاليم عديدة تمتلك مؤسساتها ومواردها وخبراتها وعلاقاتها الخاصة وهذا الانتشار يسمح بوجود بيئات محلية قادرة على الابتكار والاستثمار ويجعل الاقتصاد أقل اعتمادًا على مركز واحد
التعليم المهني يمثل ضلعًا آخر في النموذج لأن سوق العمل الألماني لا يفترض أن الطريق الوحيد للنجاح يمر عبر الجامعة فالتدريب المهني يمنح الشباب فرصة لاكتساب مهارات عملية مرتبطة مباشرة باحتياجات الشركات وهكذا يصبح العامل جزءًا من عملية الإنتاج منذ مرحلة مبكرة ويصبح الانتقال من التعليم إلى العمل أكثر سلاسة
العلاقات بين العمال وأصحاب الأعمال تلعب دورًا لا يقل أهمية فالنظام الألماني التقليدي يقوم على قدر أكبر من التنظيم والتفاوض والمشاركة مقارنة بالنموذج الذي ينظر إلى سوق العمل باعتباره مجرد مواجهة بين صاحب العمل والموظف وهذا يساعد على خلق نوع من الاستقرار يسمح للشركات بالتخطيط على المدى الطويل ويمنح العمال مساحة أكبر للمشاركة في القرارات التي تمسهم
النموذج الألماني كذلك لا يقوم على فكرة أن الشركة يجب أن تخدم المساهمين وحدهم فالشركات الكبرى خصوصًا كانت مرتبطة بصورة أوسع بمصالح العاملين والمجتمع والبنوك والموردين وهذا التصور يجعل قرار الاستثمار أقل ارتباطًا بالربح السريع وأكثر قدرة على تحمل مشروعات تحتاج إلى سنوات حتى تحقق نتائجها
هنا يبدأ الكتاب في تفكيك واحدة من أكثر الأساطير انتشارًا وهي أن ألمانيا أصبحت قوية لأنها خفضت الأجور وفرضت التقشف وأطلقت إصلاحات سوق العمل في عهد شرودر فهذه الإجراءات ساعدت بالفعل على خفض تكاليف العمل وتعزيز القدرة التنافسية في بعض المجالات لكنها لم تكن وحدها التي صنعت القوة الصناعية الألمانية بل جاءت فوق بنية اقتصادية كانت موجودة قبلها بسنوات طويلة
المشكلة أن الإصلاحات نفسها حملت ثمنًا اجتماعيًا كبيرًا فزيادة مرونة سوق العمل لم تعن بالضرورة تحسن ظروف الجميع وظهرت أشكال جديدة من العمل منخفض الأجر واتسعت الفوارق الاجتماعية وتزايدت أعداد الأشخاص الذين يعملون دون أن يحصلوا على مستوى الدخل الذي يسمح لهم بحياة مستقرة وهنا تظهر المفارقة التي يريد دوفال لفت الانتباه إليها وهي أن نجاح المؤشرات الاقتصادية لا يعني تلقائيًا أن كل أفراد المجتمع استفادوا بالقدر نفسه
التصدير كان عاملًا حاسمًا أيضًا فالشركات الألمانية استفادت بقوة من صعود الاقتصادات الناشئة خصوصًا الصين وغيرها من الأسواق التي احتاجت إلى الآلات والمعدات والسيارات والسلع الصناعية المتقدمة وقد وجدت ألمانيا نفسها في موقع ممتاز لتلبية هذا الطلب بفضل خبرتها الصناعية المتراكمة
لكن الاعتماد الكبير على التصدير يحمل مخاطره لأن الاقتصاد الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الطلب الخارجي يصبح حساسًا للتغيرات العالمية وأي تباطؤ في الأسواق الكبرى يمكن أن ينتقل سريعًا إلى المصانع والوظائف والاستثمارات لذلك لا يمكن النظر إلى الفائض التجاري باعتباره نجاحًا مطلقًا دون التفكير في التوازن الداخلي للاقتصاد
البيئة والطاقة تقدم جانبًا آخر من التجربة الألمانية فانتقال ألمانيا نحو الطاقة المتجددة لم يكن مجرد قرار اقتصادي وإنما كان مرتبطًا بثقافة سياسية واجتماعية أعطت أهمية كبيرة للبيئة ومع ذلك فإن هذا التحول حمل تكاليف وتحديات جعلت التجربة أكثر تعقيدًا من الصورة المثالية التي تقدمها بعض الخطابات
ألمانيا إذن ليست نموذجًا يمكن نسخه ولصقه في دولة أخرى لأن المؤسسات التي صنعت نجاحها مرتبطة بتاريخ طويل وثقافة سياسية ونظام تعليمي وعلاقات اجتماعية وتوزيع جغرافي للسلطة ومن الخطأ أن تأخذ دولة ما جزءًا واحدًا من التجربة ثم تتوقع الحصول على النتيجة نفسها
القصة كلها تقود إلى فكرة شديدة الأهمية وهي أن الاقتصاد لا يعيش منفصلًا عن المجتمع فالمصانع لا تعمل وحدها والأسواق لا تصنع المهارات والتعليم لا ينتج الكفاءات بعيدًا عن احتياجات الصناعة والبنوك لا تستطيع بناء اقتصاد قوي دون معرفة البيئة التي تعمل داخلها ولذلك فإن قوة ألمانيا جاءت من تفاعل مجموعة كبيرة من المؤسسات أكثر مما جاءت من قرار حكومي واحد
وهنا يتحول السؤال من كيف نجحت ألمانيا إلى سؤال أصعب ماذا يمكن للدول الأخرى أن تتعلم منها دون أن تقع في فخ تقليدها بشكل أعمى والجواب يبدو واضحًا كل دولة تحتاج إلى بناء مؤسساتها الخاصة وتطوير تعليمها وربط التدريب بسوق العمل ودعم الصناعة والاستثمار طويل الأجل وتحقيق توازن حقيقي بين القدرة التنافسية والحماية الاجتماعية
الصورة التي يتركها الكتاب في ذهن القارئ ليست صورة ألمانيا المثالية ولا ألمانيا الفاشلة وإنما صورة أكثر واقعية لاقتصاد قوي يحمل داخله نقاط قوة حقيقية ومشكلات حقيقية وأن فهم النجاح الاقتصادي يحتاج إلى النظر خلف الأرقام والشعارات لأن ما يبدو معجزة من بعيد غالبًا يكون نتيجة عقود طويلة من بناء المؤسسات والعمل والاستثمار في الإنسان
وهكذا يصبح Made in Germany أكثر من كتاب عن الاقتصاد الألماني فهو محاولة لفهم الفرق بين النموذج الحقيقي والصورة التي تصنعها وسائل الإعلام والسياسة فالقوة الاقتصادية لا تولد من التقشف وحده ولا من خفض الأجور ولا من قرار سياسي سريع وإنما تنشأ عندما تلتقي الصناعة بالتعليم والتمويل والعمالة والمؤسسات والثقافة الاقتصادية في منظومة تستطيع أن تتطور مع الزمن وربما يكون أهم درس في التجربة الألمانية أن النجاح الذي نراه اليوم لم يبدأ اليوم أصلًا بل بدأ منذ سنوات طويلة حين كان آخرون لا يزالون منشغلين بالبحث عن وصفة سريعة
بطاقة تعريفية
العنوان Made in Germany النموذج الألماني وراء الأساطير
المؤلف غيوم دوفال
دار النشر Points
بلد النشر فرنسا
الطبعة طبعة الجيب الجديدة مع مقدمة جديدة للمؤلف
سنة النشر 2014
عدد الصفحات 230 صفحة
ISBN 9782757848210







