تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
الفكرة الرئيسية
يناقش كتاب «فجوة المعرفة والتطبيق» (The Knowing-Doing Gap) للكاتبين جيفري بفيفر وروبرت ساتون واحدة من أكثر المشكلات شيوعًا داخل المؤسسات: لماذا تمتلك الشركات المعلومات والخبرات والاستراتيجيات اللازمة للنجاح، لكنها تفشل في تحويل هذه المعرفة إلى أفعال ونتائج؟
يرى المؤلفان أن امتلاك المعرفة لا يمثل نهاية الطريق، بل بدايته فقط. فالمؤسسة قد تعرف كيف تحفز موظفيها، وكيف تحسن خدمة العملاء، وكيف تطور منتجاتها، لكنها تظل عاجزة عن تحقيق ذلك إذا كانت بيئة العمل لا تشجع على التنفيذ.
ومن هنا تصبح المشكلة الحقيقية هي الفجوة بين ما تعرفه المؤسسة وما تفعله فعليًا.
لماذا كُتب هذا الكتاب؟
جاء الكتاب في محاولة للإجابة عن مفارقة واضحة في عالم الإدارة؛ فالمؤسسات تنفق أموالًا ضخمة على الاستشارات والتدريب والدراسات والخطط الاستراتيجية، ومع ذلك لا تتحول المعرفة المكتسبة دائمًا إلى تغيير ملموس.
ويحذر المؤلفان من الاعتقاد بأن المزيد من المعلومات سيحل المشكلة تلقائيًا. ففي كثير من الحالات يعرف المديرون والموظفون بالفعل ما ينبغي فعله، لكنهم لا يفعلونه بسبب الخوف، أو الحوافز الخاطئة، أو البيروقراطية، أو المنافسة الداخلية، أو التمسك بالأساليب القديمة.
ولهذا يدعو الكتاب إلى تغيير السؤال من «ماذا نعرف؟» إلى «كيف نحول ما نعرفه إلى ممارسة؟»
أهم الأفكار في الكتاب
الكلام ليس إنجازًا
أحد أسباب اتساع الفجوة بين المعرفة والتطبيق هو أن المؤسسات قد تخلط بين الحديث عن العمل والقيام به، فاجتماعات طويلة، وعروض تقديمية، وتقارير متخصصة، وخطط استراتيجية متقنة، قد تمنح شعورًا بالتقدم دون أن ينتج عنها تغيير حقيقي.
المشكلة هنا أن القرار لا يساوي التنفيذ، والخطة لا تعني تحقيق الهدف. وقد تصبح اللغة الإدارية وسيلة لإخفاء ضعف الأداء عندما تنشغل المؤسسة بالمصطلحات أكثر من انشغالها بالنتائج.
لذلك يقيس المؤلفان قيمة المعرفة بقدرتها على تغيير السلوك، وليس بعدد المرات التي يتم الحديث عنها.
الخوف يقتل المبادرة
لا يمكن لمؤسسة أن تطلب من موظفيها الابتكار والمبادرة ثم تعاقبهم بشدة عندما تفشل إحدى محاولاتهم.
فبيئة العمل التي تجعل الخطأ خطرًا دائمًا تدفع الموظف إلى اختيار الطريق الآمن، حتى لو كان أقل فاعلية.
ومن هنا يميز الكتاب بين الفشل الناتج عن محاولة التعلم وبين الإهمال. فالتجربة التي لا تحقق النتيجة المتوقعة يمكن أن تصبح مصدرًا مهمًا للمعرفة إذا قامت المؤسسة بتحليلها والاستفادة منها.
أما إذا أصبح العقاب هو الرد الوحيد على الخطأ، فسيتعلم الموظفون درسًا مختلفًا: لا تحاول شيئًا جديدًا.
أنظمة المكافآت تصنع السلوك
قد تعلن المؤسسة أنها تؤمن بالعمل الجماعي، لكنها في الوقت نفسه تكافئ الموظفين بناءً على إنجازاتهم الفردية فقط، وفي هذه الحالة يصبح من الطبيعي أن يركز الموظف على نجاحه الشخصي بدلًا من نجاح الفريق.
وينطبق الأمر نفسه على المؤسسات التي تتحدث عن التخطيط طويل المدى، ثم تربط تقييم المديرين بنتائج قصيرة الأجل، فالموظفون يتأثرون بما تكافئه المؤسسة فعليًا أكثر مما يتأثرون بما تقوله في شعاراتها.
ولهذا فإن إصلاح فجوة المعرفة والتطبيق يحتاج إلى مراجعة أنظمة القياس والحوافز، بحيث تشجع السلوك الذي تريد المؤسسة بالفعل الوصول إليه.
المنافسة الداخلية تضعف المؤسسة
عندما تتحول المنافسة بين الأقسام إلى صراع، يصبح نجاح فريق مرتبطًا بفشل فريق آخر، وتبدأ المعلومات والخبرات في التحول إلى أدوات نفوذ بدلًا من كونها موارد مشتركة.
ويرى المؤلفان أن المؤسسة تحتاج إلى تشجيع التعاون الداخلي، بحيث تتجه المنافسة الحقيقية إلى السوق والمنافسين الخارجيين، لا إلى زملاء العمل.
