مش لازم تكون عبقري.. قراءة في كتاب “المجتمع الريادي”

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

ماذا يريد الكاتب؟

يعد كتاب “The Entrepreneurial Society” أو المجتمع الريادي للمؤلف بيتر دراكر، من الكتب الرائدة وتدور الفكرة الأساسية للكتاب حول المجتمع الذي يراه مجتمع الفرص لا الوظائف الثابتة، حيث يرى أن التحول الكبير في القرن 21 يتمثل في الانتقال من الاقتصاد المُدار بواسطة الشركات الكبيرة والحكومات، إلى مجتمع ريادي.

لماذا هذا الكتاب؟

ويتلخص الكتاب في 5 محاور هي:

المحور الأول، أن تتحول من باحث عن وظيفة إلى خالق فرص، حيث يؤكد دراكر أن عصر الوظيفة الدائمة للأبد انتهت، وأنه ليس كما يتوهم الناس من أن الأمان الوظيفي يتمثل في شركة كبيرة تعمل لديها، لكن الأمان أصبح في القدرة على خلق قيمة.

وهنا يؤكد أن الإنسان الريادي ليس شخصًا ينتظر من يوظفه، بل يبحث يبحث عن المشكلة ومدى قدرته على حلها، والقيمة التي يستطيع أن يقدمها.

2. الابتكار هو الوظيفة الأساسية
المجتمع الريادي بيكافئ حاجة واحدة: الابتكار المنهجي.
مش لازم تكون عبقري. الابتكار عند دراكر = 7 مصادر تقدر تدور فيها:
– النجاح والفشل غير المتوقع
– التناقضات في السوق
– احتياجات العملية
– تغيرات الصناعة والسوق
– التغيرات الديموغرافية
– تغيرات الإدراك والمعنى
– المعرفة الجديدة

أي حد يقدر يتعلم يلاحظ المصادر دي ويحولها لفرصة.

3. المعرفة رأس المال الجديد: في “المجتمع الريادي” أهم أصل عندك مش الفلوس ولا الآلات. أهم أصل هو المعرفة المتخصصة + القدرة على تطبيقها، عشان كده “العامل المعرفي” Knowledge Worker هو بطل العصر. أنت مش بتأجر وقتك، أنت بتأجر حكمك وقرارك.

4. إدارة المخاطرة بدل الهروب منها: الشركات الكبيرة بتحاول تتجنب المخاطرة. المجتمع الريادي بيديرها، والقاعدة هنا: جرب حاجات صغيرة، فشل بسرعة ورخيص، وكبر اللي ينجح. الريادة مش مقامرة، هي “تجربة منظمة”.

5. دور المؤسسات يتغير: الحكومات والجامعات والشركات الكبيرة دورها مش “توظف الناس” دورها “تمكن الناس” إنهم يبنوا مشاريعهم، أي يعني التعليم لازم يعلم ريادة، والضرائب والقوانين لازم تشجع التجارب مش تعاقبها.

لمن يناسب هذا الكتاب؟

يناسب الكتاب رواد الأعمال وأصحاب المشاريع الناشئة ومن يريد بناء مشروعه بناءً على منهجية علمية منظمة، وليس على مجرد “مخاطرة عشوائية” أو حماس مؤقت، ويناسب أيضا المدراء والقادة في الشركات الكبرى الذين يواجهون جموداً بيروقراطياً ويريدون إعادة بث روح الابتكار (Corporate Entrepreneurship) داخل مؤسساتهم القائمة، وصنّاع السياسات والمسؤولين الحكوميين المهتمين بتطوير الاقتصاد، وخلق فرص عمل، وتحويل المؤسسات العامة (كالتعليم والصحة) إلى جهات مرنة ومبتكرة، وأخيرًا طلاب وخلفاء إدارة الأعمال والاقتصاد الباحثين عن فهم عميق لكيفية ترابط الابتكار بالنظام الاجتماعي والاقتصادي الشامل.

مميزات الكتاب:

يبتعد دراكر عن لغة كتب التحفيز السطحية، ويقدم بدلاً منها تحليلات عميقة مدعومة بأمثلة تاريخية واقتصادية حقيقية، كما يمتاز الكتاب بأنه جرّد الابتكار من هالة “العبقرية المفاجئة” وحوّله إلى منهجية قابلة للتعلّم والتدريس لها قواعد وأدوات واضحة، ويقوم بالتركيز على التطبيق العملي فلا يكتفي بالأفكار النظرية، بل يقدم مصادر الابتكار السبعة (مثل التغيرات الديموغرافية، أحداث السوق غير المتوقعة) كإرشادات واضحة للبحث عن الفرص، أيضا وجود الرؤية المستقبلية أو الاستشراف بالرغم من كتابته عام 1985، إلا أن تحليله للتحول نحو “اقتصاد المعرفة” وضرورة “التعليم المستمر” يصف بدقة واقعنا الرقمي اليوم، وأخيرًا يمتاز الكتاب بالشمولية فلا يحصر ريادة الأعمال في القطاع التجاري، بل يمتد ليشمل الابتكار الاجتماعي وتطوير المؤسسات غير الربحية والحكومية.

قراءة صحفية:

الكتاب هو إخبار لك بأن ريادة الأعمال ممارسة وليست سمة شخصية، وباعتبارها ممارسة يمكن لأي شخص تعلمها وتطبيقها في أي مجال من مجالات المسعى البشري، ويختتم الكتاب بتنبؤٍ مُلهم، ففي فصله الختامي، تنبأ دراكر بأنه كما أصبح الاقتصاد مُفعمًا بروح المبادرة، فإن المجتمع بأسره على وشك أن يصبح كذلك، وهي رؤية مُحفزة ومتفائلة لعالمٍ تُصبح فيه الابتكارات وريادة الأعمال “طبيعية، ومستقرة، ومستمرة”.

كما أنه سيُحدث التغيير القادم تحولاً جذرياً في جميع مؤسسات المجتمع، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية والحكومة والسياسة، وقد تكون أدوات الابتكار وريادة الأعمال اقتصادية، لكن الغايات قد تشمل أي شيء: “في الواقع، قد يكون هناك مجال أوسع… للابتكار في التعليم والرعاية الصحية والحكومة والسياسة مقارنةً بمجال الأعمال والاقتصاد”.

وأخيرًا يستحضر دراكر صورة دورة تجديد مستمرة من شأنها “التخلص من القديم والبالي وغير المنتج”، ويشبه هذه العملية بثورة سلمية – ثورة “عملية وليست دوغمائية، ومتواضعة وليست طموحة… للحفاظ على مرونة أي مجتمع أو اقتصاد أو صناعة أو خدمة عامة أو عمل تجاري وقدرته على التجديد الذاتي”.

حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: Innovation and Entrepreneurship: Practice and Principles
المؤلف: بيتر ف. دراكر (Peter F. Drucker)
دار النشر: هابير آند رو (Harper & Row) — وتصدر حالياً عن (Harper Business)، والنسخة العربية شركة رف للنشر
بلد النشر: أمريكا
الطبعة: الأولى
سنة النشر: 1 يناير 1985
عدد الصفحات: 476 صفحة
رقم الإيداع: غير متوافر
ISBN: 978-0060851132

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *