كتاب “أمومة هادئة” .. دعوة لخلع عباءة المثالية الثقيلة

تحليل: لمياء نبيل

ينطلق كتاب “أمومة هادئة” للكاتبة سارة أوكويل سميث من قاعدة جوهرية ومريحة لكل أم تتعثر وتنهكها معايير العصر الحديث، ليأتي هذا المؤلف بمثابة دعوة هادئة لخلع عباءة المثالية الثقيلة التي تثقل كاهل الأمهات في زمن تكثر فيه المقارنات وصور التربية المصطنعة على منصات التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت المختلفة، فالكاتبة تؤكد منذ السطور الأولى وبكل شفافية أن الأمومة ليس المراد منها أن تكون مهمة مستحيلة للوصول إلى الكمال المطلق، ولا مسابقة مستمرة ودؤوبة لإثبات النجاح عبر أطفال مطيعين تماماً وخالين من أي أخطاء أو زلات، بل هي في جوهرها وحقيقتها رحلة إنسانية رحبة ومفتوحة تحتمل التعثر، والتجربة، وإعادة المحاولة، والخطأ والصواب كأي تجربة بشرية أخرى.

 

ومن هذا المنطلق الإنساني الصادق، يتفكك تدريجياً ذلك الوهم المجتمعي البالي القائل إن الأم الصالحة هي حصراً تلك التي لا تتعب أبداً، ولا تغضب مهما بلغت الضغوط، ولا تحتار في اتخاذ القرارات، ليحل محله إدراك واعي وعميق بأن الطفل في واقع الأمر لا يحتاج إطلاقاً إلى أم خارقة أو نموذج أسطوري، بل يحتاج بشدة إلى إنسان حقيقي وواقعي يوفر له بيئة آمنة، دافئة، وداعمة تمنحه القدرة الأكيدة على تجاوز لحظات التوتر والخلاف واستعادة الاتزان النفسي بعد كل عاصفة وبدلاً من الوقوع الدائم في فخ الذنب المستمر أو الاعتقاد الوهمي بأن أي نقد خارجي موجه هو عدوان سافر، يتعلم القارئ بمرور الوقت كيف يميز بدقة بالغة بين النصيحة البناءة والمفيدة حقاً، وبين المعايير الاجتماعية الضاغطة التي لا ترحم الأمهات ولا تقدر ظروفهن النفسية والجسدية.

 

ولا يتوقف الطرح عند هذا الحد، بل يتطرق الكتاب أيضاً بزاوية نظر مختلفة كلياً وعميقة إلى ما يُعرف عادة بالسلوكيات المزعجة أو نوبات الغضب والعناد والرفض المتكرر، إذ يدعو إلى تجاوز السطح نحو الأعماق، بدل الاكتفاء بمحاولة قمع السلوك بالقوة والسيطرة الظاهرية ويتم ذلك عبر التساؤل الجذري عما يحاول الطفل التعبير عنه بشتى الطرق حين يكون متعباً، أو خائفاً، أو جائعاً، أو عاجزاً عن الكلام والتعبير عن احتياجاته بوضوح، وهذا التحول الفكري والهيكلي ينقل عملية التربية برمتها من رغبة ملحة وعمياء في السيطرة وفرض الأوامر العسكرية إلى محاولة حقيقية وصادقة للفهم والاحتواء النفسي السليم.

غير أن هذا التعاطف الفطري والعميق لا يعني بحال من الأحوال التخلي عن وضع الحدود أو قبول التصرفات الخاطئة بلا حساب أو توجيه؛ فالطفل في مرحلة نموه الدقيق بحاجة ماسة ومستمرة للحرية المسؤولة، وبحاجة لمن يدله بوضوح وهدوء تام على ما هو مقبول ومحبذ وما هو مرفوض وممنوع، وذلك دون اللجوء نهائياً إلى أساليب الترهيب، والقمع، والعقاب البدني والنفسي القاسي الذي لا يولد سوى الخوف، ولا يبني أبداً أي وعي حقيقي أو أخلاقي مستدام، فالقوة الحقيقية للسلطة الأبوية تستمد قوتها وشرعيتها دائماً من وثاقة العلاقة وسلامتها النفسية، لا من لغة التهديد والوعيد والتسلط الأعمى.

إلا أن هذا النهج التربوي الهادئ يصطدم في الواقع العملي اليومي بعقبة كبرى تتمثل في صعوبة التطبيق المستمر والمتزن وسط ضغوط الحياة المتسارعة ومطالبها التي لا تنتهي، والتي تستنزف بلا هوادة الطاقة النفسية والجسدية للأمهات.

ولهذا السبب تصر الكاتبة بحق ووعي على أن العناية بالذات ليست ترفاً زائداً ولا نوعاً من الأنانية المذمومة، بل هي ركن أصيل لا غنى عنه من أركان التربية السليمة والمتوازنة، إذ يستحيل عقلياً وواقعياً على أم أنهكها الإرهاق المستمر أن تمنح طفلها الهدوء والاحتواء اللذين تطالبها بهما النظريات التربوية المثالية.

ورغم عمق هذه الفكرة وإنسانيتها البالغة، ينبغي التنبه بحذر إلى ألا تتحول هذه الدعوات إلى عبء إضافي يضاف إلى قائمة طويلة وثقيلة من التزامات المرأة وحدها وكأن التربية شأن يخصها بمعزل عن الشراكة الأسرية والمجتمعية الحقيقية، فالأعباء النفسية يجب أن تتوزع بعدل وإنصاف حتى لا تتحول فكرة الأمومة الهادئة إلى مصدر إضافي للضغط الخفي على كاهل المرأة.

وفي المحصلة النهائية، لا يطرح الكتاب وصفات سحرية جاهزة لإنتاج أطفال بلا مشكلات أو تحديات، بل يعيد هندسة نظرة الأم لنفسها ولطفلها معاً بطريقة متوازنة، لتصبح الغاية المنشودة هي بناء علاقة صلبة، دافئة، وآمنة تنمو فيها الثقة المتبادلة والاستقلال تدريجياً مع مرور الأيام، فالأم التي تفقد أعصابها لحظة غضب وضغط ليست فاشلة أبداً، والطفل الذي يمر بنوبات غضب ليس طفلًا سيئاً، بل هي رحلة طويلة وجميلة تتشارك فيها الأرواح النضج والفهم والاحتواء المتبادل.

وتتجسد القيمة الحقيقية للعمل في انتقاله الجذري من التربية القائمة على السيطرة وإرغام الطفل وتدجينه إلى التربية القائمة على الحوار وبناء الجسور الإنسانية المتينة، ليتبين في النهاية أن التربية الناجحة لا تُقاس أبداً بعدد القواعد الصارمة التي يحفظها الطفل وينفذها خوفاً، بل بحجم الأمان والقبول المطلق الذي يشعر به في حضن عائلته، إذ تنضج الأم وطفلها جنباً إلى جنب في رحلة تعلم مستمرة وثرية لا تنتهي أبداً.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *