دليل النجاة من الأشخاص السيئين

قراءة في كتاب
دليل النجاة من الأشخاص السيئين
The Asshole Survival Guide: How to Deal with People Who Treat You Like Dirt
المؤلف: روبرت آي. ساتون (Robert I. Sutton)
كل كتاب يبدأ من سؤال…
ماذا تفعل عندما يصبح شخص واحد قادرا على تحويل يومك الهادئ إلى سلسلة من التوتر والمواقف المزعجة؟
كيف تتعامل مع مدير يقلل منك باستمرار، أو زميل يتعمد إحراجك، أو شخص يستنزف طاقتك كلما اضطررت إلى التعامل معه؟
وهل الحل دائمًا هو المواجهة؟ أم أن هناك أحيانا طرقا أكثر ذكاء لحماية نفسك دون أن تدخل في معركة لا تنتهي؟
في كتاب “دليل النجاة من الأشخاص السيئين”، يواصل عالم الإدارة والأستاذ بجامعة ستانفورد روبرت آي. ساتون بحثه في تأثير السلوكيات المؤذية داخل بيئة العمل، لكنه ينتقل من سؤال المؤسسة إلى سؤال الفرد: كيف يستطيع الإنسان أن يحمي نفسه عندما يجد نفسه مضطرًا للتعامل مع شخص مؤذٍ؟
هذه القراءة تقدم عرضا تحليلا مستقلا لأفكار الكتاب، ولا تغني عن الرجوع إلى النسخة الأصلية الكاملة.
لماذا كتب هذا الكتاب؟
جاء الكتاب امتدادا طبيعيا لكتاب ساتون السابق “قاعدة لا للأشخاص السيئين”، لكن المؤلف هنا يركز بصورة أكبر على الإنسان الذي يجد نفسه بالفعل في مواجهة شخص صعب أو مؤذ، وليس على المؤسسة التي تحاول منع هذه السلوكيات.
فقد اكتشف ساتون من خلال تجارب القراء والموظفين الذين تواصلوا معه أن المشكلة ليست دائمًا في غياب القواعد، و إنما في أن بعض الناس لا يستطيعون ببساطة مغادرة الموقف.
قد يكون الشخص موظفا يحتاج إلى راتبه، أو مديرا مضطرا للتعامل مع رئيس أصعب منه، أو فردا يعمل ضمن فريق لا يستطيع اختيار أعضائه.
ومن هنا يطرح الكتاب فكرة واقعية: ليس بإمكاننا دائمًا التخلص من الأشخاص السيئين، ولذلك نحتاج إلى تعلم كيفية النجاة منهم.
والنجاة هنا لا تعني الاستسلام، وإنما تعني تقليل الضرر، وحماية الطاقة النفسية، والحفاظ على الكفاءة المهنية، وعدم السماح لشخص آخر بأن يسيطر على حياتنا بالكامل.
وأهم الأفكار التي يطرحها الكتاب
يبدأ ساتون من حقيقة بسيطة لكنها مهمة: ليس كل الأشخاص المؤذين متشابهين، وليس كل المواقف تستدعي الطريقة نفسها في التعامل.
فالشخص الذي يتصرف بسوء مرة واحدة يختلف عن الشخص الذي يمارس الإهانة بصورة مستمرة، والموقف الذي يمكن تجاوزه بسرعة يختلف عن بيئة عمل كاملة قائمة على التوتر.
ولهذا فإن أول خطوة في التعامل مع المشكلة هي فهم طبيعتها وحجمها، بدل اتخاذ قرار انفعالي سريع.
ومن الأفكار الأساسية في الكتاب أن المسافة قد تكون وسيلة للحماية.
فعندما يكون الشخص المؤذي موجودا في حياتنا بصورة لا يمكن تجنبها تمامًا، يمكن أحيانا تقليل مساحة الاحتكاك به: تقليل المحادثات غير الضرورية، والاعتماد على التواصل الواضح والمباشر، وتجنب الدخول في نقاشات جانبية لا تؤدي إلى نتيجة.
هذه المسافة لا تعني الضعف، بل يمكن أن تكون طريقة واعية لحماية النفس.
كما يناقش ساتون أهمية عدم منح الشخص المؤذي سلطة أكبر مما يملك.
فبعض الأشخاص ينجحون في السيطرة على الآخرين لأن الضحية تبدأ في التفكير فيهم طوال الوقت: ماذا سيقول؟ كيف سيتصرف؟ هل سيغضب؟ هل سيعرض؟
وبمرور الوقت يصبح الشخص موجودا في ذهننا حتى عندما لا يكون أمامنا.
ومن هنا تأتي أهمية الفصل بين السلوك الذي يحدث في الواقع وبين المساحة التي يحتلها هذا السلوك داخل أفكارنا.
ويؤكد الكتاب كذلك أهمية بناء شبكة دعم.
فالتعامل مع الشخص المؤذي يصبح أكثر صعوبة عندما يعتقد الإنسان أنه يواجه المشكلة وحده. وجود زميل موثوق، أو صديق، أو شخص لديه خبرة، يمكن أن يساعد في رؤية الموقف بصورة أكثر موضوعية.
كما أن الحديث مع الآخرين قد يكشف أن المشكلة ليست في الشخص الذي يتعرض للإهانة، إنما في نمط سلوكي متكرر يمارسه الشخص نفسه مع أكثر من فرد.
ومن الأفكار المهمة أيضًا ضرورة التمييز بين ما يمكن تغييره وما لا يمكن تغييره.
فقد يقضي الإنسان وقتا طويلا في محاولة تغيير شخصية شخص آخر، بينما لا يملك في الحقيقة السيطرة على ذلك.
يمكننا التحكم في ردود أفعالنا، و حدودنا، وطريقة تواصلنا، والقرارات التي يتخذها، لكننا لا نستطيع إجبار الآخرين على أن يصبحوا أشخاصا مختلفين.
وهذا الإدراك يوفر قدرا كبيرًا من الطاقة التي قد تضيع في محاولات غير واقعية.
ويتناول الكتاب كذلك فكرة اختيار المعارك.
ليس كل تعليق يحتاج إلى رد، وليس كل استفزاز يستحق المواجهة، وليس كل خلاف يجب أن يتحول إلى معركة شخصية.
وفي بعض المواقف قد يكون الرد الهادئ و المختصر أكثر فاعلية من الدخول في مواجهة طويلة.
أما عندما يصبح السلوك مكررا أو مؤذيا بدرجة كبيرة، فقد تكون المواجهة المنظمة ضرورية، خصوصًا إذا كان هناك تجاوز واضح للقواعد المهنية أو إساءة مستمرة.
ومن المحاور المهمة التي يركز عليها ساتون توثيق السلوكيات المؤذية، خصوصًا في بيئات العمل.
فبدل الاعتماد على عبارات عامة مثل “هو شخص سيئ”، يصبح من الأكثر فاعلية تسجيل الوقائع المحددة: ماذا حدث؟ متى حدث؟ من كان موجودا؟ وكيف أثر الموقف في العمل؟
ف الانتقال من الانطباعات إلى الوقائع يجعل التعامل مع المشكلة أكثر موضوعية، ويمنح الموظف أساسا أقوى إذا احتاج إلى اللجوء للإدارة أو الموارد البشرية.
كما يناقش الكتاب أهمية حماية احترام الإنسان لذاته.
ف التعرض المستمر للإهانة قد يجعل الشخص يبدأ تدريجيًا في تصديق الرسائل السلبية التي يسمعها عن نفسه.
وقد يبدأ الموظف في الشك في قدراته، أو يشعر أنه لا يستحق معاملة أفضل، أو يعتقد أن المشكلة فيه هو.
وهنا تأتي أهمية إدراك أن تكرار الإهانة لا يجعلها حقيقة.
فطريقة شخص آخر في التعامل معنا ليست بالضرورة انعكاسا لقيمتنا أو قدراتنا.
ويطرح ساتون أيضًا مفهوما مهما يتعلق بـ إعادة تفسير الموقف.
فبدل أن يرى الإنسان كل تصرف من الشخص المؤذي باعتباره حكما على شخصه، يمكنه أن ينظر إليه باعتباره تعبيرا عن شخصية الطرف الآخر أو طريقته في التعامل.
وهذا لا يلغي الضرر، لكنه يساعد على تقليل تأثيره النفسي.
ومن الأفكار اللافتة كذلك أن الفكاهة قد تكون وسيلة للتكيف.
ففي بعض المواقف، يمكن أن يساعد النظر إلى السلوك المزعج بدرجة من الفكاهة أو السخرية الداخلية على تخفيف أثره النفسي، طالما أن ذلك لا يتحول إلى استهانة بمشكلة حقيقية أو إلى استمرار في قبول الإساءة.
كما يدعو الكتاب إلى عدم السماح للشخص المؤذي بأن يجعلنا نتحول إلى نسخة منه.
فمن السهل أن يرد الإنسان على العدوان بالعدوان، وعلى الإهانة بالإهانة، ثم يجد نفسه جزءًا من دائرة سلوكية لا تنتهي.
والنجاة الحقيقية تتطلب الحفاظ على القيم الشخصية، حتى في وجود شخص يحاول دفعنا إلى التصرف بطريقة مختلفة.
ويتناول الكتاب كذلك الحالات التي يصبح فيها الرحيل هو الحل الأفضل.
فليس كل موقف يمكن إصلاحه، وليس كل مؤسسة تستحق أن نبقى فيها مهما كان الثمن.
إذا أصبحت البيئة مؤذية بصورة مستمرة، وفشلت محاولات الإصلاح، وكان الضرر أكبر من القدرة على التحمل، فإن البحث عن مكان آخر قد يكون قرارًا صحيا عمليا، وليس هروبا.
وهنا يقدم ساتون فكرة شديدة الواقعية: أحيانا لا تكون البطولة في تحمل الموقف إلى ما لا نهاية، وإنما في معرفة متى يجب أن نغادر.
يلخص هذا الكتاب بعض الأمور…
يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره دليلا عمليا لإدارة العلاقات الصعبة، خصوصًا عندما لا يكون الابتعاد الكامل ممكنا.
فهو لا يقدم حلا سحريا يجعل الأشخاص المؤذين يتغيرون، انما يركز على ما يستطيع الإنسان التحكم فيه: المسافة، والحدود، وطريقة التواصل، والدعم، وتوثيق الوقائع، واختيار المواجهات، أحيانا قرار الرحيل.
ومن أهم الرسائل التي يحملها الكتاب أن حماية النفس ليست أنانية.
فالإنسان الذي يحافظ على طاقته النفسية يصبح أكثر قدرة على العمل واتخاذ القرارات والتعامل مع الآخرين بطريقة متوازنة.
كما أن وضع الحدود لا يعني أن الشخص عدائي، إنما يعني أنه يعرف ما يقبله وما يرفضه.
ويؤكد الكتاب كذلك أن التعامل مع الشخص السيئ يحتاج إلى قدر من الذكاء العاطفي؛ لأن ردود الفعل الانفعالية قد تمنح الطرف الآخر مزيدا من القوة، بينما يساعد الهدوء على رؤية الخيارات المتاحة بصورة أوضح.
وفي النهاية، لا يقدم ساتون وصفة واحدة تصلح للجميع، و إنما يدعو إلى التفكير في كل موقف وفق ظروفه، مع الاحتفاظ بهدف أساسي: ألا يسمح الإنسان لشخص مؤذ بأن يحدد قيمته أو يسيطر على حياته.
يناسب الكتاب كل شخص اضطر في مرحلة من حياته إلى التعامل مع مدير صعب، أو زميل مؤذ، أو شخصية تستنزف طاقته باستمرار.
وهو مفيد بشكل خاص للموظفين والمديرين وأصحاب الأعمال، وكذلك للعاملين في الموارد البشرية والقيادة والإدارة.
كما يمكن أن يستفيد منه أي شخص يريد فهم كيفية وضع الحدود والتعامل مع العلاقات المهنية الصعبة دون الانجرار إلى صراعات مستمرة.
والكتاب مناسب أيضًا لمن يشعر بأنه أصبح يستهلك طاقة كبيرة في التفكير في شخص آخر، ويريد استعادة قدر أكبر من السيطرة على وقته ومشاعره وتركيزه.
أخيرًا:
عندما تطوي الصفحة الأخيرة، ربما تدرك أن النجاة من الأشخاص المؤذيين لا تعني أن تصبح أقوى منهم، ولا أن تنتصر عليهم في كل مواجهة.
بل تعني ألا تسمح لسلوكهم بأن يغير شخصيتك، أو يقلل من قيمتك، أو يستولي على حياتك.
قد لا نستطيع اختيار كل الأشخاص الذين تقابلهم، وقد نجبر أحيانا على العمل مع أشخاص لا نشعر بالراحة معهم، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نحمي حدودنا، وكيف نختار ردود أفعالنا، وكيف نعرف متى نتحدث، ومتى نصمت، ومتى نواجه، ومتى نبتعد.
فالإنسان لا يملك السيطرة الكاملة على تصرفات الآخرين، لكنه يملك مساحة مهمة من السيطرة على الطريقة التي يستجيب بها لهم.
وربما تكون أهم مهارة يمكن أن نتعلمها من هذا الكتاب هي ألا نحول الشخص المؤذي إلى مركز حياتنا.
فلا تجعل يومك كله متعلقا بمزاج مدير، ولا قيمتك مرتبطة برأي زميل، ولا مستقبلك المهني مرهونا بشخص يحاول إحباطك.
أحيانا تكون أقوى إجابة على السلوك السيئ ليست الانتقام، إنما الاستمرار في بناء حياتك بعيدًا عن تأثيره.
لأن النجاة الحقيقية لا تحدث عندما يتوقف الآخر عن ازعاجك فقط، إنما عندما يتوقف تأثيره عن التحكم فيك.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: دليل النجاة من الأشخاص السيئين
العنوان الأصلي: The Asshole Survival Guide: How to Deal with People Who Treat You Like Dirt
المؤلف: روبرت آي. ساتون (Robert I. Sutton)
التصنيف: الإدارة – السلوك التنظيمي – العلاقات المهنية – القيادة – علم النفس التنظيمي
اللغة الأصلية: الإنجليزية
سنة النشر: 2017
الناشر: Houghton Mifflin Harcourt
عدد الصفحات: يختلف باختلاف الطبعة
ISBN: 9781328695928 للطبعة المنشورة عام 2017.
رقم الإيداع: لا يُدرج؛ لعدم توافر رقم إيداع عربي موثق للنسخة المعتمدة.
حقوق النشر
هذه المادة قراءة تحليلية مستقلة أعدت بهدف التعريف بالكتاب ومناقشة أفكاره في إطار ثقافي معرفي، وتعتمد على إعادة الصياغة والتحليل ولا تمثل نقلا للنص الأصلي. جميع الحقوق الأدبية والفكرية للعمل الأصلي محفوظة للمؤلف الناشر، يرجى الرجوع إلى النسخة الأصلية الكاملة للكتاب للاطلاع على محتواه بالتفصيل.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *