تمهيد:
ما الذي يجعل الإنسان سعيداً؟ ولماذا تختلف الأشياء التي تمنحنا المتعة من شخص إلى آخر؟ وهل السعادة مجرد شعور عابر، أم أنها نتيجة لعمليات معقدة تحدث داخل الدماغ؟
في كتابه المخ السعيد يحاول عالم الأعصاب دين برنيت الاقتراب من هذه الأسئلة من خلال العلم، لكنه لا يقدم السعادة باعتبارها وصفة جاهزة أو حالة يمكن للإنسان أن يعيش فيها طوال الوقت، بل يأخذ القارئ في رحلة لفهم الطريقة التي يعمل بها الدماغ وعلاقته بالمتعة والرضا والعلاقات والعمل والبيئة والعمر.
هذه القراءة ليست اختصارا للكتاب، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتربطها بالواقع النفسي والاجتماعي، وتفتح بابا للتأمل أكثر مما تقدم أحكاما نهائية.
لماذا كتب هذا الكتاب؟
ينطلق الكتاب من محاولة فهم السعادة من زاوية علم الأعصاب، فالسعادة تبدو للإنسان شعوراً بسيطا، لكنها في الحقيقة ترتبط بمجموعة من العمليات داخل الدماغ وبعوامل خارجية تؤثر في الإنسان طوال حياته.
ولهذا لا يكتفي برنيت بالسؤال عن الأشياء التي تجعلنا سعداء، وإنما يبحث في كيفية استجابة الدماغ لها، ولماذا تمنحنا بعض التجارب شعورا بالمتعة، بينما لا تؤثر تجارب أخرى بالطريقة نفسها.
ويأخذ المؤلف القارئ عبر جوانب مختلفة من الحياة، موضحا أن السعادة لا تنفصل عن المكان الذي نعيش فيه، والعمل الذي نؤديه، والأشخاص الذين نرتبط بهم، والحب والضحك، وحتى التغيرات التي تحدث للإنسان مع تقدم العمر.
يلخص هذا الكتاب عدة أمور:
يبدأ برنيت من السعادة في الدماغ، فيشرح كيف يرتبط الشعور بالسعادة بالعمليات العصبية والمواد الكيميائية التي يتعامل معها الدماغ، ومنها الدوبامين والسيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين، ومن خلال ذلك يحاول تبسيط الصورة المعقدة التي تقف خلف المشاعر التي نعتبرها تلقائية.
ثم ينتقل إلى الموطن والبيئة المحيطة، فالمكان الذي نعيش فيه ليس مجرد مساحة جغرافية، بل يمكن أن يرتبط لدى الإنسان بالشعور بالأمان والراحة والانتماء. ويبحث الكتاب في العلاقة بين البيئة وحالتنا النفسية، وفي سبب ارتباط بعض الأماكن لدينا بالطمأنينة أكثر من غيرها.
وفي فصل السعادة والعمل يناقش برنيت علاقتنا بالوظيفة والإنجاز والمال والإنتاجية، فالعمل لا يتعلق بالدخل فقط، وإنما يمكن أن يرتبط بالشعور بالقيمة والهدف والرضا.
وفي المقابل، قد يتحول العمل إلى مصدر ضغط عندما تصبح الإنجازات والمكاسب هي المقياس الوحيد للرضا.
أما الآخرون فيحتلون مكانا أساسيا في رحلة السعادة. فالإنسان كائن اجتماعي، وعلاقته بالأصدقاء والمحيطين به وشعوره بالقبول والانتماء تؤثر في تجربته النفسية. وهنا تظهر السعادة باعتبارها تجربة لا يعيشها الإنسان منفصلا عن المجتمع.
وينتقل الكتاب إلى الحب والشهوة والارتباط العاطفي، فيبحث في الطريقة التي تؤثر بها هذه التجارب في الدماغ، وكيف يمكن للعاطفة والرغبة والارتباط أن تشكل جزءًا مهما من التجربة الإنسانية.
ثم يأتي الضحك والفكاهة باعتبارهما جانبا آخر من جوانب السعادة، يحاول برنيت فهم سبب ضحكنا، وما الذي يجعل موقفا ما مضحكا، وكيف يمكن للفكاهة أن تؤدي دوراً في التعامل مع الضغوط والتوتر.
لكن الكتاب لا يقدم صورة وردية للسعادة؛ ففي الجانب المظلم للسعادة يناقش الوجه الآخر للسعي وراء الشعور الإيجابي، فالتوقع المستمر بأن نكون سعداء قد يتحول في حد ذاته إلى عبء، وقد يجعل الإنسان ينظر إلى المشاعر السلبية باعتبارها فشلا بدل أن يراها جزءًا من الحياة.
وفي الفصل الأخير، السعادة على مدار العمر، يتابع المؤلف تغير علاقتنا بالسعادة مع تقدمنا في الحياة، موضحا أن ما يهم الإنسان في مرحلة عمرية قد لا يكون هو نفسه ما يمنحه الرضا في مرحلة أخرى.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب كل من يريد فهم السعادة من منظور علمي مبسط، والمهتمين بعلم الأعصاب والسلوك الإنساني، والقراء الذين يريدون معرفة ما يحدث داخل الدماغ عندما نشعر بالمتعة والرضا، كما يناسب من يبحث عن قراءة علمية مختلفة للموضوع بعيدًا عن وصفات السعادة السريعة.
مميزات الكتاب:
يمتاز الكتاب بتبسيط موضوع علمي معقد، وربط عمل الدماغ بتجارب نعيشها يوميًا، كما أن تنوع موضوعاته يمنحه اتساعا واضحا؛ فهو لا يحصر السعادة في الدماغ وحده، بل يربطها بالبيت والعمل والعلاقات والحب والضحك والعمر.
قراءة صحفية:
القيمة الأبرز في المخ السعيد أنه لا يتعامل مع السعادة باعتبارها زرا يمكن الضغط عليه، بل تجربة معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية.
فالكتاب يدفعنا إلى إعادة النظر في السؤال نفسه: بدل أن نسأل فقط «كيف أصبح سعيدًا؟»، ربما يكون السؤال الأهم: لماذا أشعر بالسعادة أصلا، وما الذي يحدث داخلي عندما أشعر بها؟
ومن هنا تتحول السعادة من شعار إلى موضوع يستحق الفهم، فالسعادة ليست غياب الحزن، وليست امتلاك كل ما نريد، وإنما تجربة إنسانية متغيرة تتأثر بالدماغ والبيئة والعمل والعلاقات والحب والضحك والعمر.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلاً عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: المخ السعيد: العلم الخاص بمصادر السعادة وأسبابها
المؤلف: دين برنيت
المترجم: د. عبد الرحمن ح. حمودة
دار النشر: عصير الكتب للنشر والتوزيع
بلد النشر: جمهورية مصر العربية
الطبعة: الطبعة الأولى
سنة النشر: 2021
عدد الصفحات: 456 صفحة
ISBN / : 9789778587609







