تمهيد
يعد كتاب «This Is Marketing: You Can’t Be Seen Until You Learn to See» للكاتب الأمريكي سيث جودين محاولة لإعادة تعريف التسويق بعيدًا عن الصورة التقليدية التي تختزله في الإعلانات، والمبيعات، والحصول على أكبر عدد ممكن من العملاء، ينطلق جودين من فكرة بسيطة لكنها جوهرية: التسويق ليس مجرد وسيلة لإقناع الناس بشراء شيء، وإنما هو عملية لإحداث تغيير في حياة الآخرين.
ومن هنا، يغير الكاتب السؤال التقليدي الذي يطرحه المسوق: «كيف أبيع أكثر؟» إلى سؤال آخر أكثر عمقًا: «من الذي أستطيع مساعدته؟».
ويرى جودين أن المسوق الحقيقي لا يبدأ من المنتج ثم يبحث عن أشخاص يشترونه، وإنما يبدأ من الأشخاص الذين يريد خدمتهم، ويفهم أحلامهم ومخاوفهم وطريقة رؤيتهم للعالم، ثم يبني منتجًا وقصة وتجربة تتناسب مع احتياجاتهم، فالكتاب، في جوهره، ليس دليلًا تقنيًا لإدارة الحملات الإعلانية، وإنما رؤية فلسفية وعملية للتسويق باعتباره فعلًا من أفعال التغيير الاجتماعي والثقافي.
ماذا يريد الكاتب؟
يريد سيث جودين نقل التسويق من عصر «الصخب» إلى عصر «الثقة»، فالمستهلك المعاصر يتعرض لكم هائل من الرسائل والإعلانات والمحتوى، وأصبح من الصعب الحصول على انتباهه بالقوة أو التكرار وحدهما.
لذلك يرى جودين أن محاولة الوصول إلى الجميع تؤدي غالبًا إلى إنتاج رسائل عامة لا تعني شيئًا لأحد، أما الطريق الأكثر فاعلية فهو تحديد مجموعة صغيرة ومحددة من الأشخاص الذين يمكن أن يستفيدوا بشدة مما تقدمه، ثم تصميم المنتج والرسالة والتجربة حولهم، ويطلق الكاتب على هذه المجموعة مفهوم «أصغر سوق قابل للحياة» The Smallest Viable Market.
لماذا هذا الكتاب؟
تكمن أهمية الكتاب في أنه صدر في لحظة أصبح فيها التسويق حاضرًا في كل تفاصيل الحياة تقريبًا، فالإنسان لا يواجه الإعلانات التجارية فقط، وإنما يتعامل مع التسويق عندما يحاول إقناع مديره بفكرة، أو جمع التبرعات لمشروع، أو الترويج لمبادرة، أو بناء مجتمع حول قضية، أو حتى عندما يحاول تغيير رأي الآخرين.
ولهذا يقول جودين إن التسويق لم يعد نشاطًا خاصًا بمديري التسويق أصحاب الميزانيات الضخمة، وإنما أصبح مهارة يحتاج إليها كل شخص يريد أن يجعل فكرة أو مشروعًا أو خدمة تصل إلى الآخرين.
ويأتي الكتاب كذلك كرد فعل على نموذج تسويقي قديم يعتمد على شراء الانتباه، وإزعاج الجمهور، وإرسال الرسائل الجماعية، وإنتاج منتجات متوسطة للجميع ثم انتظار النتائج، ويرى جودين أن هذا النموذج لم يعد مناسبًا لعصر أصبحت فيه الثقة والانتباه موارد نادرة.
الفكرة المركزية للكتاب
يقدم جودين خمس خطوات أساسية للتسويق:
- ابتكار شيء يستحق أن يُصنع، وله قصة تستحق أن تُروى ومساهمة تستحق الحديث عنها.
- تصميم المنتج بحيث يستفيد منه عدد محدد من الأشخاص بصورة حقيقية.
- بناء قصة تتوافق مع أحلام المجموعة الصغيرة المستهدفة، أي «أصغر سوق قابل للحياة».
- نشر الكلمة والوصول إلى الأشخاص المناسبين.
- الاستمرار في الحضور والعطاء وبناء الثقة لسنوات، حتى تتحول العلاقة إلى مجتمع قادر على نشر الفكرة من شخص إلى آخر.
يلخص هذا الكتاب عدة أمور:
1_ التسويق هو صناعة التغيير
2_ ابدأ بمن تستطيع مساعدتهم
3_ «أصغر سوق قابل للحياة»
4_ الناس لا يتخذون قراراتهم بطريقة عقلانية تمامًا
5_ كل إنسان يعيش داخل قصة
6_ التسويق لا يبدأ من المنتج وينتهي عند الإعلان
7_ كن «مدفوعًا بالسوق» لا «مدفوعًا بالتسويق»
8_ «الأشخاص مثلنا يفعلون أشياء مثل هذه»
9_ الثقة أهم من الانتباه
10_ التسويق طويل المدى
أهم محاور الكتاب
أولًا: الرؤية الجديدة للتسويق
يبدأ جودين بتفكيك الصورة التقليدية للتسويق باعتباره إعلانًا أو ترويجًا، فالتسويق، في رؤيته، موجود في كل مكان، لأنه جزء من الطريقة التي تتغير بها اختيارات الناس وثقافتهم، ولهذا فإن كل شخص يريد إحداث تغيير هو، بشكل أو بآخر، مسوق.
ثانيًا: فهم الإنسان قبل مخاطبته
ينتقل الكتاب إلى ضرورة تعلم «الرؤية»، أي أن يتوقف المسوق عن إسقاط رغباته على الجمهور، وأن يدرك أن الأشخاص الذين يريد خدمتهم قد لا يريدون ما يريده هو، ولا يؤمنون بما يؤمن به، ولا يهتمون بما يهتم به، وهنا تصبح القدرة على التعاطف وفهم الآخرين أهم من القدرة على الإقناع.
ثالثًا: تحديد الجمهور
يقدم جودين مفهوم «أصغر سوق قابل للحياة» باعتباره نقطة الانطلاق، كلما كان الجمهور أكثر تحديدًا، أصبح من الأسهل فهمه، وصناعة شيء مناسب له، وبناء قصة يتفاعل معها، ولا يعني ذلك رفض النمو، وإنما بناء النمو على قاعدة قوية بدل محاولة الوصول إلى جمهور واسع برسالة عامة.
رابعًا: القصة والرغبة
يبحث الكتاب في الطريقة التي تتحول بها المنتجات إلى رموز وقصص، فالناس لا يشترون الأشياء بسبب خصائصها المادية فقط، وإنما بسبب المعنى الذي تمنحه لهم، والصورة التي يرغبون في أن يكونوا عليها، وهنا تصبح مهمة المسوق هي فهم «الحالة» التي يريد الجمهور الوصول إليها، ثم بناء المنتج والقصة حول هذه الرغبة.
خامسًا: المكانة والانتماء
يخصص جودين مساحة كبيرة لفكرة المكانة Status والانتماء Affiliation، فالناس يهتمون بموقعهم داخل الجماعات التي ينتمون إليها، ويتخذون قرارات كثيرة بناءً على رغبتهم في الانتماء أو التميز أو الحفاظ على مكانتهم، ولهذا تصبح العلامة التجارية أو المنتج جزءًا من هوية الشخص، وليس مجرد شيء يستخدمه.
سادسًا: التوتر الذي يدفع إلى التغيير
لا يحدث التغيير بسهولة، فالناس غالبًا يفضلون الوضع القائم، حتى عندما لا يكون مثاليًا، ومن هنا يتحدث الكتاب عن «التوتر» باعتباره عنصرًا يدفع إلى الحركة؛ فهناك فجوة بين الواقع الذي يعيشه الشخص والحالة التي يريد الوصول إليها، ودور التسويق هو مساعدة الشخص على عبور هذه الفجوة.
سابعًا: السعر قصة أيضًا
لا يرى جودين السعر باعتباره رقمًا اقتصاديًا محايدًا، السعر يحمل رسالة عن القيمة والمكانة والجودة والانتماء، ولهذا فإن تحديد السعر يجب أن يكون جزءًا من القصة التي يريد المشروع أن يحكيها عن نفسه.
قراءة صحفية
يمكن قراءة «This Is Marketing» باعتباره كتابًا عن التسويق بقدر ما هو كتاب عن الإنسان، فجودين لا يقدم وصفة لزيادة المبيعات بقدر ما يحاول تغيير الطريقة التي ينظر بها صاحب المشروع إلى جمهوره، النقطة الأكثر أهمية في الكتاب أن المستهلك ليس مادة خامًا لحل مشكلات الشركة.
الشركة هي التي يجب أن تحل مشكلة حقيقية لدى الإنسان، وهذا التحول يبدو بسيطًا، لكنه يغير كل شيء: المنتج، والسعر، والرسالة، والإعلان، وخدمة العملاء، وحتى طبيعة العلاقة بين المؤسسة والجمهور.
ويطرح الكتاب كذلك نقدًا واضحًا لثقافة «الأكبر أفضل» التي تدفع الشركات إلى قياس نجاحها بعدد المتابعين، وحجم السوق، وعدد العملاء، فجودين يستخدم صورة زهرة عباد الشمس ليشرح الفكرة: لا يمكن أن تصبح الزهرة طويلة وقوية دون جذور عميقة، والعلامة التجارية الكبيرة تحتاج إلى جذور مماثلة؛ أي فهم عميق لأحلام الأشخاص الذين تخدمهم وثقافتهم ومجتمعهم، ومن أكثر أفكار الكتاب أهمية أيضًا أنه لا يطلب من المسوق أن يكون «محبوبًا من الجميع».
