غير سؤالك تتغير اجابتك

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تجعلك تشك في الطريقة التي كنت تفكر بها أصلًا وهذا واحد من الكتب التي تحاول أن تفعل ذلك ببساطة شديدة الفكرة ليست أن تصبح عبقريًا خارقًا وإنما أن تتعلم كيف تنظر إلى المشكلة من زاوية مختلفة قبل أن تندفع إلى تقديم الحل

 

ما يتناوله الكاتب

العقل البشري يحب الحلول السريعة لأنه لا يحب البقاء طويلًا أمام سؤال مفتوح ولذلك نضع افتراضًا ونبني عليه ثم نبحث عن الأدلة التي تؤكده ونشعر بعدها أننا فهمنا المشكلة بينما قد نكون قد أخطأنا في تحديدها من الأساس التفكير المختلف يبدأ بخطوة أكثر تواضعًا وهي الاعتراف بأنك لا تعرف وأن هذه الجملة التي تبدو بسيطة قد تكون واحدة من أصعب الجمل التي يمكن أن يقولها الإنسان لأنها تفتح الباب أمام البحث بدل أن تغلقه بإجابة جاهزة

تحديد المشكلة يصبح أهم من محاولة حلها لأن السؤال الخاطئ يمكن أن يقود إلى إجابة ممتازة لا قيمة لها حين تكون المشكلة الأصلية مختلفة تمامًا إعادة صياغة السؤال قد تغير النتيجة كلها فإذا تعاملت مع ضعف التحصيل الدراسي باعتباره مشكلة كسل عند الطلاب ستبحث عن عقوبات وحوافز وإذا رأيته باعتباره مشكلة في طريقة التعلم أو البيئة المحيطة أو المعلومات المتاحة للمعلم والطالب فستبدأ في تجربة حلول أخرى وهنا يظهر الفرق بين الشخص الذي يريد إثبات رأيه والشخص الذي يريد معرفة ما الذي يحدث فعلًا

التفكير كأنك غريب يعني أن تبتعد قليلًا عن المعتقدات التي اعتدت عليها وأن تنظر إلى العالم كما لو أنك تراه للمرة الأولى هذه المسافة الصغيرة تسمح لك بملاحظة أشياء تختفي عادة بسبب الاعتياد فالشيء الذي يبدو طبيعيًا لمجرد أننا اعتدنا وجوده قد يكون قابلًا للتغيير أكثر مما نتخيل والمشكلة التي تبدو مستحيلة قد تكون نتيجة مجموعة افتراضات لم يسأل أحد عن صحتها

الأطفال يقدمون نموذجًا مثيرًا لهذه الطريقة لأن الطفل لا يخجل من السؤال ولا يشعر أن السؤال البسيط أقل قيمة من السؤال المعقد هو يسأل لماذا مرة وراء مرة حتى يصل إلى أصل الفكرة بينما يتوقف البالغ غالبًا عند أول إجابة تبدو مقنعة التفكير الجيد يحتاج إلى استعادة جزء من هذه الجرأة دون التخلي عن الأدلة فالفضول وحده لا يكفي لكن الفضول المدعوم بالتجربة يمكن أن يحول السؤال الغريب إلى اكتشاف مفيد

التجربة تصبح أداة مركزية لأن الإنسان كثيرًا ما يخلط بين الاعتقاد والواقع وقد يكون مقتنعًا بأن شيئًا ما يعمل بينما لا يملك دليلًا حقيقيًا على ذلك التجربة الصغيرة المصممة جيدًا تستطيع أحيانًا أن تكشف الحقيقة أكثر من نقاش طويل بين أشخاص يملكون آراء قوية وهنا تظهر قيمة التجارب العشوائية والمقارنة بين النتائج لأن الهدف ليس أن تثبت أنك كنت على حق بل أن تعرف ماذا يحدث عندما تغير عاملًا معينًا وتترك بقية العوامل قدر الإمكان دون تغيير

السببية تحتاج إلى حذر خاص لأن حدوث شيئين معًا لا يعني أن أحدهما تسبب في الآخر قد يرتفع معدل أمرين في الوقت نفسه بينما يكون السبب الحقيقي عاملًا ثالثًا يؤثر فيهما معًا وهذه الفكرة تبدو بسيطة لكنها تغير طريقة قراءة الأخبار والدراسات والإحصاءات فالعلاقة بين رقمين لا تعني بالضرورة وجود علاقة سببية بينهما ولذلك يصبح السؤال الحقيقي ماذا سيحدث لو غيرنا العامل الأول بينما أبقينا العوامل الأخرى قريبة من وضعها الأصلي

البيانات لا تتحدث وحدها كما نحب أن نتخيل بل تحتاج إلى سؤال جيد وطريقة صحيحة في جمعها وقراءتها وقد تكون الأرقام صحيحة تمامًا لكنها تستخدم للإجابة عن سؤال مختلف ولهذا لا يكفي أن تقول إن لديك بيانات كثيرة الأهم أن تعرف ما الذي تستطيع البيانات إخبارك به وما الذي لا تستطيع إخبارك به هذه الطريقة في التفكير تمنع الإنسان من الوقوع في فخ الأرقام المبهرة التي تبدو علمية لكنها قد تخفي وراءها استنتاجًا ضعيفًا

التواصل مع الآخرين يمثل تحديًا آخر لأن الناس لا يغيرون أفكارهم بسهولة لمجرد أنك قدمت لهم معلومات أكثر أحيانًا يؤدي الهجوم المباشر إلى جعل الطرف الآخر أكثر تمسكًا بموقفه ولذلك يحتاج الإقناع إلى فهم دوافع الشخص الذي أمامك ومعرفة ما الذي يهمه وما الذي يخشاه وما الذي يمكن أن يجعله مستعدًا لسماع فكرة مختلفة الإقناع الناجح لا يعني أن تجعل الآخر يشعر بأنه خسر وإنما أن تساعده على رؤية الفكرة بطريقة يستطيع قبولها دون أن يشعر أن هويته أو كرامته مهددة

العمل والحياة الشخصية أيضًا مليئان بالمشكلات التي تحتاج إلى هذه الطريقة فقرار الاستمرار في مشروع أو وظيفة أو علاقة لا ينبغي أن يعتمد فقط على الوقت والمال والمجهود الذي أنفقته سابقًا لأن الماضي لا يمكن استعادته مهما حاولنا الإنسان يميل إلى الاستمرار في الشيء لمجرد أنه استثمر فيه كثيرًا بينما التفكير الأكثر عقلانية يسأل ماذا كنت سأختار لو بدأت اليوم من الصفر وهذا السؤال يمكن أن يكون مؤلمًا لكنه أحيانًا ينقذ سنوات كاملة من الاستمرار في طريق لم يعد مناسبًا

الاستسلام نفسه يمكن أن يصبح قرارًا عقلانيًا وليس علامة ضعف لأن الموارد محدودة والوقت محدود والانتباه محدود وأحيانًا تكون أفضل خطوة هي التوقف عن محاولة إصلاح شيء لا يستحق المزيد من الموارد المشكلة أن المجتمع يمجد الاستمرار في كثير من الأحيان ويعامل التراجع كأنه هزيمة بينما يمكن أن يكون التراجع بعد ظهور معلومات جديدة علامة على التعلم وليس الفشل

الهدف من هذه الطريقة ليس تحويل الإنسان إلى آلة باردة تحسب كل شيء وإنما مساعدته على مقاومة بعض العادات العقلية التي تجعل قراراته أسوأ مما ينبغي التفكير المختلف يعني أن تسأل قبل أن تحكم وأن تختبر قبل أن تؤكد وأن تعترف بجهلك عندما لا تعرف وأن تبحث عن السبب بدل الاكتفاء بملاحظة النتيجة وأن تسمح للبيانات بتغيير رأيك بدل استخدام البيانات فقط للدفاع عن رأيك

الفكرة الأهم أن تغيير طريقة التفكير لا يحتاج إلى عقل جديد وإنما يحتاج إلى تدريب على استخدام العقل الموجود بطريقة مختلفة المشكلة قد لا تختفي بمجرد أن تنظر إليها من زاوية أخرى لكنك قد تكتشف أن المشكلة التي كنت تحاول حلها لم تكن هي المشكلة الحقيقية أصلًا وعندما تتغير الأسئلة تتغير الاحتمالات وتظهر حلول لم تكن موجودة في ذهنك لأنك كنت تبحث عنها في المكان الخطأ

الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى إجابة أسرع وإنما يحتاج أحيانًا إلى سؤال أفضل ولا يحتاج دائمًا إلى رأي أقوى وإنما يحتاج إلى استعداد أكبر لتغيير رأيه عندما تظهر الأدلة وهنا تصبح عبارة لا أعرف بداية وليست نهاية ويصبح الفضول أداة وليست مجرد صفة ويصبح التفكير الجيد قدرة على اكتشاف الخطأ قبل أن يتحول إلى قرار مكلف وربما تكون أغرب طريقة للتفكير هي أن تتوقف للحظة عن محاولة أن تبدو ذكيًا وتبدأ فعلًا في محاولة معرفة الحقيقة.

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان
Think Like a Freak
The Authors of Freakonomics Offer to Retrain Your Brain

الاسم بالعربية
فكر كأنك غريب

المؤلفان
ستيفن د ليفيت
ستيفن ج دوبنر

الناشر
William Morrow Paperbacks
وهو أحد أختام HarperCollins

بلد النشر
الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة
إعادة طبع ورقية Trade Paperback
First William Morrow Paperback Edition

سنة النشر
2015

تاريخ الإصدار
7 يوليو 2015

عدد الصفحات
304 صفحة بحسب بيانات الإصدار التجارية بينما تسجل بعض الفهارس عدد الصفحات الفعلي للنسخة الورقية بصيغة 286 صفحة دون احتساب الصفحات التمهيدية بالطريقة نفسها

ISBN 13
9780062218346

ISBN 10
0062218344

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *