تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
لقد اعتدنا عند الحديث عن ذوي الاحتياجات الخاصة، أن تذهب أفكارنا مباشرة إلى مفاهيم الرعاية والمساعدة والتأهيل، وكأن العلاقة بالمجتمع يجب أن تبدأ وتنتهي عند توفير الاحتياجات الأساسية.
ورغم ذلك يبدو أن هناك سؤالًا أكثر أهمية ربما لا نحاول طرحه بالقدر الكافي: ماذا لو نظرنا إلى الشخص ذي الإعاقة باعتباره صاحب قدرة يمكن تطويرها، وليس مجرد شخص يحتاج إلى المساعدة؟
وإنطلاقا من هذه الفكرة، نحاول من خلال هذه القراءة الصحفية التحليلية، نحاول إعادة تقديم أفكار الكتاب، ومناقشة ما وراءها، وربطها بقضية أوسع تتعلق بنظرتنا إلى الإعاقة ودور الرياضة في بناء الإنسان.
ينطلق كتاب”التربية البدنية والإعاقات الحركية لذوي الاحتياجات الخاصة”للكاتبتان”منى الأزهري ومنى أبو هشيمة”من رؤية واضحة مفادها أن التربية البدنية يمكن أن تكون جزءًا أساسيًا من رعاية وتأهيل الأشخاص ذوي الإعاقات الحركية، وأن النشاط الرياضي إذا تم تصميمه وفق قدرات الفرد واحتياجاته يمكن أن ينعكس على الجوانب البدنية والنفسية والعقلية والاجتماعية.
وهنا تكمن أهمية الفكرة؛ فالهدف ليس أن نجعل الشخص ذي الإعاقة يؤدي النشاط الرياضي بالطريقة نفسها التي يؤدي بها الشخص غير المعاق، وإنما أن نبحث عن الطريقة المناسبة التي تمكنه من ممارسة النشاط والاستفادة منه وفق إمكاناته.
أهمية الكتاب لا تأتي فقط من موضوعه الرياضي، وإنما من الطريقة التي يمكن أن يعيد بها تشكيل النظرة إلى ذوي الإعاقة، فالمشكلة في كثير من الأحيان لا تكون في الإعاقة نفسها بقدر ما تكون في البيئة المحيطة بها؛ عندما ننظر إلى الشخص باعتباره عاجزًا قبل أن نكتشف ما يستطيع القيام به، فإننا قد نضع أمامه حواجز إضافية لا علاقة لها بحالته الجسدية، ولذلك التربية البدنية وسيلة لاكتشاف الإمكانات بدلًا من التركيز على نقاط العجز.
الرياضة ليست رفاهية:
من أهم الرسائل التي يمكن استخلاصها من الكتاب أن النشاط البدني بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة لا ينبغي النظر إليه باعتباره نشاطًا ترفيهيًا ثانويًا يمكن الاستغناء عنه، فالرياضة يمكن أن تسهم في تطوير القدرات البدنية والحركية، كما يمكن أن يكون لها أثر نفسي واجتماعي مهم، بشرط أن تكون البرامج مناسبة ومدروسة.
لا توجد طريقة واحدة تناسب الجميع:
من الأفكار المهمة أن التعامل مع ذوي الإعاقات الحركية لا يمكن أن يقوم على نموذج واحد، فطبيعة الإعاقة ودرجتها وقدرات الشخص البدنية والحركية كلها عوامل يجب أخذها في الاعتبار عند تصميم النشاط أو البرنامج الرياضي.
الرياضة يمكن أن تعيد بناء الثقة بالنفس:
قد يكون أثر الرياضة أعمق من مجرد تحسين القدرة البدنية، فالإنسان عندما يكتشف أنه يستطيع إنجاز حركة أو ممارسة لعبة أو المشاركة في نشاط جماعي، فإنه يكتسب شيئًا يتجاوز المهارة نفسها؛ إنه يكتسب شعورًا بالقدرة، وهنا تتحول الرياضة من تمرين للجسد إلى رسالة نفسية تقول للفرد: أنت قادر على الإنجاز.
الدمج يبدأ من المشاركة:
المشاركة الرياضية الجماعية يمكن أن تكون واحدة من الأدوات التي تساعد على دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع، فالملعب يضع الجميع أمام تجربة مشتركة، ويخلق مساحة للتعاون والمنافسة والتواصل، ويكسر جزءًا من الحواجز النفسية التي قد تتكون نتيجة العزلة أو النظرة المجتمعية المختلفة.
الرياضات المعدلة تفتح أبوابًا جديدة:
لا تتوقف ممارسة الرياضة عند الألعاب بالشكل التقليدي، وإنما يمكن تعديل القواعد والأدوات وأساليب التدريب بما يتناسب مع قدرات الأشخاص ذوي الإعاقة، وهذا يعني أن الإعاقة لا يجب أن تكون سببًا لإغلاق باب الرياضة، وإنما دافعًا للبحث عن طريقة مختلفة لممارستها.
بعد القراءة التحليلة للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استندا عليها الكاتب وهي أن:
التربية البدنية جزء مهم من رعاية وتأهيل ذوي الإعاقة.
النشاط الرياضي يؤثر في الجسد والنفس والعلاقات الاجتماعية.
البرامج الرياضية يجب أن تراعي الفروق الفردية.
الرياضة تساعد على تعزيز الثقة بالنفس.
المشاركة الرياضية يمكن أن تدعم الدمج الاجتماعي.
الإعاقة لا تعني غياب القدرة على التعلم والتطور.
الرياضات المعدلة تتيح فرصًا أكبر للمشاركة.
الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:
يناسب الكتاب طلاب وأساتذة التربية الرياضية، والعاملين في مجال التربية الخاصة والتأهيل، والمدربين، وكذلك الأسر التي تتعامل مع أشخاص من ذوي الإعاقات الحركية، كما يمكن أن يكون مفيدًا لكل من يريد فهم العلاقة بين الرياضة والتأهيل بصورة أوسع، بعيدًا عن الصورة التقليدية التي تختزل الرياضة في المنافسة وتحقيق البطولات.
أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي:
من أبرز نقاط القوة أن الكتاب يجمع بين الجانب التربوي والجانب الرياضي، ولا يتعامل مع النشاط البدني باعتباره منفصلًا عن بقية جوانب حياة الإنسان.
كما أن أهمية الموضوع نفسه تمنح الكتاب قيمة خاصة في المكتبة العربية، خصوصًا أن مجال الرياضة المعدلة ورياضة الأشخاص ذوي الإعاقة يحتاج دائمًا إلى مزيد من المحتوى العلمي المتخصص.
ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:
مع أهمية الفكرة، فإن الحديث عن التربية البدنية لذوي الإعاقة يفتح الباب أمام سؤال أكبر من حدود الكتاب نفسه: هل المشكلة فعلًا في قلة البرامج الرياضية فقط، أم أن التحدي الأكبر يكمن في البيئة التي لا تزال غير مهيأة بصورة كافية لاستقبال الأشخاص ذوي الإعاقة ومشاركتهم؟
وهل نحتاج إلى تغيير نظرتنا إلى الرياضة بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة من وسيلة علاج إلى وسيلة لبناء الاستقلال والثقة والاندماج؟
وهل يمكن أن تكون المشكلة الحقيقية أحيانًا في البيئة المحيطة بالشخص ذي الإعاقة أكثر من الإعاقة نفسها؟
في النهاية ربما تكون الرسالة الأهم التي يمكن الخروج بها من هذا الكتاب أن الإنسان لا ينبغي أن يُختصر في إعاقته، فالجسد قد يفرض بعض الحدود، لكن هذه الحدود لا تعني بالضرورة نهاية القدرة على التعلم أو التطور أو المشاركة.
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان: “التربية البدنية والإعاقات الحركية لذوي الاحتياجات الخاصة”
المؤلف: “د. منى أحمد الأزهري ود. منى سامح أبو هشيمة”
دار النشر: مكتبة الأنجلو المصرية
بلد النشر: مصر
الطبعة: الطبعة الأولى
سنة النشر: 2010
عدد الصفحات: 188 صفحة
رقم الإيداع: 9789770526514