على العكس، يرى جودين أن القدرة على القول «هذا المنتج ليس لك» جزء من قوة العلامة التجارية، فمحاولة إرضاء الجميع تؤدي إلى التنازل عن الخصوصية، بينما التركيز على مجموعة محددة يجعل المنتج أكثر وضوحًا وقدرة على إحداث أثر، وهنا يلتقي الكتاب مع أحد أهم التحولات في التسويق الحديث: الانتقال من السوق الجماهيري إلى المجتمعات المتخصصة، ومن الرسالة الواحدة إلى التجربة الشخصية، ومن شراء الانتباه إلى كسب الثقة.
أهم الأفكار التي يتركها الكتاب
- التسويق ليس إعلانًا، وإنما صناعة تغيير.
- السؤال الأهم في أي مشروع هو: «من الذي تستطيع مساعدته؟».
- لا تحاول الوصول إلى الجميع.
- ابدأ بأصغر سوق قابل للحياة.
- افهم أحلام جمهورك قبل أن تتحدث عن منتجك.
- البشر يتخذون قراراتهم داخل قصص وثقافات، وليس بناءً على المنطق وحده.
- المنتج نفسه جزء من عملية التسويق.
- الثقة لا تُشترى؛ وإنما تُكتسب مع الوقت.
- الانتباه مورد نادر، ولذلك لا ينبغي إهداره برسائل لا يريدها الجمهور.
- السعر يحمل قصة عن القيمة والمكانة.
- التغيير يحتاج إلى توتر بين الوضع الحالي والحالة المرغوبة.
- المجتمع والقبيلة يمكن أن يكونا أقوى من الإعلان التقليدي.
- الاستمرارية أهم من الحيلة المؤقتة.
- ما يقوله الناس عنك أهم في كثير من الأحيان مما تقوله أنت عن نفسك.
- التسويق الناجح يبدأ بالتعاطف وينتهي ببناء علاقة.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب أصحاب المشروعات ورواد الأعمال، والمسوقين ومديري العلامات التجارية، والعاملين في العلاقات العامة وصناعة المحتوى، وكذلك أصحاب المشروعات الصغيرة الذين لا يملكون ميزانيات إعلانية ضخمة.
كما يناسب الصحفيين وصناع المحتوى الذين يريدون فهم كيفية بناء جمهور حقيقي بدل الاكتفاء بجمع المتابعين.
ويمكن أن يكون مفيدًا كذلك لأي شخص يعمل في مؤسسة أو مبادرة أو منظمة غير ربحية؛ لأن جودين لا يحصر التسويق في بيع المنتجات، بل يراه وسيلة لإقناع الناس بفكرة أو قضية أو تغيير معين.
مميزات الكتاب
أولًا: يقدم رؤية واضحة ومتماسكة للتسويق بدل التركيز على الأدوات المتغيرة.
ثانيًا: يربط التسويق بعلم النفس والثقافة والسلوك الإنساني.
ثالثًا: يعتمد على أمثلة ودراسات حالة متعددة، وهو ما يظهر كذلك في فهرس الكتاب الذي يضم نماذج تطبيقية ضمن فصوله.
رابعًا: يرفض التعقيد غير الضروري، ويقدم عددًا من الأفكار التي يمكن تحويلها إلى أسئلة عملية عند بناء أي مشروع.
خامسًا: يمنح «الجمهور» مكانة مركزية بدل أن يبدأ من المؤسسة واحتياجاتها فقط.
سادسًا: يجمع بين التسويق والعلاقات وبناء المجتمع، وهي زاوية تجعله مختلفًا عن كتب التسويق التي تركز بصورة أساسية على الإعلان والمبيعات.
وختاما فإن «This Is Marketing» ليس كتابًا عن كيفية بيع المزيد فقط، بل عن كيفية أن يصبح ما تقدمه جديرًا بأن يُعرف ويُشارك ويُوثق به، إذ يرى سيث جودين أن التسويق الحقيقي يبدأ من شيء يستحق أن يُصنع، ثم من أشخاص محددين يمكن أن يستفيدوا منه، ثم من قصة تتوافق مع أحلامهم، ثم من علاقة طويلة الأمد قائمة على الثقة.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، ولا تهدف إلى إعادة نشر الكتاب أو استبداله. جميع حقوق النص الأصلي محفوظة للمؤلف والناشر، وتوضح النسخة المرفقة صراحة أن الكتاب صادر عن Portfolio، وهو أحد أختام Penguin Random House، وأن حقوق النشر تعود إلى Seth Godin.
بطاقة تعريفية بالكتاب
العنوان: This Is Marketing: You Can’t Be Seen Until You Learn to See
العنوان بالعربية: هذا هو التسويق: لن يراك أحد قبل أن تتعلم كيف ترى
المؤلف: Seth Godin – سيث جودين
الناشر: Portfolio / Penguin
مكان النشر: New York
سنة النشر: 2018
ISBN للنسخة الورقية: 9780525540830
ISBN للنسخة الإلكترونية: 9780525540847
تصنيف مكتبة الكونغرس: HF5415
تصنيف ديوي العشري: 658.8