فالمعرفة التي يحتفظ بها موظف واحد لا تحقق قيمتها الكاملة إلا عندما تصل إلى الأشخاص القادرين على استخدامها.
العادات قد تتحول إلى قيود
من أكثر أسباب الجمود شيوعًا التمسك بالطرق القديمة لمجرد أنها كانت مستخدمة لفترة طويلة. فعبارة «نحن نفعل ذلك بهذه الطريقة دائمًا» لا تعني أن الطريقة لا تزال صحيحة.
الأسواق تتغير، والتكنولوجيا تتطور، واحتياجات العملاء تتبدل، وبالتالي فإن ما نجح في الماضي قد لا يكون مناسبًا للمستقبل.
وتحتاج المؤسسات الناجحة إلى مراجعة إجراءاتها باستمرار، والتمييز بين الخبرة الحقيقية وبين مجرد التعود.
كيف تُغلق فجوة المعرفة والتطبيق؟
يطرح الكتاب مجموعة من المبادئ التي تساعد على تحويل المعرفة إلى فعل. أولها فهم الهدف قبل الإجراءات؛ لأن الموظف الذي يعرف لماذا يقوم بالمهمة يستطيع التعامل مع الظروف الجديدة بصورة أفضل من شخص يحفظ التعليمات فقط.
كما يشجع المؤلفان على التعلم من خلال الممارسة، وعدم انتظار الخطة المثالية قبل البدء. فالتجربة نفسها تكشف ما يحتاج إلى تعديل.
ويؤكدان كذلك أهمية بناء بيئة تسمح بالخطأ الناتج عن المحاولة والتعلم، مع الإبقاء على المساءلة عن الإهمال والتقصير.
وتأتي القيادة بالقدوة في مقدمة الحلول؛ فالقائد الذي يريد التعاون عليه أن يمارسه، والذي يريد الاهتمام بالعملاء عليه أن يبدأ بنفسه، لأن الموظفين يتعلمون من سلوك قادتهم أكثر مما يتعلمون من خطاباتهم.
خلاصة الكتاب في نقاط
- المعرفة وحدها لا تضمن النجاح.
- التنفيذ هو الاختبار الحقيقي لقيمة المعرفة.
- كثرة الاجتماعات والخطط لا تعني تحقيق النتائج.
- الخوف من الفشل يقتل المبادرة والابتكار.
- أنظمة المكافآت توجه سلوك الموظفين.
- المنافسة الداخلية المفرطة تضعف التعاون.
- العادات القديمة قد تتحول إلى عائق أمام التطوير.
- التعلم الحقيقي يحتاج إلى التجربة والممارسة.
- القيادة بالقدوة أكثر تأثيرًا من التوجيهات النظرية.
- المؤسسة الناجحة هي التي تحول المعرفة إلى سلوك ونتائج.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب المديرين وأصحاب الشركات ورواد الأعمال والقيادات التنفيذية والعاملين في الموارد البشرية وإدارة المشروعات، كما يفيد كل موظف يريد فهم أسباب تعثر الأفكار والمبادرات داخل المؤسسات رغم توافر المعرفة والخطط.
نقاط القوة
يمتاز الكتاب بتركيزه على مشكلة عملية لا تحظى دائمًا بالاهتمام الكافي، كما يربط بين السلوك الفردي ونظم الإدارة وثقافة المؤسسة.
ويقدم رؤية تتجاوز فكرة أن الحل في المزيد من التدريب، لتبحث في البيئة التي تجعل الموظف قادرًا أو غير قادر على تطبيق ما تعلمه.
نقاط تجاهلها الكتاب
قد تتأثر القدرة على التطبيق أحيانًا بعوامل لا تملك المؤسسة السيطرة الكاملة عليها، مثل نقص الموارد أو الأوضاع الاقتصادية أو القيود القانونية والتنظيمية. كما أن معرفة الحل لا تعني دائمًا امتلاك الوسائل اللازمة لتنفيذه.
ملاحظات يمكن مناقشتها
يفتح الكتاب بابًا مهمًا للتساؤل حول مسؤولية المؤسسة عن الفجوة بين المعرفة والتطبيق، فليس من العدل دائمًا تحميل الموظف مسؤولية عدم التنفيذ إذا كانت أنظمة العمل نفسها تعاقب المبادرة أو تكافئ النتائج الخاطئة.
ولهذا فإن إغلاق الفجوة لا يبدأ بالضرورة بإضافة دورة تدريبية جديدة، وإنما قد يبدأ بإعادة تصميم بيئة العمل بحيث يصبح الفعل الصحيح أسهل من تركه دون تنفيذ.
الكلمة الأخيرة
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفيه.
حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: فجوة المعرفة والتطبيق (The Knowing-Doing Gap: How Smart Companies Turn Knowledge into Action)
المؤلفان: جيفري بفيفر (Jeffrey Pfeffer) وروبرت ساتون (Robert I. Sutton).
دار النشر: Harvard Business Review Press.
الطبعة: الأولى.
تاريخ النشر: 29 نوفمبر 1999.
اللغة: الإنجليزية.
عدد الصفحات: 336 صفحة.
ISBN-10: 1578511240.
ISBN-13: 978-1578511242.







