قراءة في كتاب تقديم الذات في الحياة الاجتماعية المعاصرة ” في العمل ” لـ ديفيد شلمان

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلفها لتترك في القارئ أثرا بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصارا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تقدم رؤية جديدة، وتناقش الأفكار في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابا للتأمل أكثر مما تقدم أحكاما نهائية، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لمن أراد التعمق.
الفكرة الرئيسية:
كيف يقدم الإنسان نفسه أمام الآخرين، وكيف تتغير الصورة التي يصنعها عن ذاته باختلاف المكان والجمهور والموقف؟
هذا السؤال يمثل مدخلا رئيسيا لفهم كتاب تقديم الذات في الحياة الاجتماعية المعاصرة، الذي يواصل من خلاله ديفيد شلمان دراسة أفكار إرفينغ غوفمان حول التفاعل الاجتماعي وإدارة الانطباع، لكنه ينقلها إلى سياقات أقرب إلى الحياة المعاصرة.
فالإنسان لا يعيش بشخصية اجتماعية واحدة طوال الوقت، وإنما ينتقل بين أدوار متعددة.
في المنزل له دور.
في العمل له دور آخر.
أمام الأصدقاء تظهر صورة مختلفة.
وفي اللقاء الرسمي تتغير اللغة والسلوك وطريقة تقديم الذات.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الإنسان يعيش حالة من التناقض، وإنما يكشف عن الطبيعة الاجتماعية للهوية، وعن قدرة الإنسان على تعديل سلوكه بما يتناسب مع الموقف.
ومن هنا تصبح الحياة اليومية مساحة مستمرة لتقديم الذات والتفاعل مع الآخرين.
لماذا كتب هذا الكتاب؟
جاء الكتاب في سياق الاهتمام المتزايد بدراسة التفاعل الاجتماعي من منظور يركز على التفاصيل اليومية التي تبدو عادية، لكنها تكشف الكثير عن طريقة عمل المجتمع.
ويستند شلمان إلى الإرث الفكري لإرفينغ غوفمان، خاصة فكرته الشهيرة عن الحياة الاجتماعية باعتبارها نوعا من الأداء الذي يقدم فيه الإنسان نفسه أمام جمهور.
لكن المجتمع تغير بصورة كبيرة منذ ظهور أعمال غوفمان الأولى.
ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي، وانتشرت المؤسسات الحديثة، وتغيرت طبيعة العمل، وأصبحت العلاقات الاجتماعية تمتد من الواقع إلى الفضاء الرقمي.
ولهذا يحاول الكتاب إعادة النظر في مفاهيم تقديم الذات وإدارة الانطباع من خلال الحياة الاجتماعية المعاصرة.
فالإنسان اليوم لا يختار فقط كيف يتصرف في موقف مباشر، وإنما يستطيع أيضا أن يختار الصورة التي يريد أن يعرضها عن نفسه على الإنترنت، وفي العمل، وفي العلاقات العامة، وفي المساحات الاجتماعية المختلفة.
أهم الأفكار في الكتاب:

الهوية الاجتماعية تتشكل أثناء التفاعل.
الإنسان لا يقدم نفسه في فراغ، وإنما تتشكل صورته من خلال علاقته بالآخرين.
فالصورة التي يراها الإنسان عن نفسه قد تختلف عن الصورة التي يراها الآخرون، وبين الصورتين يحدث التفاعل الاجتماعي.

كل موقف اجتماعي يفرض قواعده.
هناك سلوك مناسب لمقابلة العمل، وسلوك آخر للقاء الأصدقاء، وطريقة مختلفة للحديث في اجتماع رسمي.
والقدرة على فهم هذه الاختلافات تساعد الإنسان على التعامل بصورة أكثر نجاحا مع المواقف اليومية.

إدارة الانطباع جزء من التواصل.
عندما يختار الإنسان ملابسه، أو طريقة حديثه، أو الكلمات التي يستخدمها، أو المعلومات التي يشاركها، فهو يساهم في تشكيل الانطباع الذي يتركه لدى الآخرين.
وقد تحدث هذه العملية بوعي كامل أو بصورة تلقائية.

الجمهور يؤثر في طريقة تقديم الذات.
لا يقدم الإنسان نفسه بالطريقة نفسها أمام جميع الناس.
فالشخص الذي يعرف أن مديره موجود في الغرفة قد يختار كلمات مختلفة عن تلك التي يستخدمها مع صديق مقرب.
وبالتالي فإن الجمهور ليس مجرد متلق للصورة، وإنما عنصر أساسي في تشكيلها.

العمل من أهم مساحات تقديم الذات.
في المؤسسات، لا يتم تقييم الموظف بناء على ما ينجزه فقط، بل قد يتأثر التقييم أيضا بالطريقة التي يظهر بها أمام المديرين والزملاء والعملاء.
طريقة الحديث، والالتزام، والحضور، والقدرة على إدارة الحوار، كلها تشارك في صناعة الصورة المهنية.

المؤسسات نفسها تقدم صورة عن ذاتها.
كما يقدم الفرد نفسه أمام الآخرين، تقدم المؤسسة نفسها أمام العملاء والمجتمع والموظفين.
المبنى، والزي، والشعارات، وطريقة استقبال الجمهور، وأسلوب التواصل، كلها عناصر تساهم في تشكيل هوية المؤسسة.

الحياة الرقمية أضافت مسرحا جديدا.
أصبح الإنسان قادرا على اختيار صوره، وكتاباته، ومقاطع الفيديو التي تظهر للآخرين.
وبذلك لم يعد تقديم الذات مرتبطا بالمواجهة المباشرة فقط، وإنما أصبح جزءا من الحياة الرقمية.

التقديم المستمر للذات قد يتحول إلى ضغط.
عندما يشعر الإنسان بأنه مطالب دائما بالحفاظ على صورة مثالية، فقد تتحول إدارة الانطباع من مهارة اجتماعية إلى عبء نفسي واجتماعي.
ولهذا فإن التوازن بين الصورة التي نقدمها والحياة التي نعيشها يمثل تحديا مهما في المجتمع الحديث.

خلاصة الكتاب في نقاط:
الإنسان يقدم نفسه بصورة مختلفة بحسب الموقف.
الهوية الاجتماعية تتشكل من خلال التفاعل.
الجمهور يؤثر في طريقة تقديم الذات.
إدارة الانطباع جزء من الحياة اليومية.
مكان العمل مساحة مهمة لصناعة الصورة المهنية.
المؤسسات تقدم صورا عن نفسها مثل الأفراد.
اللغة والمظهر والسلوك أدوات لتقديم الذات.
وسائل التواصل الاجتماعي وسعت مساحة تقديم الذات.
العمل الرقمي جعل الحدود بين الخاص والمهني أكثر تعقيدا.
الصورة الاجتماعية لا تنفصل عن العلاقات مع الآخرين.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب طلاب علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي والعلوم الإنسانية، كما يناسب العاملين في الإدارة والموارد البشرية والإعلام والعلاقات العامة والتسويق.
ويهم أيضا المديرين والموظفين وكل من يتعامل بصورة مستمرة مع الجمهور.
أما المهتمون بوسائل التواصل الاجتماعي، فقد يجدون في أفكار الكتاب مدخلا مهما لفهم الطريقة التي يصنع بها الأشخاص صورهم الرقمية، ولماذا تختلف الصورة المنشورة على الإنترنت عن السلوك في الحياة اليومية.
نقاط القوة:
من أهم نقاط قوة الكتاب قدرته على ربط المفاهيم السوسيولوجية بالحياة اليومية.
فبدلا من التعامل مع التفاعل الاجتماعي باعتباره موضوعا مجردا، يمكن للقارئ أن يرى الأفكار في مواقف يعيشها كل يوم.
كما أن استكمال أفكار غوفمان داخل سياق اجتماعي معاصر يمنح الكتاب أهمية خاصة، لأنه يطرح أسئلة حول كيفية تغير تقديم الذات مع تغير التكنولوجيا والعمل والثقافة.
ومن نقاط القوة أيضا أن مفهوم إدارة الانطباع يمكن تطبيقه على مجموعة واسعة من المواقف، بداية من مقابلات العمل وحتى العلاقات الشخصية ووسائل التواصل الاجتماعي.
نقاط الضعف إن وجدت:
قد يبدو التركيز على تقديم الذات وإدارة الانطباع وكأنه يضع كل السلوك الإنساني داخل إطار الأداء الاجتماعي.
لكن الإنسان لا يتحرك دائما من أجل صناعة صورة معينة، فقد يتصرف بدافع العاطفة أو العادة أو القيم أو الظروف المفاجئة.
كما أن التفاعل الاجتماعي لا يمكن تفسيره بعيدا عن عوامل أخرى مثل السلطة والثقافة والاقتصاد والتاريخ الشخصي.
ولهذا يجب النظر إلى مفاهيم الكتاب باعتبارها أدوات تساعد على فهم جانب من السلوك الاجتماعي، وليس تفسيرا شاملا لكل أفعال الإنسان.
ملاحظات يمكن مناقشتها:
ربما أصبحت فكرة تقديم الذات أكثر أهمية في عصر وسائل التواصل الاجتماعي.
ففي الحياة التقليدية، كان الإنسان يقدم نفسه في أماكن محددة، ويمكنه الانتقال من دور إلى آخر بمجرد مغادرة المكان.
أما اليوم، فإن الصورة الشخصية يمكن أن ترافق الإنسان طوال الوقت.
الحساب الشخصي قد يصبح جزءا من الهوية الاجتماعية.
الصورة الشخصية يمكن أن تتحول إلى علامة على المكانة.
المنشور قد يقدم صورة عن القيم والأفكار.
والفيديو قد يعرض أسلوب حياة يريد صاحبه أن يراه الآخرون.
لكن المشكلة تظهر عندما تصبح الصورة الرقمية أكثر أهمية من التجربة الحقيقية.
قد يبدأ الإنسان في اختيار ما يفعله بناء على كيفية ظهوره أمام الآخرين، بدلا من أن يختار ما يناسبه بالفعل.
وهنا يتحول تقديم الذات من وسيلة للتواصل إلى عملية مستمرة لإدارة الجمهور.
وفي بيئة العمل، تزداد المسألة تعقيدا.
فالموظف قد يستخدم البريد الإلكتروني، ومنصات التواصل المهني، والاجتماعات الافتراضية، والحسابات الشخصية، وكلها يمكن أن تؤثر في صورته أمام الآخرين.
وهكذا أصبح الإنسان يعمل في مسرح متعدد المساحات، بعضها واقعي وبعضها رقمي.
السؤال الذي يطرحه هذا الواقع هو:
هل نستطيع أن نقدم أنفسنا للآخرين دون أن نصبح أسرى للصورة التي نصنعها؟
ربما تكون الإجابة في القدرة على تحقيق توازن بين الوعي بالصورة الاجتماعية وبين الحفاظ على مساحة شخصية لا تخضع دائما لنظرات الآخرين.
الكلمة الأخيرة:
يضعنا الكتاب أمام حقيقة بسيطة لكنها عميقة:
الإنسان لا يعيش وحده، ولذلك لا يستطيع أن ينفصل تماما عن نظرة الآخرين إليه.
نحن نتحدث بطريقة معينة لأن هناك من يستمع.
ونرتدي ملابس معينة لأن هناك من يرانا.
ونختار كلماتنا لأننا نعرف أن لها تأثيرا.
ونقدم جزءا من حياتنا للآخرين ونحتفظ بأجزاء أخرى لأنفسنا.
هذه العملية ليست بالضرورة تصنعا، بل يمكن أن تكون جزءا طبيعيا من الحياة الاجتماعية.
لكن التحدي الحقيقي يبدأ عندما يصبح الإنسان مشغولا بصورة الآخرين عنه أكثر من انشغاله بما يريد أن يكونه فعلا.
وهنا تصبح دراسة تقديم الذات وسيلة لفهم المجتمع، لكنها تصبح أيضا وسيلة لفهم أنفسنا.
فمن خلال مراقبة الطريقة التي نتصرف بها أمام الآخرين، يمكن أن نكتشف الكثير عن القيم التي نؤمن بها، والصور التي نحاول الحفاظ عليها، والأدوار التي اخترناها أو فرضتها علينا الحياة.
عندما تطوي الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، حيث تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها وربطها بالواقع، دون إعادة إنتاج النص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأساسي لمن أراد التعمق في أفكاره.

 

بيئة العمل:
يتضمن الكتاب فصلا بعنوان Workplaces as Stages، يناقش فيه شلمان بيئة العمل باعتبارها مساحة للتفاعل والأداء الاجتماعي، ويتناول موضوعات مثل فرق العمل والاجتماعات والعمل العاطفي والمؤسسات شديدة التنظيم.
عن المؤلف:
ديفيد شلمان عالم اجتماع يهتم بالتفاعل الرمزي وإدارة الانطباع والخداع داخل المؤسسات وبيئة العمل، وله أعمال بحثية في مجال علم الاجتماع التنظيمي ودراسة السلوك داخل المؤسسات.
العلاقة بإرفينغ غوفمان:
يرتبط الكتاب بصورة مباشرة بأفكار إرفينغ غوفمان حول تقديم الذات والتفاعل الاجتماعي، لكنه ليس كتابا من تأليف غوفمان.
أما العمل الأشهر لغوفمان في هذا المجال فهو The Presentation of Self in Everyday Life، الذي صدر في نسخته الأولى عام 1956، وأصبح من الأعمال الأساسية في دراسة التفاعل الاجتماعي وإدارة الانطباع

حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: تقديم الذات في الحياة الاجتماعية المعاصرة
العنوان الإنجليزي: The Presentation of Self in Contemporary Social Life
المؤلف: ديفيد هـ. ب. شلمان — David H. P. Shulman
الناشر: SAGE Publications
سنة النشر: 2016
عدد الصفحات: 312 صفحة
ISBN-13: 9781483319438
ISBN-10: 1483319431
اللغة الأصلية: الإنجليزية
المجال: علم الاجتماع والتفاعل الاجتماعي
أبرز الموضوعات:
تقديم الذات
إدارة الانطباع
التفاعل الاجتماعي
الأدوار الاجتماعية
الحياة المهنية
المؤسسات
العمل العاطفي
الإنترنت والثقافة المعاصرة

 

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *