تمهيد
ربما يكون أكثر الأسئلة خداعا في حياتنا هو ذلك السؤال الذي يبدو بسيطا: “هل أنت سعيد؟”، نسأل أنفسنا هذا السؤال وكأن السعادة مدينة بعيدة نحتاج إلى الوصول إليها، أو جائزة تنتظرنا في نهاية الطريق، أو شيئا سيأتي ذات يوم عندما تتحسن الظروف، ويزداد المال، وتختفي المشكلات، ونحصل على ما نريد، لكن ماذا لو كانت السعادة أقل ارتباطا بما نمتلكه، وأكثر ارتباطا بالطريقة التي نعيش بها ما نملك؟
من هذه المساحة الإنسانية يأتي كتاب «علاج السعادة.. كن أكثر سعادة في 31 يوما» للباحثة وعالمة النفس النرويجية راغنهيلد بانغ نيس، ليعيد النظر في واحدة من أكثر القضايا التي شغلت الإنسان منذ وجوده: كيف يمكن أن نحيا حياة أكثر سعادة ومعنى؟
لا تقدم نيس السعادة باعتبارها ابتسامة دائمة، ولا تدعو الإنسان إلى إنكار حزنه أو الهروب من مشكلاته، وإنما تحاول أن تنقل مفهوم السعادة من عالم الأمنيات إلى عالم الممارسة اليومية، فالكتاب يستند إلى سنوات طويلة من البحث في علم السعادة، وتحاول مؤلفته أن تحول نتائج الدراسات العلمية إلى أدوات يستطيع الإنسان استخدامها في حياته اليومية، وقد أمضت نيس أكثر من 16 عاما في دراسة السعادة، وتعمل عالمة نفس وباحثة في معهد الصحة العامة النرويجي وأستاذة مشاركة في قسم علم النفس بجامعة أوسلو.
ما الذي يتناوله الكتاب
الفكرة المركزية في الكتاب يمكن اختصارها في جملة واحدة: السعادة ليست مجرد شعور ننتظره، وإنما حياة نشارك في صناعتها.
وتنطلق نيس من أن التجارب الإيجابية لا تمنح الإنسان لحظات ممتعة فحسب، بل يمكن أن ترتبط أيضا بتحسين الصحة والعلاقات والصداقات وجودة الحياة، كما تساعد المشاعر الإيجابية على مواجهة آثار الضغوط والقلق، ولهذا تحاول المؤلفة أن تجعل السعادة ممارسة يمكن تدريب النفس عليها، بدلا من التعامل معها باعتبارها حظا أو صدفة.
وتبني الكاتبة كتابها على 31 مرحلة، بحيث تتحول الرحلة إلى برنامج عملي يمتد أربعة أسابيع، ويضم نصائح وتمارين وأفكارا يمكن تطبيقها في الحياة اليومية، ومن بين موضوعاته: التعامل مع المستقبل، تحقيق التوازن، اللعب، صناعة الذكريات، وإفساح مساحة للتجارب الإيجابية.
لكن القيمة الأدبية والفكرية للكتاب لا تكمن في عدد الأيام، بل في الفكرة التي تقف خلفها، فالإنسان كثيرا ما ينتظر تغييرا كبيرا كي يشعر بأنه أفضل، بينما تقترح نيس أن التغيير قد يبدأ من أفعال صغيرة تبدو عادية في ظاهرها.
أن تنتبه إلى الأشياء التي تمنحك المتعة.
أن تستعيد علاقة أهملتها.
أن تصنع ذكرى جميلة.
أن تمنح نفسك وقتا للراحة.
أن تتحرك بدلا من الاستسلام للخمول.
أن تنظر إلى المستقبل دون أن تسمح له بسرقة الحاضر.
أن تعرف ما الذي يجعلك سعيدا بالفعل، لا ما يفترض الآخرون أنه يجعلك سعيدا.
وهنا تصبح السعادة نوعا من المعرفة الذاتية.
فالإنسان قد يقضي سنوات في جمع الأشياء التي يظن أنها ستجعله سعيدا، ثم يكتشف بعد امتلاكها أنها لم تكن الأشياء التي يحتاج إليها أصلا.
ومن الأفكار المهمة في الكتاب أن الإنسان لا يستطيع التحكم في كل ما يحدث له، لكنه يستطيع في كثير من الأحيان أن يؤثر في الطريقة التي يستجيب بها لما يحدث، الحياة ستحتوي دائما على الخسارة والضغط وخيبة الأمل، ولذلك فإن السعادة الواقعية ليست حياة بلا ألم، وإنما القدرة على إيجاد مساحات من المعنى والفرح حتى داخل حياة غير مثالية.
وهذا يجعل الكتاب مختلفا عن بعض كتب التنمية البشرية التي تبيع للقارئ صورة وردية للحياة.
نيس لا تقول إنك تستطيع أن تكون سعيدا طوال الوقت.
بل تقول بصورة أكثر إنسانية: يمكنك أن تزيد فرص السعادة في حياتك.
وهناك فرق هائل بين الفكرتين.
فالأولى قد تتحول إلى ضغط نفسي؛ لأن الإنسان سيشعر بأنه فشل عندما يحزن.
أما الثانية فتمنحه مساحة أوسع للتعامل مع الحياة كما هي.
السعادة بوصفها علاقة بالحياة
من أكثر الأفكار التي يمكن استخلاصها من الكتاب أن السعادة ليست نقطة وصول.
فالإنسان الذي يقول: “سأكون سعيدا عندما أنجح” يربط سعادته بشرط مستقبلي، وعندما ينجح، تظهر شروط جديدة: سأكون سعيدا عندما أكسب أكثر، أو عندما أتزوج، أو عندما أشتري منزلا، أو عندما يصل أولادي إلى النجاح.
وهكذا تتحول الحياة إلى سلسلة من “عندما.”
لكن الحياة لا تعيش في “عندما”.
إنها تعيش في الآن.
ومن هنا تبدو رحلة الأيام الـ31 أشبه بمحاولة لاستعادة الأشياء التي فقدناها وسط سرعة الحياة، فالكتاب يحاول أن يجعل الإنسان أكثر انتباها إلى مصادر السعادة الصغيرة التي قد تمر أمامه دون أن يراها.
كوب قهوة هادئ.
مكالمة مع شخص نحبه.
نزهة قصيرة.
ضحكة عفوية.
ذكرى قديمة.
وقت نخصصه لأنفسنا.
لحظة لا نفعل فيها شيئا سوى أن نكون موجودين.
هذه الأشياء تبدو صغيرة أمام أحلام الإنسان الكبرى، لكنها قد تكون في الحقيقة المادة الخام التي تتكون منها الحياة.
الرؤية التحليلية: يمكن تحليل الكتاب باعتباره محاولة للجمع بين علم النفس والتنمية الذاتية، فبدلا من تقديم السعادة كفكرة فلسفية مجردة، تحاول نيس ترجمة نتائج أبحاث السعادة إلى سلوكيات وتمارين يومية، وهذا يمنح الكتاب ميزة مهمة، لأنه لا يكتفي بأن يقول للقارئ “كن إيجابيا”، وإنما يحاول أن يضع أمامه مجموعة من الخطوات التي يمكن اختبارها في حياته.
وتبرز أهمية هذا المنهج في أن السعادة هنا ليست منفصلة عن الصحة والعلاقات والمعنى، فالإنسان ليس عقلا يعيش منفصلا عن جسده ومجتمعه، وإنما شبكة من العلاقات والتجارب والعادات، ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره دعوة لإعادة ترتيب الحياة، لا مجرد البحث عن لحظات فرح.
فالهدف ليس أن يضحك الإنسان أكثر فقط، وإنما أن يسأل:
ما الذي يجعل حياتي جديرة بأن تعاش؟
من الأشخاص الذين يجعلونني أفضل؟
كيف أتعامل مع المستقبل؟
هل أعيش وفقا لما أريده فعلا، أم وفقا لما يتوقعه الآخرون مني؟
وهنا يتحول مفهوم السعادة من شعور عابر إلى مشروع شخصي طويل الأمد.
الرؤية النقدية: ومع قوة هذه الرؤية، فإن الكتاب لا يخلو من مساحة تستحق النقد.
ففكرة “علاج السعادة” قد تبدو جذابة، لكنها تحمل خطرا لغويا وفكريا إذا فُهمت باعتبار السعادة حالة يمكن علاجها مثل المرض، فالإنسان ليس آلة تحتاج إلى إعادة ضبط حتى تصبح سعيدة، والحياة ليست معادلة يمكن ضمان نتائجها بمجموعة من التمارين.
كما أن بعض النصائح التي تبدو قابلة للتطبيق على الجميع قد تتأثر بشدة بالظروف الفردية، فما يساعد شخصا على الشعور بالرضا قد لا يناسب شخصا آخر، لأن السعادة تتأثر بالشخصية والعلاقات والظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وهناك خطر آخر في أدبيات السعادة عموما، وهو تحميل الفرد مسؤولية شعوره بالسعادة بصورة أكبر مما ينبغي، فإذا أصبح الإنسان مقتنعا بأن السعادة نتيجة مباشرة لاختياراته، فقد يشعر بالذنب عندما يمر بالحزن أو الفشل، لكن قوة كتاب نيس تظهر عندما نقرأه باعتباره دليلا لزيادة فرص الرفاه والسعادة، وليس ضمانا للسعادة الدائمة، وهذا التفريق مهم جدا، فالإنسان ليس مطالبا بأن يكون سعيدا طوال الوقت، إنه مطالب بأن يعيش حياة يستطيع أن يجد فيها، رغم الألم، أسبابا للاستمرار والمعنى.
النهاية
ربما لا تنتهي رحلة السعادة في اليوم الحادي والثلاثين، وربما تكون هذه هي الفكرة الأجمل في الكتاب، فالـ31 يوما ليست نهاية الطريق، وإنما بداية لتغيير الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى حياته، بعد أن ينتهي البرنامج، سيظل هناك يوم سيئ، وخبر مؤلم، وخيبة، وموعد تأخر، وحلم لم يتحقق، وشخص قد يرحل، وأشياء كثيرة لن تسير كما نريد، لكن الإنسان الذي تعلم أن يرى النور في التفاصيل الصغيرة لن يعود هو الشخص نفسه، لقد اكتشف أن السعادة ليست بابا ندخل منه مرة واحدة.
إنها نوافذ.
نافذة في صباح هادئ.
نافذة في وجه إنسان نحبه.
نافذة في ذكرى جميلة.
نافذة في نجاح صغير.
نافذة في لحظة امتنان.
وربما تكون السعادة الحقيقية هي أن نعرف كيف نفتح هذه النوافذ وسط جدران الحياة.
لذلك فإن الرسالة الأعمق للكتاب ليست: “كن سعيدا”.
بل ربما تكون:
تعلم أن ترى ما يستحق أن يجعلك سعيدا.
فالإنسان قد لا يستطيع أن يختار كل ما يحدث له، لكنه يستطيع أحيانا أن يختار أين يوجه عينيه، وما الذي يمنحه اهتمامه، ومن يسمح له بأن يسكن قلبه، وما المعنى الذي يستخرجه من أيامه.
وعندما يفهم الإنسان ذلك، ربما يكتشف أن السعادة لم تكن بعيدة كما تصور.
كانت تمشي بجواره طوال الوقت.
لكنه كان مشغولا بالبحث عنها في مكان آخر.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
بيانات الكتاب
العنوان الأصلي: Lykkekuren – Bli lykkeligere på 31 dager .
العنوان الإنجليزي: The Happiness Cure: 31 Days to a Happier Life
العنوان العربي: “علاج السعادة.. كن أكثر سعادة في 31 يوما”.
المؤلفة: راغنهيلد بانغ نيس Ragnhild Bang Nes–
الجنسية: نرويجية.
المجال: علم النفس – السعادة – الرفاه النفسي – تطوير الذات.
الناشر Kagge Forlag:
سنة النشر: 2021.
اللغة الأصلية: النرويجية.
عدد الصفحات: نحو 230 صفحة، مع اختلاف عدد الصفحات بحسب بيانات الطبعة.
ISBN 9788248925330
بنية الكتاب: 31 فصلا وتمرينًا موزعة على برنامج يمتد أربعة أسابيع.







