قراءة في كتاب «الفيل في غرفة الاجتماعات»

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة. هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وصياغة بشرية، تناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

الفكرة الرئيسية

يبحث إدجار شاين في ظاهرة تظهر داخل المؤسسات دون أن تجد طريقها إلى النقاش الرسمي. هناك مشكلات يعرفها العاملون، لكنهم يتجنبون الحديث عنها. وقد تكون مرتبطة بالخوف، أو السلطة، أو الثقافة التنظيمية، أو أخطاء الإدارة.

الفكرة الأساسية أن المؤسسة قد تمتلك الاجتماعات واللوائح وقنوات الاتصال، لكنها تظل عاجزة عن مناقشة بعض القضايا التي تؤثر في أدائها. هذا هو “الفيل” الذي يعرف الجميع وجوده، لكنهم يتصرفون كأنه غير موجود.

لماذا كُتب هذا الكتاب؟

يرتبط الكتاب باهتمام شاين الطويل بثقافة المؤسسات والقيادة والتغيير التنظيمي. فالمشكلة التي يناقشها لا تتعلق بغياب المعلومات بالضرورة، وإنما بطريقة تعامل المؤسسة مع المعلومات غير المريحة.

قد يعرف المدير أن هناك موظفًا يخشى الحديث، أو أن قرارًا إداريًا فشل، أو أن ثقافة معينة تمنع الابتكار، لكن الاعتراف بالمشكلة قد يهدد صورة الإدارة أو يفتح بابًا للصراع.

لذلك يصبح الصمت أحيانًا جزءًا من النظام الإداري نفسه.

أهم الأفكار في الكتاب

ينطلق شاين من مفهوم الثقافة التنظيمية. فالمؤسسة لا تعمل وفق اللوائح الرسمية فقط، وإنما تحكمها أيضًا مجموعة من القواعد غير المكتوبة التي يتعلمها العاملون مع الوقت.

يعرف الموظف متى يتحدث، ومن يمكنه الاعتراض عليه، وما الموضوعات التي لا يفضل الاقتراب منها، ومن يملك القدرة على التأثير في القرار.

هذه القواعد قد لا تظهر في دليل الموظفين، لكنها قد تكون أقوى من التعليمات الرسمية.

وهنا تظهر علاقة الثقافة بالسلطة. عندما يشعر العاملون أن التعبير عن رأي مخالف قد يؤدي إلى خسارة فرصة أو صدام مع الإدارة، فإنهم يبدأون في مراقبة كلامهم. ومع تكرار هذه التجربة يصبح الصمت عادة.

المشكلة أن المدير قد يفسر غياب الاعتراض باعتباره اتفاقًا. لكن عدم اعتراض الموظفين لا يعني بالضرورة أنهم مقتنعون بالقرار. قد يعني أنهم لا يرون فائدة من الاعتراض.

ومن هنا يلفت الكتاب إلى خطورة المعلومات التي لا تصل إلى صانع القرار. فالإدارة التي تسمع فقط ما تريد سماعه تعيش داخل صورة ناقصة عن مؤسستها.

ويزداد الأمر تعقيدًا عندما يرتبط “الفيل” بشخص صاحب نفوذ. قد يكون المدير نفسه جزءًا من المشكلة، وقد تكون هناك شخصية قوية تؤثر في القرارات، لكن العاملين يتجنبون الإشارة إلى ذلك.

في هذه الحالة لا تصبح المشكلة فردية فقط، بل تتحول إلى مشكلة ثقافية. المؤسسة تتعلم كيف تتعايش مع الخلل بدلًا من مواجهته.

ويربط شاين بين القدرة على طرح الأسئلة وبين التعلم التنظيمي. المؤسسة التي لا تسمح بمناقشة الأخطاء لن تتعلم منها بسهولة.

وهنا يمكن التمييز بين مؤسستين. الأولى تنظر إلى الخطأ باعتباره تهديدًا يجب إخفاؤه، والثانية تنظر إليه باعتباره معلومة تساعدها على تحسين طريقة العمل.

لكن الانتقال من النموذج الأول إلى الثاني ليس قرارًا إداريًا بسيطًا. يحتاج إلى تغيير في العلاقة بين القيادة والعاملين.

ويظهر دور القيادة في خلق مناخ يسمح بالحديث عن المشكلات دون تحويل النقاش إلى محاكمة للأشخاص. عندما يعترف المدير بأنه لا يمتلك كل الإجابات، فإنه يرسل إشارة إلى الفريق بأن طرح الأسئلة ليس علامة ضعف.

لكن شاين لا يجعل المشكلة مسؤولية المدير وحده. الموظفون أيضًا جزء من الثقافة. فإذا اعتاد الجميع الصمت، يصبح الصمت آلية تحمي المؤسسة ظاهريًا، لكنها تمنعها من اكتشاف المشكلات.

وهنا تبرز أهمية الحوار الحقيقي. الاجتماع الإداري قد يكون مليئًا بالكلمات، لكنه لا يكون بالضرورة مساحة للحوار. يمكن أن يتحدث الجميع دون أن يناقش أحد القضية التي يعرفها الجميع.

لذلك فإن السؤال الأهم ليس كم اجتماعًا تعقد المؤسسة، بل ماذا يستطيع الموظف أن يقول داخل الاجتماع؟

وهذه الفكرة تتصل مباشرة بالابتكار. الابتكار يحتاج إلى مخالفة بعض الأفكار القائمة، ومناقشة القرارات، وتجربة حلول مختلفة. وإذا أصبحت الثقافة التنظيمية تعاقب الاختلاف، فإن الابتكار يتراجع حتى لو رفعت المؤسسة شعارات تشجعه.

كما أن وجود “فيل” داخل غرفة الاجتماعات قد يكون مؤشرًا على مشكلة أكبر. فالقضية التي يخشى الجميع مناقشتها قد تكشف خللًا في توزيع السلطة، أو ضعفًا في الثقة، أو اعتمادًا على شخصية واحدة في اتخاذ القرار.

ومن هنا تصبح مواجهة الفيل اختبارًا للقيادة. هل تريد الإدارة سماع الحقيقة، أم تريد سماع ما يحافظ على الصورة التي رسمتها عن المؤسسة؟

هذه الفكرة تجعل الكتاب مناسبًا للمدير والموظف في الوقت نفسه. المدير يحتاج إلى معرفة ما لا يسمعه، والموظف يحتاج إلى إدراك أن الصمت المستمر قد يحميه في موقف قصير، لكنه قد يترك المشكلة تتوسع.

وفي النهاية، لا يقدم شاين وصفة سريعة لإزالة كل المشكلات الخفية. لكنه يوضح أن المؤسسة الصحية تحتاج إلى قدرة مستمرة على اكتشاف ما لا تريد سماعه، ثم تحويله إلى موضوع يمكن مناقشته واتخاذ قرار بشأنه.

خلاصة الكتاب في نقاط

  1. بعض المشكلات داخل المؤسسات تكون معروفة للجميع، لكنهم يتجنبون مناقشتها.
  2. الثقافة التنظيمية تحدد ما يستطيع الموظفون قوله بقدر ما تحدد طريقة العمل.
  3. الصمت لا يعني الاتفاق، وقد يكون نتيجة الخوف أو ضعف الثقة.
  4. الإدارة التي لا تسمع المعلومات غير المريحة قد تتخذ قرارات على أساس صورة ناقصة.
  5. مواجهة المشكلات تحتاج إلى بيئة تسمح بالاختلاف وطرح الأسئلة.
  6. التعامل مع الأخطاء باعتبارها مصادر للتعلم يساعد المؤسسة على التطور.
  7. القيادة تتحمل مسؤولية كبيرة في تحديد ما إذا كان الحوار داخل المؤسسة حقيقيًا أم شكليًا.
  8. تجاهل المشكلات لا يلغيها، بل يسمح لها بالتأثير في المؤسسة من موقع غير معلن.

لمن يناسب هذا الكتاب؟

يناسب الكتاب المديرين وأعضاء مجالس الإدارة وقادة فرق العمل ومسؤولي الموارد البشرية والاستشاريين التنظيميين.

كما يفيد الموظف الذي يريد فهم الأسباب التي تجعل بعض المشكلات تستمر رغم معرفة العاملين بها.

ويمكن للصحفي المهتم بالشأن الاقتصادي والإداري الاستفادة من أفكار الكتاب عند تحليل أسباب فشل المؤسسات، لأن بعض الأزمات لا تبدأ بقرار خاطئ واحد، وإنما بثقافة تمنع ظهور المعلومات التي كان يمكن أن تمنع القرار.

نقاط القوة

من نقاط قوة الكتاب أنه ينقل النقاش من الأخطاء الظاهرة إلى الأسباب التي تجعل المؤسسة غير قادرة على الحديث عنها.

كما يلفت الانتباه إلى الدور الذي تلعبه الثقافة التنظيمية في تشكيل سلوك العاملين، بدلًا من تفسير كل مشكلة باعتبارها خطأ فرديًا.

ويقدم أيضًا تصورًا مهمًا للقيادة. المدير لا يحتاج فقط إلى إعطاء التعليمات، وإنما يحتاج إلى خلق مساحة يستطيع فيها العاملون تقديم معلومات قد لا يرغب في سماعها.

وتكمن قيمة الفكرة في قابليتها للتطبيق على المؤسسات الصغيرة والكبيرة، لأن الخوف من السلطة والصمت التنظيمي لا يرتبطان بحجم المؤسسة وحده.

نقاط تجاهلها الكتاب

يمكن مناقشة مدى قدرة الحوار وحده على حل المشكلات التنظيمية. فقد يتحدث الموظفون بصراحة، لكن الإدارة قد لا تمتلك الإرادة أو الموارد أو الصلاحيات اللازمة لمعالجة ما يسمعونه.

كما أن بعض المشكلات قد ترتبط بمصالح اقتصادية أو صراعات على السلطة، وليس فقط بضعف التواصل.

وتختلف قدرة الموظفين على مواجهة المشكلات من شخص إلى آخر. فالموظف الذي يمتلك حماية وظيفية أو موقعًا قويًا يستطيع الاعتراض بسهولة أكبر من موظف يخشى فقدان مصدر دخله.

لذلك فإن بناء ثقافة تسمح بالحديث يحتاج إلى إجراءات تحمي الموظف، وليس إلى دعوته للكلام فقط.

ملاحظات يمكن مناقشتها

يطرح الكتاب سؤالًا يمكن تطبيقه على أي مؤسسة: ما الموضوع الذي يعرفه الجميع ولا يتحدث عنه أحد؟

قد يكون مديرًا لا يحقق النتائج المطلوبة، أو قرارًا يعرف العاملون أنه فشل، أو نظامًا إداريًا يسبب خسائر، أو علاقة غير صحية بين أحد المسؤولين وفريقه.

السؤال الأصعب هو لماذا يستمر هذا الوضع؟

قد يكون السبب الخوف، وقد يكون الاعتياد، وقد يكون اعتقاد الموظفين بأن شيئًا لن يتغير حتى لو تحدثوا.

وهنا تظهر مسؤولية الإدارة. فتح باب الحديث لا يكفي إذا كانت كل محاولة للاعتراض تنتهي بعقوبة أو تجاهل.

كما أن الاجتماعات نفسها تحتاج إلى مراجعة. هل يشارك الموظفون في صنع القرار، أم يحضرون فقط للاستماع إلى قرارات اتُخذت مسبقًا؟

يمكن قياس صحة الثقافة التنظيمية من خلال نوع الأسئلة التي يسمح بها الاجتماع، وليس عدد الحاضرين أو مدة الاجتماع.

وتزداد أهمية هذه القضية في المؤسسات الإعلامية والاقتصادية والسياسية، لأن تأخر وصول المعلومات قد يؤدي إلى قرارات لها آثار تتجاوز المؤسسة نفسها.

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية. وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: The Elephant in the Boardroom: How Leaders Use and Manage Organizational Culture

المؤلف: Edgar H. Schein

دار النشر: Jossey-Bass

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: تختلف بياناتها حسب الإصدار

سنة النشر: 2011

عدد الصفحات: يختلف بحسب الطبعة

رقم الإيداع:

ISBN: 9780230229532

وتختلف أرقامه بحسب الطبعة والإصدار.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *